; النزاع الجزائري - الفرنسي حول الأرشيف الوطني | مجلة المجتمع

العنوان النزاع الجزائري - الفرنسي حول الأرشيف الوطني

الكاتب عبدالله بوفوله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 51

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 08-فبراير-2000

النزاعات حول الأرشيف كثيرًا ما تحدث بين الدول في كل مكان وزمان وكثيرًا ما تكثر في الحياة الدولية فوق ما نتصور، غير أنها تمر دون أن يلاحظها عامة الناس ولا يكترث لها سوى أمناء المحفوظات وبعض الرجال من السلك الدبلوماسي أو المؤرخين باستثناء حالات خاصة يتحمس للأرشيف ويعتبره تجسيدًا لذاكرته الجماعية.
الجزائر:
وتسوى هذه النزاعات عمومًا حينما تبرم الدول المتنازعة معاهدات، لقد أشرت في أحد التقارير التي عرضتها على لجنة القانون الدولي - وهي جهاز تابع للأمم المتحدة - يضم خبراء مكلفين بوضع وتطوير القانون الدولي بشكل تدريجي، أن هناك مائتي معاهدة أبرمت فيما بين القرنين السابع عشر والعشرين كانت تحتوي جميعًا على بنود خاصة بالأرشيف والهدف من هذه الإشارة هو الدلالة على كثرة النزاعات حول الأرشيف في حياة الشعوب والدول وتنتج هذه النزاعات عمومًا عند انتقال تراب أو جزء ترابي من سيادة دولة السيادة دولة أخرى، إن الدول تنشأ وتزول أو تتعرض للتقلص أو تتسع رقعتها، كما يشهد تاريخ العالم تفكك دول وتجزها أو تشكل اتحادات ووقوع تنازلات وتحويل أراض وحلول الاستعمار أو نزعه، إن القانون الدولي الذي من واجبه التشريع وتهذيب العلاقات بين الدول يحتوي على فصل خاص يسمى بـ «ثورات الدول» يتضمن بعض المبادئ والقواعد التي تسير هذه التحولات الترابية وانعكاساتها على مصير أرصدة الأرشيف.

لقد أكد كل من الأمم المتحدة واليونسكو ضمن قراراتهما العديدة، على أهمية الأرشيف بالنسبة لتاريخ تلك الأمم التي كانت واقعة تحت السيطرة الأجنبية أي تاريخها العام والثقافي والسياسي والاقتصادي، كما أوصت هاتان المنظمتان بإبرام اتفاقات ثنائية ما بين الدول لتحويل الأرشيف إلى الدول الحديثة الاستقلالالتي لها الحق في ميراثها.
معطيات القضية: لقد انكبت الجزائر منذ سنوات خلت على مهمة إشعار السلطات الفرنسية بهذه القضية وسعت دومًا للبحث عن حلول مناسبة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الشرعية لكلا البلدين، مع احترام المبادئ المعمول بها في ميدان الأرشيف والسارية فيالتشريع الدولي.
 1- نبذة تاريخية عن النزاع: قامت فرنسا ما بين عامي ١٩٦١م - ١٩٦٢م - أي عشية الاستقلال - بترحيل كتل ضخمة من الأرشيف الجزائري إلى فرنسا، وتلقى أمناء المحفوظات الفرنسيون العاملون في الجزائر في أوائل ١٩٦١م، تعليمات خاصة بتصوير الأرشيف تصويرًا مصغرًا، وقد تم الترحيل الأول بأمر مباشر من المديرية العامة للأرشيف بفرنسا «رسالة مؤرخة في ٦ مارس ١٩٦١م تحمل توقيع المدير العام» وفي بداية سنة ١٩٦٢م صدر قرار جديد آخر بترحيل جميع الوثائق المخطوطة أو المطبوعة إن كان ما فيها يكتسب منفعة وثائقية أو تاريخية، وعلى ما يبدو لم يكن للمديرية العامة أي تدخل في هذا القرار، بل يبدو أن المديرية الفرعية للإدارة العامة «التابعة للمندوبية العامة في الجزائر» هي التي قررت ونفذت هذه المهمة الجديدة «مذكرة رقم A 534 D.GAG IAG.2 والمؤرخة في ٦ مارس (١٩٦٢م»
٢ - طبيعة الأرشيف المرحل وأهميته:
يظهر من خلال الكشوف المختصرة التي أعدتها مديريات الأرشيف الولائية بالتحديد في الجزائر ووهران وقسنطينة أن الترحيل لم يكن يحترم أي مقياس وكان يشمل جميع أنواع الوثائق المرتبطة بالميادين الإدارية والسياسية  والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد مما يدل على أن التمييز بين أرشيف السيادة والأرشيف الإداري والذي نشك فيه لم يكن يحظى بأي دور عند اتخاذ قرار الترحيل ولنذكر على سبيل المثال بعض ما تم نقله من
الأرشيف :
أ - الأرشيف التاريخي للدولة الجزائرية
المؤرخة ما بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر أي ما قبل الغزو الاستعماري: «سلسلة- Z  - - راجع الفقرة - ب – لاحقًا»
ذكر شهود كثيرون في تلك الفترة (۱۸۳۰) أن حجمًا كبيرًا من الوثائق الرسمية الجزائرية كانت موجودة في القصبة وفي المباني الرسمية، قد تعرضت للإتلاف والنهب والبعثرة خلال سنوات الغزو الأولى (۱۸۳۰ - ۱۸۳۵) أما ما تبقى من الوثائق التي نجت وحفظت في مأمن فقد نقل إلى فرنسا عشية الاستقلال (١٩٦١ - ١٩٦٢) رغم أنها لاتخص إطلاقًا الوجود الفرنسي في الجزائر بل إنها تشهد على وجود دولة جزائرية منظمة قبل الغزو الاستعماري، وعندما طالبت الجزائر بإلحاح باسترجاع هذه الوثائق تم إعادة بعضها خلال مراحل عديدة - ١٩٦٧: استرجاع ٤٥٠ سجلًا ۱۹۷۵ : ١٥٣ علبة، ۱۹۸۱ م ۱۳۳ سجلًا، وحيث لم تكتمل عملية الاسترجاع هذه فيبدو أن النزاع لم يسو إلا جزئيًا، ونحن على يقين من أن هناك كميات أخرى من هذا الأرشيف الخاص بفترة ما قبل الغزو لا تزال موجودة ب «أكس إن بروفنس» وبعض المؤسسات الفرنسية الأخرى. 
ب - الأرشيف التاريخي المصنف ضمن المرحلة الاستعمارية.

ج - الأرشيف الإداري غير المصنف والمؤرخ في الفترة الاستعمارية. 

وتجدر الملاحظة إلى أن هناك أنواعًا وثائقية أخرى تم ترحيلها إلى «أكس إن بروفنس» مثل المطبوعات والكتب والصحف والخرائط وغيرها. وقد قدر حجم هذه الوثائق بـ ۲۰۰,۰۰۰
علبة تقريبًا أي ما يفوق ٦٠٠ طن من الوثائق. 

الظروف التي تم فيها الترحيل تلخصت التبريرات عنها فيما يلي:

 - ضمان صيانة الوثائق التي تكتسب أهمية سياسية أو التي تتعلق بتاريخ الجزائر.

-  الشروع في عمليات التصوير المصغر مع الحرص على إدراج عنوان «الجزائر» ضمن الشطر الأبجدي الأول للأقسام الفرنسية. 

- اتخاذ إجراءات لتأمين الأرشيف من مظاهرات مايو ١٩٥٨م وخطر منظمة الجيش السري، ومما نتج عنهما من تدمير وإتلاف محاضر جرد أو محاضر تسليم سواء على مستوى مستودع أرشيف الحكومة العامة أو الأقسام والهياكل الإدارية الأخرى.
احتفاظ فرنسا بأرشيف الجزائر اغتصاب للذاكرة الوطنية والتاريخية والسياسية
3- مطالب الجزائر والموقف الفرنسي:
لم تتوقف الجزائر منذ ١٩٦٢م عن المطالبة باسترجاع الأرشيف الجزائري، ففي سنة ١٩٦٧م طالبنا بتنفيذ توصيات المائدة المستديرة للأرشيف «فرسوفيا - ١٩٦٣م» رغم ذلك لم نتلق سوى تأجيلات للموضوع ومناورات لكسب الوقت دامت عشرين سنة، وإثر هذه الفترة تشكل فريق عمل مشترك جزائري - فرنسي اجتمع أربع مرات عام ١٩٨٠ م ثم مرتين عام ۱۹۸۱م. وقد وقع خلالها الجانبان على محاضر الاجتماعات، وفي ١٦ يونيو ۱۹۸۰م منع رئيس الجمهورية الفرنسية في رسالة منعًا باتًا أي مفاوضات في الموضوع ولكننا ننتظر دائمًا بروز إرادة سياسية مختلفة لتسوية الملف، فطلب الجزائر شرعي سواء من حيث القيم التاريخية أو من جانب القانون الدولي. 

إن قضية الأرشيف تثير مشكلات عديدة مرتبطة بمفهومي السيادة والتراث، وهناك أسس شرعية يقوم عليها المطلب الجزائري تستند إلى قرارات المائدة المستديرة الأولى يفرسوفيا (١٩٦٣م) - اجتماع خبراء منظمة اليونسكو (۱۹۷۷م) - المؤتمر العام العشرون المنظمة اليونسكو (۱۹۷۸م) - تقارير «أحد عشر» عرضت على لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة (۱۹۷۲م - (۱۹۸۰م) - معاهدة «توراث» الدولية الخاصة بالأملاك والأرشيف وديونالدول «فيينا - مارس إلى أبريل ۱۹۸۳م» 

وهناك مبادئ أساسية في هذا المجال:
1- مبدأ «التراب» الذي يقضي بأن يبقى الأرشيف فوق التراب الذي أنتج عليه ويتحتم بذلك استرجاعه في حالة ترحيله.
۲ - مبدأ احترام الأرصدة: الذي ينص على أن الرصيد الوثائقي عبارة عن كيان
عضوي غير قابل للتجزئة.
لقد ورثت الجزائر وثائق مجزأة في شكل وحدات منعزلة وجدت نفسها معوزة لسيادة. تمارسها لطريقة تسير بها مباحثاتها الحدود «مثلًا مع تونس» وفيما يخص وثائق الحالة
المدنية، والإحصاءات الزراعية والإسكان والمطبوعات الموحدة، والمخططات التقنية ومن ضمنها المباني العمومية والملفات الخاصة بالموظفين وقدامي السياسيين وغيره من الأرشيف، ويتعذر الانتفاع المباشر واليسير بالمصادر الوثائقية فيظل البحث التاريخي يصادف العراقيل.
المقترحات الجزائرية
أصبح الإصغاء للمطلب الجزائري أمرًا محتومًا على فرنسا وعليه فيمكن التفكير في حلول مطابقة للمصالح الشرعية لكلتا الدولتين مع احترام أسس علم الأرشيف المتفق عليه ضمن المجموعة العلمية والمبادئ السارية في التشريع الدولي، ومن هذا المنظور، تقترح
الجزائر ما يلي :

1 - تعيين لجنة مشتركة دائمة، تضم خبراء من كلا البلدين وتصبح الجزائر بموجبها في نفس المستوى من حيث الانتفاع بهذا الأرشيفوالاطلاع على مضمونه
٢- وضع أجندة لاسترجاع الأرشيف عبر ثلاث مراحل أساسية
في المرحلة الأولى: تسترجع الجزائر الأرشيف المصنف سواء كان مزودًا بأدوات
للبحث أم لا، ونفس الشأن بالنسبة للوثائق التي حجزها الجيش الفرنسي خلال العمليات
العسكرية من ۱۸۳۰ - إلى ١٩٦٢م. في المرحلة الثانية يسترجع الأرشيف الذي لم يصنف بعد والذي قد يساعد في التنمية الاقتصادية والذي يسمح تبليغه.
خلال المرحلة الثالثة: يسترجع الأرشيف الحديث العهد والذي يبقى تبليغه للجمهور خاضعًا للقانون المعمول به في البلدين وتتم عملية الاسترداد تدريجيًا.
وخلال المرحلتين الثانية والثالثة قد يسمح لأمناء المحفوظات الجزائريين ضمن اتفاق
خاص أن يشاركوا في أعمال التصنيف والجرد.
3- تطوير التعاون بين مؤسستي الأرشيف في البلدين، فهناك وثائق عديدة أنتجتها واستلمتها فرنسا ذات أهمية بالنسبة للجزائر وبإمكان الجزائر اقتناءها من خلال التبادل بين البلدين، أو استنساخها مع العلم أن المطلب الجزائري الشرعي لا يخص سوى الأرشيف الذي انتجته فرنسا أو استلمته إبان وجودها فوق التراب الجزائري، وأخيرًا لاشك أن هذا النزاع يكتسب طابعًا شائكًا وهو مشحون بمشاعر التعصب، غير أنه لا يستحيل أن نبحث عن سبل تؤدي إلى حلول للمشكلات عندما تتغلب روح المسؤولية .

الرابط المختصر :