العنوان النقاط العشر.. وتسوية القضية الفلسطينية
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 935
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 03-أكتوبر-1989
• الولايات المتحدة لا تعتبر النقاط العشر
مناقضة للمبادرة «الإسرائيلية» بل هي محاولة للمساعدة على تحقيقها.
• كبير المحللين السياسيين في صحيفة هاآرتس:
أهمية النقاط العشر تكمن فيما هو غير وارد فيها أصلًا.
• النقاط العشر محاولة لسد فجوة الخلاف بين
خطة شامير والرفض الفلسطيني لها.
مرة أخرى دبت
الحياة في موضوع «التسوية السلمية» للقضية الفلسطينية.. ففي هذه الأيام تشهد
المنطقة تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا من مختلف الأطراف، الأمر الذي يؤكد أن شيئًا ما
يجري وراء كواليس الأطراف المعنية. والحقيقة أن مبادرات التسوية «السلمية» لحل
القضية الفلسطينية كثيرة وكثيرة جدًا، وقد بُدِئ بطرحها منذ فترة مبكرة.. ولكثرة
هذه المبادرات قيل إنها لو كُتبت على ورق فإن مساحته ستغطي مساحة فلسطين كلها.
ونظرًا للتاريخ الطويل لشعوبنا مع «المبادرات» ومحاولات التسوية السلمية، فقد أصبح
التقدم بمبادرات جديدة كائنًا من كان وراءها، لا يعني شيئًا كثيرًا؛ لأن شعوبنا
اعتادت على المبادرات التي لا «تسمن ولا تغني من جوع» ولا تقدم ولا تؤخر شيئًا
بالنسبة لقضيتنا ولحقنا السليب.
كما أنه من
المناسب التأكيد على أن استعراض هذه المبادرات يوضح أن أكثر هذه المبادرات ثورية،
وأكثرها تواطؤًا مع العدو المحتل، كلها تتمحور حول الإقرار لدولة العدو اليهودي
بالجزء الأكبر من أرض فلسطين المسلمة، وتحاول إقناع الطرف الفلسطيني بقبول هذا
الواقع البغيض مقابل إقامة دولة ممسوخة الإرادة والشكل والهوية على جزء من الأرض
الفلسطينية. وفي هذه المرحلة تستحوذ المبادرة المصرية «مبادرة النقاط العشر» على
اهتمام مختلف الأطراف.. فما الدوافع والخلفيات لطرح هذه المبادرة؟
جمود
من الواضح أن
حالة من الجمود قد ظهرت في الآونة الأخيرة على ما يسمى «بعملية التسوية السلمية»
ويمكن حصر ثلاثة أسباب رئيسية لحالة الجمود هذه:
السبب الأول: هو
التشدد والرفض «الإسرائيلي» للمبادرة الفلسطينية ولأطروحات المرونة والاعتدال،
وللاستراتيجية الجديدة التي اعتمدتها المنظمة في المجلس الوطني الأخير «نوفمبر
1988»، ورفض حكومة العدو لمبدأ إقامة دولة فلسطينية أو التفاوض مع منظمة التحرير
أو التنازل عن أي جزء من الأرض المغتصبة. السبب الثاني: هو رفض الشعب الفلسطيني
بكل اتجاهاته وفئاته لمبادرة شامير وخطة حكومة العدو حول الانتخابات في الضفة
الغربية وقطاع غزة، والتي تهدف إلى الالتفاف على الانتفاضة المباركة وإجهاضها بعد
أن فشلت كل وسائل القمع والإرهاب والتنكيل في إخمادها. السبب الثالث: مراوغة
الولايات المتحدة في جولات حوارها مع المنظمة، ووضوح هدفها الرامي إلى الضغط على
منظمة التحرير لتقديم التنازلات، وإجبارها على قبول خطة الانتخابات وعدم رغبتها في
ممارسة ضغوط على حكومة العدو، الأمر الذي جعل أكثر من مسؤول فلسطيني يؤكد أن جولة
الحوار الرابعة مع أمريكا كانت خطوة للوراء.
سد فجوة الخلاف:
لذلك فإن بعض
الأطراف أصبحت تعتبر أن «فرصة السلام» باتت مهددة بالضياع، وقد لا تتكرر ظروف
مواتية مرة أخرى، الأمر الذي ينذر ببروز تيار «التشدد والأصولية» في المنطقة على
حساب تيار «الاعتدال والواقعية». وفي هذه الظروف تأتي خطة النقاط العشر من أجل
محاولة سد فجوة الخلاف بين خطة شامير للانتخابات في الأراضي المحتلة، وإصرار منظمة
التحرير على أن تشمل هذه الانتخابات حق تقرير المصير للفلسطينيين عن طريق مبادلة
الأرض بالسلام، وهي صيغة يرفضها شامير كما هو معلوم. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة
يديعوت أحرونوت يوم 8/9 «إن الولايات المتحدة لا تعتبر خطة مبارك مناقضة للمبادرة
الإسرائيلية، بل إن الولايات المتحدة تعتبر هذه الخطة بمثابة قبول لمبادرة شامير
ومحاولة للمساعدة على تحقيقها»، وإلى هذا أيضًا يشير إسحق رابين بقوله: «أنا أعرف
أن الأمريكيين توجهوا للمصريين، وطلبوا منهم المساعدة في عملية تنظيم وفد فلسطيني
في الضفة والقطاع للمحادثة مع «إسرائيل»».
النقاط العشر:
وخلفية النقاط
العشر أنها عبارة عن مجموعة من التساؤلات التي طرحتها مصر على «إسرائيل» بهدف
الحصول على ضمانات، وتعهدات من جانب «إسرائيل» تجاه عدد من النقاط المحددة
المتعلقة بموضوع الانتخابات في الأراضي المحتلة.. وبعد مؤتمر القمة العربي الأخير
في الدار البيضاء، نُقلت مجموعة التساؤلات والنقاط إلى واشنطن التي قامت بدورها
بتفريغها في عشر نقاط خلال المباحثات المصرية الأمريكية، وبعد ذلك بلورتها مصر
بصورتها النهائية وقامت بطرحها رسميًا كالتالي:
1. تتعهد «إسرائيل» بقبول كل نتائج الانتخابات
في الأراضي المحتلة.
2. وضع مراقبين دوليين للإشراف على أعمال
الاقتراع.
3. توفير نوع من الحصانة لحماية ممثلي
الفلسطينيين المنتخبين من المحاكمة.
4. انسحاب القوات «الإسرائيلية» من مناطق
الاقتراع أثناء الانتخابات.
5. التزام «إسرائيل» ببدء مباحثات حول تسوية
نهائية في موعد يتم الاتفاق عليه.
6. إنهاء كل نشاطات الاستيطان.
7. حرية كاملة للتعبير عن الرأي لكل المرشحين.
8. فرض حظر على دخول «الإسرائيليين» الأراضي
المحتلة يوم الانتخابات.
9. اشتراك الفلسطينيين في القدس الشرقية في
الانتخابات.
10. قبول «إسرائيل» لمبدأ مقايضة الأرض بالسلام.
ومن المناسب هنا
أن أورد ما ذكره كبير المحللين السياسيين في صحيفة هاآرتس «الإسرائيلية» عكيفا
إلداد في عدد 6/9 حيث قال: «إن أهمية النقاط المصرية تكمن فيما هو غير وارد فيها
أصلًا.. فهي لا تذكر كلمة واحدة عن اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في العملية،
ولا تذكر الدولة الفلسطينية، ولا حق تقرير المصير للفلسطينيين.. وهي ثلاثة أمور لا
تحظى بشعبية واسعة في «إسرائيل» ولا أمل في حصولها على أية موافقة من جانب رابين».
موقف المنظمة:
وبالنسبة
للمنظمة وطريقة تعاملها مع النقاط العشر، فقد عقد ياسر عرفات عدة جولات من
المحادثات مع الرئيس المصري، حيث أكد الأخير أن مصر كانت تنسق مع المنظمة في كل
خطوة.. وقد أكد عضو اللجنة التنفيذية محمود عباس ترحيب المنظمة بالخطة واصفًا
إياها بأنها متكاملة، وقال: إن القيادتين الفلسطينية والمصرية تنسقان باستمرار
بشأن التحرك على الساحة الدولية. كما أعلن جمال الصوراني عضو اللجنة التنفيذية
أيضًا أن المنظمة لم تعترض على النقاط العشر.. لكن من جهة ثانية أكد النجاب «عضو
اللجنة التنفيذية» أن مصر لم تتشاور مع المنظمة، موضحًا أن هذه النقاط فيها الكثير
من السلبيات، فيما نشر سعيد كمال ممثل المنظمة في مصر وعضو المجلس الوطني
الفلسطيني، نشر مقالًا بجريدة الأهرام في صفحة «الحوار القومي»، من أهم ما ورد
فيه:
• إن التسوية المدعومة بالوزن والدور
العربيين تبدأ مع العدو، وتمر بواشنطن وموسكو، وتنتهي بمجلس الأمن الدولي.
• إن مسألة التمثيل الفلسطيني في أية محادثات
قضية مبدئية غير قابلة للتجزئة.
• إن الفلسطينيين يرفضون أي شروط مسبقة في
أية مباحثات تمهيدية سوف تجري مع الجانب «الإسرائيلي»..
• إن الانتفاضة لن تتوقف عند مرحلة قد يبدأ
فيها الحديث عن خطة الانتخابات.
• إن المفاوضات يجب أن تأتي على أرضية معروف
بداياتها ونهاياتها.
• إن القبول بالانتخابات مرهون بالتأكد من أن
«إسرائيل» سلمت بمبدأ الانسحاب من الضفة والقطاع.
ويشير بعض
المراقبين إلى أن هذه النقاط التي حواها مقال سعيد كمال، قد تمثل بشكل كبير موقف
المنظمة من النقاط العشر المصرية.
مراوغة اليهود:
أما الطرف
اليهودي فقد اعتاد - كما هو معروف - على حكاية اللف والدوران والمراوغة وتوزيع
الأدوار وتبادلها، من أجل استدراج الخصم إلى المواقف التي تريدها حكومة العدو..
فعلى حين أبدى شامير تشدده ورفضه لهذه النقاط، متمسكًا بمبادرته.. قالت أوساط في
حزب الليكود مقربة من شامير إنها توافق على 70% من النقاط العشر، موحية بذلك أنها
قدمت أكبر تنازلات، وأن الـ 30% الباقي -وهو الجزء الأقل من التنازلات- فمطلوب أن
يقدمه الفلسطينيون.. ومرة أخرى نعود للخبث اليهودي والدهاء والمكر الذي اتسم به
اليهود، حينما نعلم أن الأمور التي ترفضها تلك الأوساط في الليكود هي وببساطة (؟):
1. وقف الاستيطان.
2. مشاركة سكان القدس العربية في الانتخابات.
3. مبدأ الأرض مقابل السلام.
أما الـ 70%
التي قبلتها فهي قضايا إجرائية لترتيب عملية الانتخابات وتمريرها على الشعب
الفلسطيني.. ليبقى بالمحصلة تحت السيطرة اليهودية، ولكن بمظلة الحكم الذاتي المعدل..
الذي رفضه شعبنا ولا زال يرفضه.. كذلك فقد أعلن رابين موافقته على 85% من المشروع
المصري.. بينما أبدى بيريز ترحيبًا مبدئيًا بالمبادرة المصرية دون قبول كل نقاطها.
المحاور
الفلسطيني:
وهناك بعض
المحاولات من أجل عقد مؤتمر أو اجتماع فلسطيني - «إسرائيلي» برعاية مصرية، وتحاول
الأطراف المختلفة الآن تذليل العقبات من أمام هذا المؤتمر.. ويبدو أن العقبة
الكبرى هي قضية تمثيل الفلسطينيين، حيث تصر دولة العدو على أن يكون الوفد المفاوض
من فلسطينيي الداخل، وتصر منظمة التحرير على أن يشمل فلسطينيين من الداخل والخارج..
وخروجًا من هذا الإشكال يبدو أن الرئيس المصري يعتزم ترشيح وفد يضم 12 شخصًا بينهم
اثنان من المبعدين لتحييد الرفض «الإسرائيلي» مع فلسطينيين من خارج المناطق
المحتلة.. ويؤيد بيريز ورابين اشتراك فلسطينيين أُبعدوا في مفاوضات «إسرائيلية» -
فلسطينية حول إجراء انتخابات في الضفة والقطاع.. وقد صرح رابين: «إن إبعادهم لا
يعني اعتبارهم أفرادًا من خارج الأرض المحتلة»، وهكذا فإن النقاط العشر تحاول
إيجاد المحاور الفلسطيني الذي عجزت عن إيجاده خطة شامير.
الجهاد:
ومن المهم
التأكيد هنا على أننا – كإسلاميين- لا نعول بشيء على كل مبادرات التسوية وأطروحات
السلام سواء جاءت من الشرق أو الغرب.. لأننا نعتقد أنها لن تعيد لنا شبرًا واحدًا
من الأرض المغتصبة.. وكنا دائمًا - ولا زلنا - ننبه الجميع، ونحذرهم من مغبة
التعاطي مع هذه المبادرات. فالتعامل مع أية من هذه المبادرات سيعني أننا وقعنا في
الكمين الذي ينصبه لنا أعداؤنا من أجل المساومة على حقوقنا، ومقدساتنا وأرضنا
الطاهرة. فكل قصص السلام ومبادراته أوهام وسراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ
حِسَابَهُ﴾ (النور:39).. ولا زالت الأيام - كما الأحداث- تثبت صحة اعتقادنا هذا
وتثبت أن الجهاد وحده الطريق الوحيد للتحرير وللعزة والكرامة. ونحن نعقد أملًا فقط
على سواعد الإيمان المباركة في فلسطين الذين عرفوا الطريق وتصدروا بصدورهم
وحجارتهم وعصيهم لجيش الاحتلال ولوجوده البغيض.. نعم الانتفاضة هي الأمل.. ويبقى
المطلوب العمل على دعمها وتطويرها وتصعيدها وحفظها من مؤامرات الإجهاض وكيد
الكائدين.