العنوان النظريات التربوية في حياة النبي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ
الكاتب إيمان محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1415
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 29-أغسطس-2000
المجتمع التربوي
إعادة تشكيل الشخصية البشرية بأساليب: القدوة.. الترغيب والترهيب.. ضرب الأمثال.. الموعظة والجدال الحسن
تتبارى كثير من الأسر في إلحاق أبنائها بالمدارس الأجنبية اعتقادًا منها أنها بذلك توفر لهم بيئة صالحة للتعليم، والحقيقة التي قد يجهلها البعض أن معظم خبراء التربية في الغرب استفادوا من مدرسة النبوة التي أسسها المصطفي صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ منذ ١٤ قرنًا، التي سبقت أحدث النظريات في مجال التربية والتعليم، فهو بحق أعظم معلم في مجالي التربية وعلم النفس.
عن ملامح مدرسة النبوة وأهم نظريات التربية المحمدية يحدثنا خبراء التربية: يقول د. سعيد إسماعيل علي -أستاذ أصول تربية بجامعة عين شمس بالقاهرة- إذا كانت المهمة الأولى للرسل عمومًا ولرسولنا الكريم صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ على وجه الخصوص تبليغ الرسالة الإلهية للبشر، إلا أننا نرى أن هناك مهمة أساسية أخرى قرينة للمهمة الأولى ألا وهي إعادة تشكيل شخصية البشر كي تتواءم مع النهج الذي يريده الله سبحانه وتعالى لخلقه، وقد قام رسولنا الكريم صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ بهذه المهمة خير قيام، فكان يحث المسلمين على طلب العلم حينما قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وكان يجعل فداء الأسير من الكفار تعليم عشرة من المسلمين مبادئ القراءة والكتابة. كذلك كان يحث على حسن تسمية الأبناء لأن الاسم غير الحسن يضع الكثير من العقبات بين صاحبه وغيره من الناس وفضلًا عن ذلك كان يطالب الآباء بأن يرفقوا بأبنائهم، وذلك من خلال معاملته النموذجية للحسن والحسين -رضي الله عنهما- ونصائحه المباشرة للصحابة التي منها: «من لا يَرحم لا يُرحَم».
بل إن بصيرته صلى الله عليه وسلم امتدت في تربية الأطفال إلى ما قبل الميلاد من خلال الحث على حسن اختيار الزوج لزوجته، والعكس أيضًا مصداقًا لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس، وذلك لأن التكوين الفسيولوجي والبيولوجي والاجتماعي والثقافي والديني لكل من الأب والأم هو الحصن الأساسي لتشكيل الشخصية في سنواتها الأولى، يضيف د. سعيد ومن أساليبه التربوية صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ ما هو معروف بالترغيب والترهيب بمعنى الوعد بالمكافأة في الدنيا والآخرة لمن يسلك سلوكًا حسنًا ويلتزم الطريق المستقيم وإنذار من يتعرف عن هذا الطريق بأنه سوف يلاقي العقوبة التي يستحقها سواء في الدنيا أو في الآخرة، مع لفت النظر إلى العدل في الثواب والعقاب إذ يجعل الله تعالى الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها.
أسلوب ضرب الأمثال -كما يرى د. سعيد- من أهم أساليب التربية النبوية، وذلك لأن الإنسان بطبيعته، وخاصة في مراحل عمره الأولى قد لا يألف الأفكار المجردة والتعاليم الجديدة، وهنا يأتي المثل النبوي ليربط بين هذا المجرد أو هذا الجديد، وبين أمور أخرى ألفها الناس وخبروها في حياتهم ومعاشهم، وهذا أسلوب معروف في التربية يسحب حكم المألوف على الجديد غير المألوف فينقش في الذهن ويعيه القلب.
ويواصل د. سعيد حديثه: أسلوب الموعظة والجدال بالتي هي أحسن من ضمن أساليب التربية النبوية، فما وجدناه صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يشتد في نقاشه أو يستخدم ألفاظ غير لائقة، وإنما هو صاحب الأسلوب الهادئ القائم على الحجة العقلية والأدلة المنطقية والمدخل المباشر إلى القلوب ولعلنا في زماننا هذا بالذات أحوج ما نكون إلى الامتثال بهذا الأسلوب بصفة خاصة، حيث يشتد اللدد في الخصومة ويصبح من السهل على كل طرف أن يقوم بتخوين من يخالفه أو يرميه بأبشع الصفات، ولقد لمس أيضًا المصطفى صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ قيمة القصة في الوعظ والإرشاد بطريق غير مباشر لذا وجدناه في بعض المواقف يستخدمها لتقريب المعاني والحث على السلوك.
سمات التربية الإسلامية
متفقًا مع الرؤية السابقة يؤكد د. علي السيد الشخيبي -أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس- أن انتشار كثير من الأمراض الاجتماعية والنفسية بين شبابها يدفعنا إلى ضرورة الاهتمام بالتربية الإسلامية التي تتميز دون غيرها من فلسفات ونظريات تربوية قديمة أو حديثة عدة هي أنها:
١ - تربية متكاملة بمعنى أنها تهتم بالروح والجسد والدنيا والآخرة والفرد والمجتمع وعلاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.
- تربية مستديمة بمعنى أنها تتناول الفرد منذ ميلاده وحتى وفاته.
- تربية عادلة بمعنى أنها تربية لجميع الأفراد بغض النظر عن أي عامل اقتصادي أو اجتماعي -ولجميع الشعوب، أي أنها لا تقتصر على شعب أو أمة بعينها، كما أنها لا ترتبط بفترة زمنية معينة.
- تربية ربانية بمعنى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع أهدافها ومبادئها.
أساليب متنوعة: تعدد طرق وأساليب التربية الإسلامية وأهمها كما يرى د. الشخيبي التربية بالموعظة الحسنة، وخير من يمثل الموعظة أو القدوة الحسنة هو الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ في أخلاقياته وسلوكياته مع ربه ومع أصحابه ومع أسرته ومجتمعه، فمن الناحية الأخلاقية نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ...﴾ [الأحزاب: 21].
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
بناءً على ما سبق، يقول د. الشخيبي: نحن في حاجة إلى أن نتمثل الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ كقدوة حسنة في سلوكياتنا وعلاقتنا بأطفالنا إذا أردنا لهذا الجيل أن يتحمل مشقة إعادة بناء المجتمع بما يتفق ومبادئ بينما الإسلامي الحنيف والتغيرات العلمية والعالمية المختلفة.
ذكر الله عند الشروق والغروب
خاطب الله تعالى الملائكة في كتابه العزيز فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 72].
والشاهد في الآية قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾.
أي أن أجسادنا لا شيء بلا روح، وأن للروح نسمات ترفرف وقد أقسم الله بوقتين هما: قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، فيقول تعالى في سورة التكوير: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18].
والواو واو القسم، وتنفس الصبح يكون قبل طلوع الشمس.
ويقول تعالى في سورة الانشقاق: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: 16].
والشفق إذن وقت الغروب، فهذان الوقتان مهمان جدًا، ولهما هداتهما وسكونهما، كما لا يخفى على أحد.
ولهذا فالله تعالى يحثنا بل يأمرنا في آيات عدة على ذكره فيهما، وخصص نوع الذكر، وهو التسبيح فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39].
ويقول تعالى في سورة طه:
﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ [طه: 130].
فيا الله ما أجلَّ المسلم عندما يرفرف بروحه مع التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فهو وقت يسير يقضيه غالب الناس في غير فائدة، وما أجمل الآيات التي تذكرنا بالصبر وزاد التسبيح لننال رضاء الله تعالى، وقد حثنا رسول الله صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ على صيغ التسبيح فقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».
فلنرطب ألسنتنا وتعلم أولادنا وأهلنا الإكثار من قول: «سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم»، فقد كان الرسول صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يكثر من الذكر.
محمد عبد الله الباردة
تجديد فكر المسلم
التحرر الفكري مع احترام الثوابت طريقة أسلافنا وليس دعوى جديدة
أن تعيش طوال عمرك بأفكار ثابتة في شتى مجالات الحياة فهذا دليل على الضعف لا على القوة، نعم هناك ثوابت لا يمكن التغيير فيها، بل يجب أن يحافظ عليها، وعلى قدسيتها وطهارتها، وعدا هذه الثوابت فالتجديد في الأفكار يكون محمودًا في كثير من الأحيان.
يجمعني ببعض المشتغلين بالدعوة بعض المجالس -وهم مع أن الله يسَّر لهم كثيرًا من الخير في أنفسهم، وفي تعاملهم مع المحيط الذين يعيشون فيه- لا يزالون مصرين على التمسك ببعض الأفكار التي تبين أن هناك ما هو أفضل منها، بل لا يرغبون في النقاش حولها مخافة أن تتغير آراؤهم وأفكارهم.
وإنني أقول لهؤلاء: إن المرء إذا كان يخاف أن تتغير أفكاره فمعنى ذلك أن الأفكار التي يحملها ليست هي الصواب الغالب، والأجدر بهذا الإنسان أن يسعى إلى النقاش، وأن يطرح ما في جعبته من استفسارات وأسئلة فإذا انجلى له الأمر وكانت الفكرة التي يحملها صالحة للبقاء، فليحافظ عليها، وإذا تبيَّن أنها ضعيفة فليكن جريئًا ولا يخاف الناس، بل ليحاول عرض الفكرة والمقصد على الناس متى ما ترجحت المصلحة في العرض أو النقاش.
إن كثيرًا من مثقفي العصر الذين كانت لهم تحولات عجيبة في أفكارهم وتوجهاتهم يمكن وصفهم بالقوة الفكرية، واحترام العقول التي كرمهم الله بها، هذا الدكتور محمد عمارة الكاتب والمفكر ينقل في مراحل حياته بأفكار كثيرة فقد كان يومًا من الأيام يرى أن صلاح الاقتصاد لا بد من أن يكون من خلال النظرية الاشتراكية، ثم تدرج فكره لقوته حتى أصبح علمًا من أعلام الفكر الإسلامي الذي يقوم على الكتاب والسنة، ومن أراد البراهين فليراجع كتبه المتأخرة.
إن للقراءة والثقافة دورًا بارزًا في تحديد الفكر والتطور في المواقف، فاليوم يعرف الإنسان فكرة لم يكن يعرفها بالأمس، فإن كانت صحيحة، ولها مجال في التطبيق، فلماذا لا يتغير؟
أسباب الجمود
إن من أسباب الجمود الفكري عند كثير من أبناء الصحوة العزوف عن القراءة، وإذا قرؤوا فلكتاب معينين في حدود جغرافية معينة تمتلك الصواب المطلق في حد زعمهم، فإذا دخلت مكتبة أحدهم وجدتها عامرة بالأثاث والديكور، وجديد الكتب والمعرفة موجود، ولكن ماذا في ثنايا هذه الكتب من معارف وأفكار، إنها تبقى حبيسة الأدراج لا يسوؤها إلا عدم امتداد اليد، وتصفحها فتعطي الشهد المصفى، فإلى متى نظل نحن أبناء الصحوة والحركة في ثبات ثقافي.
ولتعلم أن التجديد الفكري ليست دعوى جديدة بل هي طريق أسلافنا، فهذا الإمام الشافعي له مذهبان مذهب في العراق ولما وصل رحمه الله إلى مصر أصبح له مذهب جديد.. إمام المتكلمين الإمام أبو الحسن الأشعري كان نظارة في مذهب المعتزلة ولو كان من أصحاب الجمود لبقي معتزليًّا إلى الأبد. لقد ضرب أبو الحسن الأشعري المعتزلة أيما ضربة علمًا بأنه تلميذهم النجيب المتربي في أحضان أبي علي الجبائي، ولقد نصر مذهب أهل السنة والجماعة على يديه أيما نصر.
ومن المعاصرين شيخ الفكر، والمجدد فيه سيد قطب -رحمة الله عليه-. فلقد وصل في إحدى مراحل حياته إلى حدود الإلحاد ولكن التفكير وتجدد الفكر والحفاظ على الثوابت والتغيير في الأفكار غير الصالحة، كان من الأمور التي أرجعته خادمًا للدين يضحي بنفسه حتى لا ينال من الدين قدر أنملة.
إن الدعاء والخلوة مع النفس والمراجعة المستمرة والتحقيق في المواقف والتفريق بين الثوابت والمتغيرات عوامل وأسباب في الطريق إلى الحصول على فكر متجدد، والله المسؤول أن ينصر بنا الدين في كل مكان وزمان.
عبد الله بن سعد القحطاني- المنطقة الشرقية - السعودية
* مركز الإعلام العربي – القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل