; النفط علميًّا وإستراتيجيًّا | مجلة المجتمع

العنوان النفط علميًّا وإستراتيجيًّا

الكاتب فكري سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

مشاهدات 62

نشر في العدد 181

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

في السابع عشر من أكتوبر عام ۱۹۷۳ وفي مدينة الكويت اجتمع وزراء البترول العرب وقرروا تخفيض إنتاج البترول في كل دولة بنسبة لا تقل عن 5 بالمائة ثم الاستمرار في التخفيض دوريا كل شهر بنفس النسبة. وذلك وكما جاء في البيان الذي صدر بعد يوم من الاجتماع..

«وذلك حتى يتم جلاء القوات الإسرائيلية جلاء كاملا من جميع الأراضي العربية المحتلة في حرب يونيو ١٩٦٧ واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني…»

إن قرار السابع عشر من أكتوبر لوزراء البترول العرب. يعتبر مرحلة مهمة في مسيرة السياسة العربية المعاصرة. ذلك أن استخدام النفط کسلاح سياسي جاء تعبيرًا عن مطالب شعبية كانت مختزنة ومكبوتة في داخل الأمة منذ بدأت تشعر بأهمية هذا السلاح الذي تملكه، والذي لم يتم استخدامه على مستوى الحكومات إلا إبان حرب رمضان الماضية.

ففي عام ١٩٥٦ وهو عام العدوان الثلاثي على مصر. نادت الجماهير العربية باستخدام النفط. وبالفعل أوقف النفط کرد فعل انفعالي من قبل الجماهير. ولكن ما لبث النفط أن عاد مرة أخرى.

وعقب نكسة ١٩٦٧ رفع شعار قطع النفط مرة أخرى. وأدرج هذا الشعار على جدول أعمال مؤتمر القمة في الخرطوم، الذي أقر أن الحاجة إلى النفط لدعم دول المجابهة أكثر إيجابية من قطعه عن الدول المستهلكة. ولمعرفة أهمية وخطورة قرار السابع عشر من أكتوبر لا بد لنا أن نتعمق قليلا في الدور الذي يلعبه النفط في مستقبل العالم ومستقبل المنطقة. وهذا يدعونا إلى معرفة عميقة للنفط من الناحية العلمية والاقتصادية والاستراتيجية.

 

النفط علميًّا

أصل النفط

هناك نظريات عديدة تعالج أصل النفط وتكوينه. ولكن أكثر النظريات المرضية حتى الآن هي النظرية التي تقول إن النفط من أصل حيواني ونباتي، وإن النباتات هي الغالبة في تكوينه؛ وخاصة الطحالب والنباتات البحرية.. هذه الكائنات ترسبت في أعماق البحار أو الأنهار والمنخفضات، وأخذت تتراكم عليها الطبقات الأرضية منذ مئات الملايين من السنين.

 ونتيجة لهذا التراكم من طبقات القشرة الأرضية عليها واجهت ضغطًا شديدًا وحرارة مرتفعة، مما أدى إلى تغيرات طبيعية وكيميائية في الأجزاء الرخوة من تلك الكائنات حتى صارت نفطًا... ومن النادر أن يستخرج النفط من مناطق تكوينه. ذلك أن النفط عند تكونه يتكون معه الماء الذي ينساب النفط فوقه في باطن الأرض عبر تكوينات سامية وصدوع وشقوق في طبقات الأرض، حتى يصل إلى منطقة تتكون من صخور غير مسامية فيحبس فيها.

وهكذا فإن النفط يتكون في مناطق ويستخرج من مناطق أخرى. وربما يستغرق النفط في هجرته هذه آلاف من الكيلو مترات تحت طبقات الأرض.

 والمناطق التي يحبس فيها النفط تعرف باسم محابس النفط، وهي التي يحفر فيها لاستخراجه من خلال ما يعرف بآبار النفط.

... والنفط عرف منذ القدم، فلقد استخدمه المصريون القدماء في تحنيط جثث موتاهم وفي علاج كثير من الأمراض الجلدية. وأيضًا عرفه البابليون وقدسه الهنود الحمر وجعلوا منه مناطق مشتعلة طوال العام للعبادة، وبالطبع فإن معرفة الأقدمين به لم تأتي بالبحث والتنقيب، ولكنها كانت تأتي مصادفة. حيث يكون النفط في هذه المناطق قد تسرب من خلال طبقات الأرض إلى السطح ليخرج غازا مشتعلا أو ليكون شبه برك صغيرة تكونت من نتح الصخور المسامية الحاوية عليه.

 

صناعة النفط

صناعة النفط تعتبر أكبر وأضخم تبادل تجاري لأية سلعة واحدة في العالم. وهذه الضخامة تأتي من الصناعات المترتبة على توفر النفط كمصدر للطاقة أو كمصدر للمواد الأولية في كثير من الصناعات. وتأتي أهمية النفط أيضًا من كمية الاستثمارات الناتجة من صناعته.

وتعتمد صناعة النفط على ثلاث مراحل أساسية، هي أولا البحث والتنقيب، ثانيًا التقطير والمستخرجات. ثالثًا التسويق. هذا بخلاف كثير من الصناعات الجانبية مثل الشحن وصناعة الناقلات وأنابيب النفط عبر الدول والتأمين وغيرها..

أولا: البحث والتنقيب

وهي أولى مراحل صناعة النفط. وأكثرها تكلفة. وأعقدها من حيث التنفيذ وتطبيق العلوم والتكنولوجيا.

وهذه العملية تبدأ بالتكهن والشك عن أماكن النفط وتنتهي باليقين عند خروج النفط من الآبار. وبرغم الأجهزة العلمية المعقدة والتي تستخدم في البحث عن النفط والدراسات المستفيضة. فإن غالبًا ما تنتهي هذه الدراسات بالفشل. ذلك أن من واقع عشر آبار يتم حفرها يوجد النفط في بئر واحدة فقط. من هنا كانت هذه المرحلة تتميز بالتكاليف الباهظة والتي بلغت عام ۱۹۷۰ ما يزيد عن ۲۰٠۰ ملیون دولار... وتعتبر مرحلة التنقيب واستخراج النفط من الصناعات المحصورة في عدد ضئيل من الدول المتقدمة. بل والتي تحوي كثيرًا من الأسرار العلمية والأجهزة الخاصة غير المتداولة بين الدول حتى المتقدمة منها.

ونصيب الدول العربية في هذه المرحلة من صناعة النفط تكاد تكون معدومة أو مع أفضل الآمال فهي فقيرة وغير قادرة.

ثانيا: التقطير والمنتجات

إذا انتهت المرحلة الأولى وخرج النفط على المستوى التجاري. فلقد بدأ الخير كله. ففي فترة قصيرة من الزمن يتم التعويض عن كل التكلفة في المرحلة الماضية.

وإذا عرفنا أن النفط عبارة عن خليط من مواد هيدروكربونية «أي يدخل في تركيبها الأساسي كربون وهيدروجين». فإن تسخين هذا الخليط في أفران خاصة سوف تحوله إلى مجموعة من الغازات والسوائل.

وبالتسخين مرة ثانية لكل مجموعة على حدة ناتجة من هذه الغازات والسوائل؛ تنتج مجموعات جديدة من المواد. وهكذا بالتسخين يتم انفصال مكونات خام النفط، وهذا ما يعرف باسم التقطير، ويكفي أن تعرف للدلالة على ضخامة المواد الناتجة من النفط أن في العالم اليوم «11» ألف مادة تنتج من صناعات النفط، أو ما يعرف باسم البتروكيماويات، وأهم صور استخدامات النفط هي:

١ - هو مصدر أساسي لجميع صور الطاقة المحركة.. سيارات.. طائرات.. قطارات.. محركات المصانع... محطات توليد الكهرباء...

۲ - مصدر أساسي لصناعة العقاقير والمساحيق.

٣ - يدخل في مواد التنظيف والمواد القاتلة للحشرات.

٤ - الألياف الصناعية والخيوط والمنسوجات الصناعية.

٥ - اللدائن العازلة في السيارات والطائرات.

٦ - المطاط الصناعي وإطارات السيارات والأحذية.

٧ - العطور والأصباغ وصناعة النشادر التي تترتب عليها صناعات عديدة

ولقد تخطى النفط دوره الصناعي ليدخل ميدان التغذية للإنسان، فلقد أمكن تحضير المادة البروتينية من النفط. وهي المادة الأساسية لغذاء الإنسان. ويجد العلماء في النفط أنه مصدر لسد نقص الغذاء للإنسان في المستقبل القريب.

 ولأن النفط تعددت أدواره بالنسبة لحياة الإنسان كمصدر للطاقة والصناعة، فهو ليس مادة تجارية تدر الأرباح فقط، ولكنه مادة استراتيجية هامة للدول.

 

ثالثا: مرحلة التسويق

وهي المرحلة الأخيرة لصناعة النفط، ويقصد بالتسويق بيع النفط الخام أو منتجاته وإيصالها إلى المستهلك النهائي، والسبيل الوحيد إلى ضمان النجاح في التسويق هو التحقق من حاجات المستهلك من حيث الصنف والخدمة وتيسيرها له بأقصى فاعلية ممكنة وبأرخص سعر ممكن. وهذه العملية تعتمد على الأبحاث العلمية المتقدمة والتي تنتج مجالات لاستخدام النفط أو منتجاته. فلا بد للشركة التي تسوق من دراسة الأسواق على الدوام لمعرفة احتياج المستهلك لهذا اليوم والأسبوع القادم، بل والتطلع إلى الحاجات في المستقبل.

هل يمكن الاستغناء عن النفط؟

وأمام هذا التسلط النفطي على قدرات الدول وتحكمه في مستوى معيشة الأفراد، يبرز سؤال ليفرض نفسه في هذا المجال، وهو: هل يمكن التخلي عن النفط والبحث عن مصدر جديد للطاقة يماثل النفط!!..

علميًّا وعمليًّا فإن هذا ممكن، بل إنه واقع موجود. وذلك أن النفط ليس المصدر الوحيد للطاقة. وهناك أنواع متعددة لمصادر الطاقة، ونذكر منها على سبيل المثال. الفحم. الغاز الطبيعي الكهرباء الهيدروليكية الذرة. الطاقة الشمسية. الطاقة الحرارية المستخرجة من باطن الأرض.. و.. و.. وهذه الأمثلة مع غالبيتها إلا أنها عبارة عن صورة مختلفة لأحوال الطاقة. ويظل البحث مستمرًا عن مصدر يعطي الطاقة اللازمة لحاجات الإنسان الحالية والمطردة مع تقدم الدول. والتي يكمن بداخلها كميات هائلة من مخزون الطاقة.

وهذا المصدر لا يوجد إلا في داخل ذرات العناصر وخاصة المشعة منها. فهي الوحيدة التي يمكن لها أن تنافس النفط كمصدر للطاقة.

ومنذ خمسة عشر عامًا كان التفاؤل كبيراً جدًا بين العلماء، على أن الطاقة الذرية سوف تنافس النفط، بل سوف تغطي عليه تمامًا. وتجعله في الدرجة الثانية من مصادر الطاقة كما فعل هو مع الفحم. ففي عام ١٩٥٤ نزلت أول غواصة تعمل بالطاقة الذرية إلى المحيط وهي الغواصة الذرية نوتيليوس الأمريكية الصنع. وكانت نتائج العملية لها باهرة لدرجة أن أعقبتها غواصة ذرية أخرى أمريكية استطاعت الدوران حول الكرة الأرضية وهي مغمورة تحت سطح الماء ودون الخروج إلى السطح.

وبرغم ما يبدو من مغريات لاستخدام الطاقة الذرية في تحريك السفن؛ إلا أن الأخطار المحيطة بهذا العمل حالت دون الاستمرار فيه. فمثلًا في حالة تصادم مثل هذه السفن بعضها ببعض سيكون هناك خطر كبير من انتشار المواد المشعة وأثرها على مياه البحار والكائنات الحية الموجودة فيه.

أضف على ذلك بعض المشاكل الفنية التي تؤثر على حالة الركاب وأجهزة السفينة.

والوقود الذري في حد ذاته أرخص ثمنًا من الوقود التقليدي «ذي المصادر من النفط والفحم وخلافه». ولكن إذا وضعنا في الحسبان تكاليف المفاعلات الذرية وأسعار وسائل الأمن الخاصة بها، كذلك تكلفة القائمين على هذا العمل. نجد أن أسعار الوقود الذري أكبر كثيرًا من الأسعار التي تجعله على المستوى التجاري كسلعة. لذا فإن الأمل القائم على استخدام الطاقة الذرية بدأ يتلاشى تدريجيا. وأصبح النفط من واقع الحال القائم يمثل الطاقة التي لا يمكن التخلي عنها؛ حتى ولو بعد مدة تصل إلى نصف قرن على الأقل والتعبير عن ذلك فإن إحصائية الطاقة المستهلكة في العالم خلال عام ۱۹۷۰، تضع النفط في أول القائمة. كذلك يلاحظ فصل النفط عن الغاز الطبيعي برغم أنه من المصادر الناتجة منه.

مصادر الطاقة: نسبة استهلاكه ضد العالم

١- النفط: 45.6%

٢- الفحم: 30.6%

٣- الغاز الطبيعي: 17.4%

٤- الكهرباء الهيدروليكية: 5.9%

٥- الطاقة الذرية: 0.5%

هكذا فإن النفط أصبح مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

والنفط أوجد ترابطًا بين دول العالم لا يمكن التنصل أو التحلل منه. فمن خلال النفط أصبح هناك جغرافية جديدة للعالم تتكون من ثلاث حلقات مترابطة متماسكة لا انفكاك بينها.

ولا يمكن لحلقة أن تتخلى عن الأخرى.

 

الحلقة الأولى: حلقة الدول المنتجة المصدرة

وأهمها من حيث كمية الصادرات والاحتياطي المخزون لديها هي الدول العربية.

وغالبية دول هذه الحلقة دول متخلفة نامية فقيرة: المكسيك. فنزويلا. الدول العربية. إندونيسيا، وهذه الدول في أشد الحاجة إلى بيع نفطها لتلاحق ركب التقدم، ولكن يسيطر عليها الإحساس بالظلم والغبن من سوء معاملة الشركات الأجنبية في أراضيها.

أضف إلى ذلك أنها لا تستطيع أن تقوم بصناعة النفط. نظرًا للمشاكل التكنولوجية والمادية.

 

الحلقة الثانية: حلقة الدول المستهلكة:

وكلها دول متقدمة صناعيًا. وأهمها من ناحية الكميات المستوردة هي أوروبا الغربية واليابان، وهذه الدول تدرك جيدا أن لا غنى لها عن دول الحلقة الأولى لأن النفط مصدر لرفاهية شعبها وتقدمها المطرد.

الحلقة الثالثة: حلقة الشركات المستثمرة:

وأهم هذه الشركات من حيث الحجم والإمكانيات هي شركات أمريكية، وهذه. الشركات التي تتمثل في أمريكا؛ هي أكبر شركات ذات حقول امتياز ضخمة وتسويق كبير. وبالطبع فإن أمريكا لا غنى لها عن الحلقتين السابقتين، لأنها حقل واسع لأرباحها وثرواتها الطائلة.

إن خطورة قرار وزراء النفط العرب في السابع عشر من أكتوبر. وتأكيد هذا القرار من رؤساء وحكام وملوك العرب في مؤتمر القمة الجزائري. خطورة هذا القرار أنه يحاول كسر الروابط القائمة بين الحلقات الثلاث السابقة. أضف إلى ذلك أن قرار الحظر على النفط من قبل العرب مشروط بالانسحاب الكامل لقوات العدو من الأراضي العربية وإعادة حقوق شعب فلسطين.

هذا القرار المشروط من قبل العرب يقف وجها لوجه أمام المماطلة اليهودية والدهاء الصهيوني.

ودعنا نقف لحظة أمام أسوأ الظروف وأقربها إلى حقيقة الأمور.

العرب حريصون على استخدام النفط سياسيًا. والعودة إلى الضخ إليه مشروطة بالانسحاب وحقوق شعب فلسطين.

وفي الوقت ذاته الشخصية اليهودية العالمية من أهم صفاتها المماطلة حتى على مستوى الأفراد. أضف إلى ذلك الدهاء والخبث في نظم الصهيونية العالمية. ترى ماذا يحدث في الحلقات الثلاث السابقة في حال المماطلة اليهودية والإصرار العربي.

• إلى متى تحتمل الدول العربية حظر النفط. وهو المصدر الرئيسي لدخلها وتطلعها إلى التقدم؟.

• هل ستقبل الدول المستهلكة أن تضع مستقبلها ورفاهية أبنائها تحت رحمة الغير. وإلى متى؟..

• أمريكا إلى متى ستقف مكتوفة الأيدي. وهل تقبل بضياع هذا السيل من الأموال؟

وللخروج من هذا الوضع هناك احتمالان لا ثالث لهما:

أولهما.. هو محاولة للضغط الشديد على المماطلة اليهودية أو الإصرار العربي. والفائز مرحليًا على الأقل هو الأكثر مماطلة أو الأشد إصرارًا.

ثانيهما.. هو خروج الوضع عن نطاق الوفاق الدولي العام. وحدوث مجموعة متلاحقة من الأحداث السريعة والمتتالية، وقد ينتهي المطاف بحرب قد تكون أكبر من الحروب الإقليمية.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

94

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

لعقلك وقلبك  - العدد 22

نشر في العدد 723

160

الثلاثاء 02-يوليو-1985

ماذا تَبَقى من المؤامرة يا عرب؟

نشر في العدد 1099

55

الثلاثاء 10-مايو-1994

تقرير 1099