العنوان معالم على الطريق.. الهجرة النبوية.. دروس وعبر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005
مشاهدات 52
نشر في العدد 1639
نشر في الصفحة 47
السبت 19-فبراير-2005
لا شك أن الماضي هو ذخيرة المستقبل، ومعين الحاضر، والتجارب التاريخية عبر ودروس للواقع المعيش، والمسيرة الإنسانية على وجه الأرض تحمل في طياتها الكثير من الحوادث المشابهة بل المطابقة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا.
والهجرة النبوية التي يحتفل المسلمون بذكراها كل عام نجحت في تأسيس وطن للإسلام وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة، وهو أعظم كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته، ولا شك أن حدثًا كهذا لم يأت عفويًا، أو يحدث خبطة حظ، وإنما جاء وليد تفكير وتدبير وتقدير وتخطيط ومعرفة بالتبعات واستعداد للطوارئ والمفاجآت التي لابد أن يستفاد منها ويعمل على منوالها، كما أنها قد صاحبتها أوقات عصيبة ومواقف صعبة، استطاع المسلمون بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتجاوزوها ويبدلوها بنصر وفوز، ونحن نحاول اليوم أن نستفيد من عطاءاتها وإيحاءاتها التي منها:
١ - النصر دائمًا يكون بعد صبر وعناء، وقد وضح هذا ربنا سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:200)، فالصبر تربية للعزيمة وشحذ للهمم وقدح للبصيرة، ودفع للتفكير، وقوة للتحمل. والشدائد هي التي تصنع الرجال وتربي الأبطال، وقد نبه لذلك رسولنا في قوله لابن عباس: اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، وقد كرر ذلك ربنا فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح 4:5).
فالأمة التي تهرب وتخنع وتطأطئ ولا تريد أن تتحمل المصاعب أمة لا ترى نصرًا أو فلاحًا أو فرجًا، وقد تحمل المسلمون في سبيل عقيدتهم في مكة الكثير ولكنهم لم يهنوا أو يتوقفوا عن التفكير والدعوة والبحث عن حلول تؤدي إلى سيادة الرسالة والنصر على العدو.
2- التضحية في سبيل الغايات الكبار، فلم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح والتضحية بالأموال، ومحاولة النجاة.. مع الاستشعار بأن المهاجر مستباح ومنهوب وقد يهلك في أول الطريق أو نهايته، وأنه يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، وقد كان في هجرة صهيب - الذي ترك ماله كله للمشركين حتى يلحق بالمؤمنين في المدينة - مثال لذلك على مر الدهور. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ربح البيع يا صهيب ربح البيع أبا يحيى»، وقال القرآن فيه وفي أمثاله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة:207)، وقد كان أبو سلمة مثالًا آخر، في تركه الأهل والولد، حين غلبه الكفار عليهم وأخذوهم منه عنوة، وقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ وأخذوا منه زوجته وولده، وخرج بدينه لا يلوي على شيء ولحق بالمسلمين في المدينة.
3-التعاون على بناء المجتمع المستقر فلم يكن معنى الهجرة التخلص من الفتنة والاستهزاء فحسب، بل كانت الهجرة مع هذا تعاوناً على إقامة مجتمع جديد يحمي الدعوة في بلد آمن، ولذلك أصبح فرضًا على المسلمين أن يسهموا في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذلوا جهدهم في تحصينه ورفعته وإعلاء شأنه، كل بما يستطيع، وقد أخى الرسول بين المهاجرين والأنصار، وأوى الأنصار المهاجرين وخففوا عنهم، بل حاول البعض أن يقسم الأموال والدور بينه وبين أخيه، حتى أشاد القرآن بهذا التلاحم والترابط بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9).
4- وجوب الدفاع عن الحق وإيجاد الوسائل الكفيلة بنصره، وما بيعتا العقبة الأولى والثانية وتجنيد الأنصار واتفاقهم على منع الرسول والمؤمنين، وعلى نصرته وحمل دعوته إلا جزءًا من هذا الاستعداد، وما تصريح القرآن وإذنه بالجهاد ضد الذين يريدون هدم الإسلام واستئصال شأفة المسلمين إلا لحماية المبادئ بعد تمادي الباطل واستعلائه وتجبره ولله در القائل: والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
5- إصرار الكفر وعناده لابد أن يقابل بقوة الإيمان ورشاده: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:104)، وقوة الإيمان غلابة ومعها عون الله وتأييده، وحب المؤمن لدعوته وعشقه الشهادة ولقاء ربه.
٦ - التخطيط والتدبير سبب لنزول النصر وتلقي العناية، ولهذا أعد الرسول العدة للهجرة ورتب لها وخطط، بوجود صاحب له، وهو أبوبكر الصديق، ورواحل جيدة تقدر على السفر والتحمل، وخبير بالطريق، يتفادى الأعين والرقباء، ومن يأتيهم بالطعام، وموقع الغار المخالف للظنون ومن يعمي على الآثار... إلخ.
وبعد أن بذل الرسول صلى الله عليه وسلم جهده في ذلك، جاءت عناية الله سبحانه.. وتجلى ذلك، عندما جاء الكفار الجوعى للدماء إلى باب الغار، وقال أبوبكر الرسول الله: يا رسول لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا» هذا وقد ذكر القرآن المسلمين بهذا الموقف في غزوة تبوك حينما نزل قول الحق سبحانه: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40).
وبعد.. فكم في الهجرة من دروس وخطوات لرجال أسسوا دولة وأمة، يجب أن نلتفت إليهم وننهج نهجهم، حتى يرشد الخطو ويسلم القصد ويفرح المؤمنون بنصر الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل