العنوان الهجرة إلى أوروبا.. بين اللجوء والتأثير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015
مشاهدات 67
نشر في العدد 2088
نشر في الصفحة 22
الخميس 01-أكتوبر-2015
منذ فجر التاريخ الإنساني لم تتوقف موجات الهجرات والنزوح البشري عبر قارات العالم، لأسباب مختلفة بحسب الظروف التاريخية، وعبر هذه الهجرات البشرية المستمرة والمتدفقة انتقلت الأديان والثقافات واختلطت الأجناس البشرية، وأُعيد تشكل الهويات الثقافية والحضارية على مر العصور، ومع ظهور الدولة بمفهومها القومي الحديث وضعت الضوابط والقيود لهذه الهجرات، ولكن في حالة الحروب والأزمات العاصفة تأخذ هذه الهجرات أشكالاً غير نمطية تكسر هذه القيود والشروط الدولية، ولقد أصبحت الهجرات البشرية تتم في زمن العولمة على نطاق أوسع بكثير مما كان يحدث في الماضي، وباتت تتعدى كل الحدود الوطنية والإقليمية لتشمل فئات متفاوتة ومتباينة من كل الأعمار والأجناس والمستويات الثقافية والاقتصادية والتخصصات المهنية.
ولا يمكن عزل قضية الهجرة الدولية أو نزوح مئات وآلاف بل ملايين البشر - كما نرى ونشاهد في أزمة اللاجئين السوريين الآن - عن المحدد الاقتصادي والأمني والسياسي لبيئة المهاجرين.
وهناك العديد من العوامل والمحددات التي تجعل من بيئة طاردة وأخرى جاذبة، منها توافر فرص العمل، ومستوى الدخل الاقتصادي للفرد، ومستوى التعليم مقارناً بالمناطق المراد الهجرة إليها.. وفي الأزمة الحالية لحركة المهاجرين المتزايدة جراء الأزمة السورية، تراجعت هذه المحددات ليصبح دافع البحث عن مناطق آمنة توفر للإنسان المهاجر ملاذاً آمناً من مناطق الصراع الطائفي والحروب الأهلية في مقدمة الأسباب الدافعة للهجرة وطلب اللجوء.
كما أن بروز دول مستقبلة حديثاً للهجرة بعد أن كانت في السابق دولاً مصدرة لها، شكل عامل جذب أيضاً للهجرة.. فبعد الإقلاع الاقتصادي الذي عرفته بعض الدول من جنوب أوروبا قلب الموازين، وفرض البحث عن يد عاملة نشيطة من دول أخرى، وكان من الطبيعي أن يتم استقطابهم من الدول المجاورة، ونظراً أيضاً لإغلاق الدول التقليدية للهجرة كفرنسا وبلجيكا حدودها أمام تدفقات المهاجرين.
كما لا توجد في الواقع هجرة بدون مؤثرات، فصورة الغرب تشكل عاملاً مؤثراً في الرغبة الملحة للهجرة، فالتأثير الإعلامي الغربي هو عامل جذب للهجرة، فالمادة الإعلامية للغرب تصور أنه من السهولة للمهاجرين إيجاد مناصب الشغل وكسب الماديات في جو من الحرية.. في مقابل صورة مأساوية للحياة في بعض الدول العربية لاسيما التي تشهد حالة من عدم الاستقرار والنزاعات والحروب الداخلية عقب ثورات "الربيع العربي".
على الجانب الآخر، يبرز موقف الدول التي يتم الهجرة إليها، فعلى الرغم من كل ما يقوم به المهاجرون في تنمية دول الاستقبال، فإنهم يعانون من عدة أشكال من التمييز والإقصاء في مجالات السكن والتعليم والعمل والحقوق الاجتماعية والثقافية، لكن درجة هذا الإقصاء والتمييز تختلف حسب الأصول الإثنية للمهاجرين ولغتهم ودينهم، وأصبح المهاجرون العرب أكثر عرضة للتمييز، وهذا لا يعفي بعض المهاجرين من المسؤولية، حيث تتعامل هذه الدول مع هذه الهجرات غير الشرعية بأقصى درجات العنف، حيث نشاهد كل يوم موت أو غرق وقتل الآلاف على حدود هذه الدولة أو تلك، وامتهان كرامة الإنسان بمخيمات اللجوء في مخالفة لاتفاقية اللاجئين الدولية والتي تنص على حماية الحكومات المضيفة للاجئين، حيث تقع على عاتق الحكومات المضيفة، بصفة أساسية، مسؤولية حماية اللاجئين.
وتعتبر البلدان الـ139 على نطاق العالم، التي وقَّعت على اتفاقية عام 1951م، ملزمة بتنفيذ أحكامها، وتحتفظ المفوضية بـ "التزام رقابي" على هذه العملية، وتتدخل حسب الاقتضاء لضمان منح اللاجئين الصادقين اللجوء، وعدم إرغامهم على العودة إلى بلدان يخشى أن تتعرض فيها حياتهم للخطر، وتلتمس الوكالة السبل من أجل مساعدة اللاجئين على بدء حياتهم مجدداً، إما من خلال العودة الطوعية إلى أوطانهم أو إن لم يكن ذلك ممكناً، من خلال إعادة توطينهم في دول مضيفة أو بلدان "ثالثة" أخرى.
وفي هذا الملف تتناول مجلة "المجتمع" قضية المهاجرين واللاجئين بأبعادها وتداعياتها المختلفة.