العنوان النظام الرأسمالي المهترئ هو سبب أزمة التضخم العالمية.. ولسنا نحن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975
مشاهدات 11
نشر في العدد 263
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-أغسطس-1975
الترف وتملق الناخبين واختلال علاقات الإنتاج... من
أسباب الأزمة.
الأمريكيون والأوروبيون ربحوا من نفطنا أكثر مما
ربحنا عبر البضائع والأسلحة وأرباح الشركات!!
• ليس من المستبعد أن يجيء يوم يرد فيه الأوروبيون والأمريكيون ظواهر
انتشار الوثنية والجاهلية في بلادهم إلى وجود الإسلام والمسلمين ويقولون: إن
التوحيد في الدين الإسلامي أدى إلى انتشار الوثنية في بلادنا، وأن التبرج الجاهلي
لنساء الغرب سببه أن الإسلام لم ينه عن التبرج الجاهلي!!
• وإذا سألتهم عن علة هذا التفسير الخرافي للأحداث استغشوا ثيابهم
وأصروا واستكبروا استكباراً، ولاذوا بالصمت المطبق أو أجابوا بالباطل والزور.
• فالغربيون حين يتعلق الموضوع بنا يقلبون قواعد المنطق ويلغون
العلاقة السببية بين المقدمة والنتيجة، إنهم يريدون تحميلنا تبعة كل المصائب في
الأرض.
• في هذه الفترة يجابه الزائر العربي لأوروبا ظاهرة عدائية في عيون
الناس ومشاعرهم هناك، فهم ينظرون إلى هذا الزائر وكأنه الجلاد الذي يلهب ظهورهم
بسياط التجويع أو المحتكر الذي ضيق عليهم حياتهم وكتم أنفاسهم.
لماذا؟ • لأنهم
ينظرون إلى العربي - من خلال النفط وعائداته - على أنه هو سبب الأزمة النقدية
والتضخم والبطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي والتجاري بوجه عام.
• إن الإعلام الغربي عبر التلفزيون والسينما والمسرح والصحيفة والكتاب
والنشاط الدبلوماسي والتصريحات السياسية، جدد في الإحساس الغربي مفهوم العداوة
للعرب مستنداً إلى مسألة جديدة هي النفط وأموال النفط.
• ونقول: جدد؛ لأن رواسب العداء قديمة جداً منذ الحروب الصليبية، ثم
منذ موجات الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي كله.
• فهل صحيح أننا نحن سبب أزمة الغرب الاقتصادية بمضاعفاتها المختلفة؟
وهل صحيح أن هذه الأزمة بدأت مع تصحيح - ولا نقول ارتفاع - أسعار البترول؟
• من السهل جداً أن يحملنا الغرب هذه المسؤولية ويستريح، بيد أن هذا
لا يحل المشكلة؛ فالأوروبيون بدلاً من أن يواجهوا واقعهم المهترئ بصراحة وشجاعة
هربوا من هذا الواقع وراحوا يخدعون أنفسهم بتفسيرات أسطورية.
• إن جوهر المشكلة يكمن في بنية النظام الرأسمالي المتداعي والآيل
للسقوط، ويكمن في العلاقات الإنتاجية الظالمة والمتوترة وفي الترف، وفي فلسفة
عبادة المادة، وفي إقامة مجتمعات صناعية متقدمة على حساب الدول الفقيرة والإبقاء
على هذه الدول في حالة دائمة من فقر الدم والعقل والجيب؛ أي إنهم يستمدون سعادتهم
من تعاسة الآخرين!
• وعند التفاصيل يتضح أكثر سبب الأزمة ومن أنشأها ونماها، والمعادلة
في بساطتها هي أن الغرب:
1.
يريد بلادنا
مصدراً للمواد الخام يشتريها بأبخس الأسعار.
2.
وفي الوقت نفسه
يريد بلادنا سوقاً يصدر إليها بضاعته الصناعية بأغلى الأسعار.
• إن تصحيح أسعار البترول شكل من أشكال ممارسة السيادة والاستقلال في
الدول المصدرة للنفط، وممارسة السيادة لا تعني في أي زمن من الأزمان حدوث أزمة،
وإنما تعني إنهاء شكل من أشكال الابتزاز الاقتصادي الاستعماري.
• وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن تصحيح أسعار البترول قد استغله الغرب
واستغلته أمريكا واستفادوا منه جميعاً؛ فالشركات الأمريكية والأوروبية قد ضاعفت
أرباحها ثلاث مرات بعد تصحيح أسعار البترول عام 1971م، وليس لأنظمة الدول
الرأسمالية سوى مجموعة من الشركات.
• وهذه الدول الصناعية أغرقت أسواقنا ببضائع استهلاكية مرتفعة السعر
فدفعت بلادنا من مداخيل النفط آلاف الملايين من الدولارات ثمناً لتلك البضائع،
وتحولت البلدان المصدرة للنفط إلى ترسانات أسلحة ومخازن معدات عسكرية، وهذه
الأسلحة غالية الثمن تأتي في معظمها من أوروبا وأمريكا فيعود ثمنها من ثم إلى
أصحاب مصانع الأسلحة.. وما أبهظه من ثمن!
• فلو طرحنا من مداخيل النفط أرباح الشركات الأجنبية وأثمان البضائع
الاستهلاكية وأسعار الأسلحة فماذا بقي للعرب إذن؟
• إن الحرص على التفاوت الطبقي والإبقاء على الخلل الاقتصادي كما هو،
كل ذلك سبب التضخم والأزمات الأخرى؛ فقد صار للفقراء في البلاد المتقدمة منظمات
تحميهم هي النقابات القوية، وصارت النقابات تطلب زيادة الأجور لمواجهة التضخم، إذ
إن التضخم يزيد كمية النقود في السوق دون زيادة مساوية في كمية البضائع والأشياء
عامة، وهكذا تدور الحلقة: تعز الأشياء وتفقد النقود قيمتها، وتضطر المصانع إلى
التخلص من العمال فتزداد البطالة.
• هذه هي الأزمة التي تواجهها المجتمعات الغربية، وقد بدأت هذه
الظاهرة منذ عشر سنوات، والغرب عرف هذه الظاهرة وأدرك مضاعفاتها ولكنه لم يجد
الشجاعة لتجرع العلاج المناسب، تماماً كمدمن الخمر الذي أتلف الإدمان أعصابه ولكنه
لا يقلع عن السكر بسبب استجابته المطلقة لهواه ونزوته.
• كان العلاج لأزمة النظام الرأسمالي يتمثل في الإقلاع عن الترف والكف
عن تملق الناخبين في الحملات الانتخابية، ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك.
لماذا؟
- أولاً:
لأن المجتمعات التي ذاقت الترف رفضت أن تبحث عن حل يتضمن شيئاً من التقشف.
- ثانياً:
ولأن الأحزاب المتنافسة على أصوات الناخبين يحاول كل منها أن يتجنب اتخاذ
قرارات التقشف حتى وصلت الأمور إلى حالة غريبة فيها كل عيوب التضخم
والانكماش، فالأسعار ترتفع بسرعة جنونية ومع ذلك فالبطالة تزيد، وقد بلغ حجم
البطالة في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 11 مليوناً من العاطلين عن
العمل.
• إن نظامكم ذاته سبب أزمتكم فلا ترمونا بمصائب هي من صنع أيديكم: ﴿وَيْلٌ
لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل