; الهجرة رمز الصمود الدائم في وجه الطغيان | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة رمز الصمود الدائم في وجه الطغيان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

مشاهدات 62

نشر في العدد 782

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

بالأمس احتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.. تلك الهجرة التي نقلت المسلمين من حالة الضعف إلى حالة القوة ومن وضع التشرد إلى التمكين ومن الفرقة إلى الوحدة وإقامة الدولة المسلمة.. هذه النقلة العظيمة التي جرت خلال سنوات معدودات وصفها الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 40).
واليوم ونحن نعيش ذكرى الهجرة ما أحرانا أن نستلهم منها العبر والدروس والعظات حتى لا نجعل منها مجرد احتفال سنوي يقام ثم ينفض أو مجرد كلمات تقال ثم تأخذ طريقها إلى عالم النسيان.. من هنا فإننا مطالبون أن نستوعب الهجرة على حقيقتها كما فهمها المسلمون الأوائل لتكون نورًا يهدي طريقنا في عصر التيه والضياع والذل والاستسلام.

في الهجرة درس عظيم في الصبر والعمل الدؤوب والثبات على المبدأ وعدم الاستسلام للطغاة أو المساومة على نهج الله معهم؛ إذ لا نصر مع القنوط ولا غلبة مع اليأس وإنما النصر قرين الصبر والعمل أينما كان موقع هذا العمل في بلد الموطن أو في بلد المهجر، لقد خرج الرسول الكريم من مكة المكرمة طريدًا شريدًا وما تزحزح قيد أنملة عن موقفه بل مضى في دعوته غير عابئ بالصعاب ومؤامرات الأعداء حتى حقق الله له النصر على عدوه فكانت الهجرة بذلك مصدر خير وبركة.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (سورة النساء: 100).

وفي هذا بلا شك تعزية وتسلية ومواساة لكل المؤمنين الصادقين الذين اختاروا نهج رسول الله ولاقوا في سبيل ذلك ما لاقوا وشردوا ولا يزالون يشردون من ديارهم وأوطانهم لا لشيء إلا أنهم قالوا ربنا الله.. إن على هؤلاء المخلصين ألا يستسلموا لليأس وألا ينتابهم شعور الخوف والقلق مادام الله قد تكفل بنصرهم إن هم استمروا في دعوتهم بثبات وتجردوا لله حق التجرد وأخلصوا غاية الإخلاص والصدق.

في الهجرة حصل الإخاء الوثيق الكريم بين المهاجرين والأنصار ليس على أساس طبقي وإنما في ذات الله تعالى.. لقد كانت أخوة المهاجرين والأنصار أخوة ليس لها نظير في تاريخ البشرية، أخوة أذابت بينهم الفوارق فأكرمهم عند الله أتقاهم.. أخوة هذّبها الإسلام فلا أخوة إلا في ظله، وإذا كانت الماركسية تفسر الدوافع الإنسانية تفسيرًا ماديًّا فإن أخوة الهجرة أبطلت هذه الدعاوى الكاذبة حين صفّى الرسول الكريم قلوب المهاجرين والأنصار وجرّدها من المادة فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

أصحاب الهجرة الأولى أسسوا دولة ونشروا عقيدة وطبقوا شريعة ولم تهجع لهم عين حتى استعادوا حقهم واسترجعوا وطنهم وقهروا أعداءهم فأتوهم طائعين مستسلمين؛ فما بالنا اليوم نبذنا شرع الله وطبقنا قوانين الشرق والغرب الوضعية نلتمس فيها الجاه والتقدم ونمنا مع الخوف وأمنا مكر العدو وانغمسنا في الشهوات والملذات واتجهنا نحو عدونا نستجدي منه السلام المزعوم.

إن واقع المسلمين اليوم وما يعانونه من نكسات وهزائم وضياع للأرض والمقدسات سببه البعد عن منهج السماء، فلنجدد العهد في ذكرى الهجرة على أن نهاجر إلى الله هجرة صادقة كما هاجر رسول الله.. هجرة منطلقها حديث رسول الله:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» هجرة يهجر فيها المسلم بقلبه وروحه وفكره وعمله كل أمر يخالف الإسلام والانسجام مع تعاليم الإسلام وتشربها روحيًّا وعمليًّا..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

936

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد