العنوان الهجرة حدث لا يُنسى دروس تربوية لها دلالات ومعان
الكاتب فاطمة محمود عليوة
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008
مشاهدات 55
نشر في العدد 1786
نشر في الصفحة 52
السبت 26-يناير-2008
كلما سمت المعاني والأهداف هانت في سبيلها الصعاب
حسن التخطيط ودقة التنفيذ والأخذ بالأسباب.. من أهم عوامل النجاح في الحياة
الهجرة تعلمنا الثبات على الأخلاق حتى مع العدو.. فلا نقبل مالًا حرامًا ولا نخون أمانة
وها هو ذا العام الهجري يطل علينا من جديد فيأخذنا إلى ذاكرة التاريخ، حيث هذا الحدث العظيم الذي لا ينسى.. ألا وهو الهجرة النبوية تلك الرحلة المباركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك هجرة الصحابة رضوان الله عليهم... هجرة الأرواح والأبدان إلى الله عز وجل مستسلمين لأمره وقضائه.. راجين نصره وثوابه.. هجرة من أرض الكفر إلى أرض الإيمان.. هجرة الدنيا بمتاعها من ديار وأموال إلى أسمى الأهداف ألا وهو إعلاء كلمة الله عز وجل والعمل على توحيد القوى ووحدة الصف لنصرة الإسلام.
دلالات تربوية: هجرة المؤمنين حقًا الذين فقهوا أن السعادة ليست في الدنيا ولا في التنعم بحدود وطن صغير .. بل سعدوا عندما امتدت حدود أوطانهم بامتداد إيمانهم.
إن الهجرة حدث إيماني ذو دلالات تربوية ممتدة الأثر شديدة التأثير على كل نفس مؤمنة تريد اقتفاء أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كي تنعم بصحبة الإيمان وتنال الأجر.
وكل منا يستطيع أن يهاجر إلى الله عز وجل، حتى ولو لم يترك وطنه؛ وذلك بأن يهاجر من الغفلة والضلال إلى اليقظة والاتباع الصحيح لمنهج الله .. يهاجر من نفسه الأمارة بالسوء إلى النفس المطمئنة لما عند الله من ثواب.
أهداف سامية
ومن الهجرة نتعلم أنه كلما سمت المعاني والأهداف هانت في سبيل تحقيقها المشقة وضعف التعلق بتوافه الأمور، فحقًا: «إن الذي تهوى نفسه الدنايا لن تهفو يومًا لعظائم الأمور».
حدث عظيم: وكيف لنا أن ننسى هذا الحدث العظيم؟! وقد حثا الله عز وجل على التذكير به كلما أقبلنا على كتاب الله، فقد ذكرت الهجرة في العديد من سور القرآن الكريم وهو ما يقارب أربع عشرة سورة، وتناولتها عشرات الآيات، حتى لا يكون ذكر الهجرة كأي واقعة مرت أو حدث ينتهي أثره بانتهاء حدوثه، بل لكي تحيي الهجرة في نفوسنا حتى تؤثر في حركاتنا وحياتنا كلها كي نأخذ منها العبرة، وتكون لنا فيها منفعة وزاد.
فمرة يذكر الله سبحانه وتعالى الهجرة بذكر حال رسول الله وصاحبه كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثنَينِ إِذ هُمَا فِي ٱلغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفلى وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلعُليَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ «التوبة: ٤٠»، لنتعلم أن من خرج في سبيل الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الله ناصر عبده، ومن هنا نتعلم أيضًا حسن التوكل على الله عز وجل فمن كان في معية الله فلن يضيعه الله.
وأحيانًا تذكر الهجرة بذكر أهلها من المهاجرين، ويبين لنا الله وصفهم بأنهم هم المؤمنين حقًا ويبشرهم بعظيم الثواب وهو المغفرة والجنة، النتعلم أن من كان الله غايته فليستبشر بخير الجزاء.
مواقف إيمانية
وكذلك ما اشتملت عليه السيرة النبوية من ذكر مواقف إيمانية تربوية، ما أحوجنا إليها في إعداد النشء وتربية الأجيال.
ومن هذه المواقف المشرفة موقف البطولة والفداء من على بن أبي طالب رضي الله عنه عندما نام في فراش النبي ليضلل أعين الأعداء المتربصين ببيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان سيدنا علي قدم لنا صورة رائعة لحماية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن سنة رسول الله تحتاج حقًا من ينصرها من شبابنا، وذلك يكون يحسن الاتباع لمنهج الرسول وبحسن الاقتداء بأخلاقه الكريمة، وكذلك بأن يقدم الشباب أعمالًا مشرفة تعز أمة الإسلام في الدنيا وكل ما يفرح الرسول بهم يوم القيامة.
أخلاق عالية: وكذلك نتعلم من الهجرة النبوية الثبات على الأخلاق حتى مع العدو.. فلا نقبل مالًا حرامًا ولا نخون أمانة، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. عندما ترك علي ليرد أمانات قريش التي استأمنت عليها الصادق الأمين.. فحقًا إن الأخلاق لا تُجزّأ .
وعلى هذا نتعلم الصدق . مع الله عز وجل في كل حركاتنا وسكناتنا .. فلا يصح أن نكون في مجالس العلم متأدبين متأثرين بما نسمع، وإذا انصرفنا خضنا في مجالس اللهو والمحرمات.. ولنتذكر أن لله المطلع علينا عند إحساننا هو الله عز وجل الرقيب علينا والذي يعلم مواطن إساءتنا .. فحرّي بنا ألا نُري الله عز وجل منا إلا خيرًا في السر والعلانية.
حسن التخطيط ومن الأمور المهمة لتي برزت في حدث الهجرة ولنا أن نتعلم منه الكثير هو حسن التخطيط ودقة التنفيذ والأخذ بالأسباب، والتي تعتبر من أهم عوامل النجاح في الحياة بكل مجالاتها، ثم ترك النتائج لرب الأسباب، ويظهر هذا التخطيط من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترتيب لأمر الهجرة ابتداء باختيار الصاحب في الهجرة، ألا وهو أبو بكر الصديق خير الأصحاب، ثم ترك علي بن بي طالب لينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى يضلل عيون الأعداء المتربصة ببيت النبي، ثم اختيار دليل ماهر بالطريق وهو عبد الله بن أريقط، وأخيرًا اختيار الغار للاختباء فيه عن أعين الأعداء.
نزاهة القائد: ونتعلم من موقف الرسول في التجهيز للهجرة نزاهة القائد وعفة نفسه؛ فعندما اشترى أبا بكر الراحلتين، ودفع بهما إلى الدليل لكي يرعاهما ويسمنهما حتى تقدران على تحمل مشاق الطريق، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «بالثمن يا أبا بكر»، رغم الحب الشديد بينهما، وبهذا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل»، وهو درس عظيم لينتبه إليه كل مستبيح لمال غيره، أو لشيء ليس من حقه.
وهكذا نجد في الهجرة النبوية الكثير من الدروس والعبر التي ما أحوجنا إلى الرجوع إليها والالتزام بها في حياتنا ... فحقًا يستحق حدث الهجرة منا الوقوف عنده، والتأثر به، حتى تزداد العقول نورًا، وتمتلئ النفوس يقينًا، وتتضح أمامنا معالم الطريق، فلا تسلك السبل فنضل ... وأن نتأكد أن الحق عائد مهما علت عليه غشاوة الظلم.. وكذلك نتعلم من الهجرة كيف نحيا تلك الحياة، حياة الشرفاء الرجال العظماء «صحابة رسول الله» الذين كانوا خير عون له.. حتى نتعلم كيف نكون خير عون لنصرة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل