العنوان الهيمنة الأمريكية تحت المجهر «۲ من ۲» عسكرة العولمة
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 52
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 30
السبت 14-سبتمبر-2002
فرانس شورمان: واشنطن لا تتورع عن اتخاذ الإرهاب الدولي ذريعة لشن حرب كبرى ضد الإسلام والمسلمين
بنيامين شفارتس: تسعى الولايات المتحدة لتثبيت سيطرتها الاقتصادية والسياسية ومنع تطلع أطراف أخرى للتشكيك في هذه السيطرة لا سيما تلك التي تحاول ممارسة دور أكبر إقليميًا أو عالميًا
ما تبدل في السياسة الأمريكية هو «العناوين» لا «المضامين».. والحديث عن الزعامة الانفرادية الآن لا يختلف عما دعا إليه الرئيس ترومان عام 1947
130 مفكرًا أمريكيًا: نحن المثقفون نواجه خيارًا عسيرًا بين دعم الإدارة الحاكمة مبررين لها أعمالها وبين مواجهة العجرفة وإسقاط الأقنعة عنها والتعاون مع محبي السلام في العالم
إذا كانت العولمة ظاهرة رافقت الحياة البشرية منذ نشأتها، بمعنى أن كل ما عايشته البشرية كانت بداياته على أيدي بعض الأفراد أو الأمم، ثم شاع ليعم البشرية أجمع، فإن ما يوصف بالثورات في عالم الاتصال والتقنيات الحديثة أعطى العولمة علامتين مميزتين أولاهما مضاعفة سرعة الانتشار، والثانية ارتباط التحكم بوجهتها بتملك التقنيات الحديثة، وهنا دخل وصف الأمركة على العولمة، فالولايات المتحدة تمتلك أكثر من سواها الأسباب الراهنة للتقنيات الحديثة وتوجيهها.
مرة أخرى ينبغي التأكيد أن هذا الموقف لا يأتي ردًا على تفجيرات نيويورك وواشنطن، بل يأتي بغض النظر عنها، ويجعله ذريعة من ذرائعها، كذلك لم يكن نتيجة سياسة متبعة في عهد الرئيس بوش الابن، وهو ما يُقال أحيانًا كنوع من التضليل باحتمال زوالها بانتهاء عهده، إنما يبقى الرئيس نفسه جزءًا من آلية صناعة القرار الأمريكي، كما كان كلينتون في فبراير عام ١٩٩٦م، عندما تبنت القوات الأمريكية رسميًا نهجًا جديدًا بدأت التدريبات العسكرية عليه، ووضع في حسابه توجيه «ضربات نووية» لمن في تعتبرهم واشنطن مجموعات إرهابية، وانكشف ذلك بعد عامين تقريبًا في أعقاب دراسات قام بها مركز المعلومات عن الأمن الأطلسي في برلين، والمجلس البريطاني للمعلومات السرية في لندن.. وآنذاك قال فرانس شورمان، الأستاذ الجامعي في جامعة كاليفورنيا سابقًا: إن «واشنطن لا تتورع عن اتخاذ الإرهاب الدولي ذريعة لشن حرب كبرى ضد الإسلام والمسلمين بدأتها في السودان وأفغانستان»، مشيرًا إلى الهجمات الصاروخية على البلدين آنذاك، وهو ما اعتبره الخبير في القانون الدولي ميشائيل بوتي من ألمانيا مخالفًا للقانون الدولي، ولا يمكن اعتباره دفاعًا عن النفس، فالدفاع عن النفس نصت عليه المواثيق الدولية بوضوح، ولا يندرج في إطاره القيام بضربات انتقامية بمعزل عن مجلس الأمن الدولي نفسه.
ومن داخل أمريكا أيضًا تأتي شهادة الخبير بنيامين شفارتس - من المعهد الدولي للشرطة في نيويورك- في دراسة نشرت يوم 30/5/1996م، وهو يعلل زيادة النفقات العسكرية الأمريكية عن حجم نفقات سائر دول العالم الأخرى مجتمعة فيقول: «تريد الولايات المتحدة تثبيت سيطرتها الاقتصادية والسياسية، ومنع تطلع أطراف أخرى للتشكيك في هذه السيطرة، لا سيما تلك التي تحاول ممارسة دور أكبر من دورها الحالي إقليميًا أو عالميًا» كما يقول عالم السياسة الأمريكي جون إيكتبيري في مجلة «قضايا خارجية» الأمريكية في مايو ١٩٩٦م، «ليست القضية إيجاد نظام عالمي جديد، بل هي قضية الحفاظ على الوضع الذي نشأ واستقر وفق التوجه الذي بدأ في الأربعينيات الميلادية».
إن ما تبدل في السياسة الأمريكية هو «العناوين» لا المضامين، والحديث عن الزعامة الانفرادية الآن لا يختلف شيئًا عما دعا إليه الرئيس الأسبق ترومان عام ١٩٤٧م، ولا يتردد عالم أمريكي من وزن دانييل إلسبيرج من جامعة هارفارد عن التحذير من «الهيمنة» باسمها الدبلوماسي الجديد، وهو يقول في صحيفة نويه تسوريخر تسايتونج يوم 22/3/1990م «غابت ذريعة مكافحة الشيوعية للتدخلات العسكرية الأمريكية، ولكن لا تزال ذريعة الدفاع عن المصالح الأمريكية موجودة، وهي مقبولة شعبيًا وقابلة للتطبيق لممارسة تلك التدخلات نفسها».
بل إن بعض تلك التدخلات العسكرية لا يستهدف أكثر من التغطية على نقاط ضعف ما في عهد هذا الرئيس أو ذاك، فتربط صحيفة بوند السويسرية مثلًا بين الاعتداء على السودان وأفغانستان يوم 18/8/1998م والكشف عن فضائح كلينتون الجنسية قبل يومين فقط.. تأكيدًا على حقيقة أصبحت متواترة في العهود الأمريكية من قبيل «يد على الزناد.. وعين على عمليات استطلاع الرأي» كتلك التي تنشرها مؤسسة «جالوب» بانتظام، ولقد نشرت كيف ترتفع شعبية الرؤساء الأمريكيين عن طريق العمليات العسكرية الخارجية، فكأنهم في قاعة «البورصة»، وكأن أسهمهم هي أرواح البشر الآخرين وممتلكاتهم، وثمنها هو ما يحصله كل رئيس من نقاط في شعبيته.. بدءًا بالرئيس الأسبق جون كينيدي، وقد ارتفعت أسهم شعبيته خمس نقاط بعد عملية «خليج الخنازير» ضد كوبا يوم 17/4/1961م، و١٣ نقطة بعد قراره حصار كوبا في 24/10/1962م، وتستثنى حرب فيتنام في عهد جونسون ونيكسون، ثم يتابع الرؤساء الأمريكيون من بعدهما المشوار نفسه: ۱۱ نقطة لجيرالد فورد بعد الهجوم على كمبوديا عام ١٩٧٥م، و٤ نقاط لرونالد ريجان بعد غزو جرانادا عام ۱۹۸۳م، و4 نقاط أخرى بعد العدوان على ليبيا عام ١٩٨٦م، و9 نقاط لجورج بوش الأب بعد غزو باناما عام ۱۹۸۹م، و9 أخرى بعد حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م.
ولم يكن بوش الابن من اخترع عبارة «لن يكون للإرهابيين مأمن» بل هي موروثة من وزير الدفاع السابق كوهين التي ذكرها يوم الهجوم على السودان وأفغانستان، بل يمكن العودة بها إلى عهد الرئيس الأسبق روزفلت وهو يوصي الدبلوماسيين الأمريكيين قائلًا: «ليكن حديثكم لينا، ولكن أحملوا معكم العصا الغليظة وستجدون أنكم ستحققون ما تريدون».. والعصا الغليظة الآن هي التهديد بأسلحة الدمار الشامل.. مع العمل على حظرها وحظر كل سلاح رادع يمكن أن يدفع إلى التردد عن استخدامها.. ليكون الوضع العالمي مماثلًا لما كان عليه وضع اليابان بعد خسارة الحرب واستعدادها للاستسلام، وإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناجازاكي على الرغم من ذلك.. فقد كانت الولايات المتحدة آنذاك في مأمن من «سلاح رادع» وكان هذا كافيًا لعدم التورع عن ارتكاب الجريمة.
العولمة الأمريكية
ربما صح ما يقول به بعض المستغربين من أنه لا غبار على «القيادة الأمريكية» للعولمة لو كانت هذه القيادة قائمة على التفاعل بين القيم والأفكار، لكنها قامت منذ الحرب العالمية الأولى على الأقل على احتكار أسباب القوة من جهة، وتوجيهها وفق التصورات الأمريكية من جهة أخرى. وإذا كان عنصر المال قد لعب دورًا بارزًا في النصف قرن الأخير، فإن انهيار المعسكر الشيوعي، أعطى القوة العسكرية الأمريكية ما كانت تسعى إليه باستمرار من تفوق عالمي يمنع التصدي بالفكر والقيم للعولمة التي تقودها.
هذا الأمر بلغ ذروته في الوقت الحاضر، بتحول السياسة الأمريكية علنًا إلى وضع قوتها العسكرية فوق الشرعية الدولية من جهة، والتأكيد من جهة أخرى على عزمها استخدام القوة العسكرية ضد من يرفض إملاءاتها في مختلف الميادين، وقد وضعت ذلك تحت عنوان «الحرب على الإرهاب» في الدرجة الأولى.
ولئن كان هذا التحول لا يقلق «المستغربين إلا بمقدار ازدیاد افتقادهم شعبيًا بقايا الأرضية التي يتحركون عليها، فإن الأمر بدأ يثير قلق المفكرين والمثقفين -لا في الغرب فحسب- بل في الولايات المتحدة، وهو ما تشهد عليه تلك الرسالة الأشبه بالاستغاثة، والتي وجهها في مارس ۲۰۰۲م ۱۳۰ مفكرًا، ومؤرخًا، ومثقفًا أمريكيًا إلى «أصدقائهم في أوروبا» يطلبون فيها الدعم في مواجهة «الهيمنة الأمريكية العالمية» ويقولون فيما يقولون: «الفارق العام بين حروب الاستعمار التقليدي، والعولمة الأمريكية الحالية، هو حجم القوة المدمرة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، وابتعاد الجهة التي تتحكم فيها وتديرها عن كل حكمة أو عقلانية في التصرف، ونحن المثقفون نواجه الخيار العسير ما بين دعم الإدارة الحاكمة، وما تستخدمه من إمكانات التدمير الكبيرة مبررين لها أعمالها، ومواجهة هذه العجرفة، وإسقاط الأقنعة عنها، والتعاون مع محبي السلام في العالم، لإيجاد ما يضمن التفاهم والحوار ويحقق العدالة للجميع».
ويختتم المثقفون الأمريكيون ومنهم علماء ورجال أدب وفكر... نداءهم بعبارات مباشرة تلخص المطلوب عالميًا: «الدفاع عن النفس مهمة يحمل الجميع مسؤوليتها، وعلى المجتمع الدولي أن يدافع عن نفسه في وجه عجرفة القوة الأمريكية التي تستغل مصطلح الدفاع عن النفس وتسيء استخدامه، فالولايات المتحدة تعمل منذ نصف قرن من أجل إعطاء العالم صورة وفق ما تريد، ولو كان ذلك على أشلاء الضحايا، وعلينا في الدول المتقدمة الدفاع عن المثل والقيم الإنسانية التي ندعو إليها ونتباهى بتبنيها، ولا يتحقق ذلك دون التضامن مع ضحايا التعجرف والهيمنة العسكرية الأمريكية».
إن مسلسل امتناع الولايات المتحدة عن المشاركة في مواثيق دولية معينة، كمواثيق حقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وحقوق المواطنة، وحديثًا مثل اتفاقيات نزع الألغام الأرضية، والمناخ العالمي وتأسيس محكمة الجزاء الدولية، لا يأتي اعتباطًا، ولا يعبر فقط عن رغبة أمريكية في معاملة مميزة، إنما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحرصها على البقاء خارج نطاق «الشرعية الدولية» التي تستغل نصوصها في حملاتها على دول أخرى، ولا يمكن فصل هذه الخلفية عن المساعي الأمريكية لمضاعفة حجم الهوة الفاصلة ما بين قوتها العسكرية والقوة العسكرية لسائر الدول والتجمعات الأخرى، فهذا ما يبين أن مساعي «احتكار القوة العسكرية» تنطوي على توجهات عدوانية محضة، ففرض الإرادة السياسية والمصالح الذاتية على الآخرين بالقوة، أو تحت طائلة التهديد باستخدامها، مع العمل الدائب على عدم امتلاك الآخرين قوة رادعة في وجهها، هو ما ينطبق عليه تعريف «النهج العدواني» انطباقًا كاملًا.
المرحلة الراهنة التي تجاهر السياسة الأمريكية فيها بعزمها على استخدام القوة تجاه الآخرين لتحقيق أهدافها، تأتي بدورها بعد مراحل سبقتها، كان أبرزها في إطار حلف الأطلسي، وهو ما بدأ ينكشف للحلفاء الأوروبيين بعد نهاية الحرب الباردة، أو كان معروفًا لهم دون أن يمتلكوا القدرة على مواجهته تحت وطأة حاجتهم إلى المظلة النووية الواقية من الخطر الشيوعي والمقصود هنا هو توجيه البنية الهيكلية القيادية لحلف الأطلسي، وتجهيزاته العسكرية، بحيث انفردت واشنطن - لا بالمراكز القيادية للحلف فحسب -وإنما باحتكار أهم التجهيزات العسكرية التي كانت ولا تزال تعتبر المفتاح في أي عملية عسكرية كبرى يقوم بها الحلف، وهو ما تركز على ثلاثة قطاعات رئيسة هي: تجهيزات التحرك العسكري لمسافات بعيدة، وتجهيزات التوجيه الالكتروني للمعدات والقيادات العسكرية، ووسائل الاستكشاف والتجسس ولا سيما عن طريق الأقمار الصناعية.
أوروبا لم تجد نفسها عاجزة عن مواجهات التحديات الأولى في البلقان بعد انهيار المعسكر الشرقي فحسب، وإنما وجدت نفسها عاجزة عن تحقيق أول هدف لها بعد الحرب الباردة.. التميز العسكري والسياسي عن الولايات المتحدة.
ومنذ أدرك الأوروبيون ضرورة تميزهم من جهة، وعجزهم عن تحقيقه من جهة أخرى، بدأت السياسة الأوروبية تسعى للتحرك على محورين في وقت واحد:
المضي في اتخاذ الاستعدادات اللازمة للتميز بتوفير متطلباته الأساسية بصورة حثيثة.
الحفاظ على مستوى من التحالف مع الأمريكيين لا يمضي إلى درجة الانسجام الكامل مع التحركات الأمريكية الجديدة عالميًا، ولا ينحسر إلى درجة النزاع الذي يمكن أن يعود بأضرار كبيرة على الأوروبيين بسبب تشابك العلاقات عبر الأطلسي تشابكًا كبيرًا.
ويبدو أن هذا ما أدركته موسكو في وقت لاحق بعد أن راهنت في البداية على التقارب الروسي - الأوروبي، مقابل رهان واشنطن على إثارة المخاوف الأوروبية من «نكسة شيوعية» في الاتحاد الروسي... وهذا ما يمكن أن يفسر التحول الأخير في الموقف الروسي إلى سياسة لا تختلف في جوهرها عن السياسة الأوروبية، وهو التحول الذي رافق انتقال واشنطن بحجة مكافحة الإرهاب، من مرحلة ترسيخ «زعامة انفرادية» تراعي الأطراف الأخرى جزئيًا إلى «هيمنة مكشوفة» تنذر الآخرين بالانصياع.. أو التعرض للعداء.
إن الإصرار الأمريكي على مشروع الدرع الصاروخي، رغم غياب الحاجة المنطقية له بموازين «الدفاع عن النفس» هذا الإصرار يؤكد لحلفاء واشنطن القدماء والجدد أمرًا أساسيًا، هو حرصها على توسيع هوة التفوق العسكري والتقني عليهم... هم بالذات، لأنهم الأقرب لأن تكون لديهم قوة «رادعة».. أي أن السياسة الأمريكية الراهنة، تستهدف ترسيخ الصيغة العسكرية لهيمنتها عالميًا، وهي سياسة بدأ بممارستها الرئيس الأسبق ريجان الذي وضع النواة الأولى لمشروع الدرع الصاروخي في إطار خطة أكبر وأوسع نطاقًا عُرفت باسم «حرب النجوم».. وتابعها جورج بوش الأب وهو يعلن عن «نظام عالمي جديد» لم يفهمه الغربيون أنفسهم إلا كعالم تحت السيطرة الأمريكية، ثم تابعها كلينتون، وهو يجدد خطط الدرع الصاروخي.. ليأتي بوش الابن ويتابع الطريق نفسه، وقد وصل إلى مرحلة متقدمة منه يمارسها تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب».
أخطار وفرص مستقبلية
تقوم سياسة الهيمنة العسكرية الأمريكية على أربعة مرتكزات رئيسة:
التفوق العسكري تقنيًا وتسليحيًا، وهو ما يعنيه مشروع الدرع الصاروخي المنتظر اكتماله خلال بضعة عشرة عامًا.
توظيف حلف الأطلسي كأداة ردع عالمية وبعض القوى العسكرية المحلية كأدوات ردع إقليمية.
تطوير البنية الهيكلية للقوات العسكرية الأمريكية والأطلسية التابعة لواشنطن بحيث تستطيع التحرك في أكثر من موقع حربي في وقت واحد.
فرض «واقع سياسي دولي جديد» يضمن للأمريكيين «الأدوات» المناسبة، كما هو الحال مع مجلس الأمن، دون أن يكون فيه ما يطال الولايات المتحدة نفسها.
على أنه لا ينبغي الحديث عن «المساعي والرغبات والأهداف» الأمريكية دون الحديث عما يقابلها على المستوى العالمي، والذي قد يبدو في الوقت الحاضر أضعف من أن يمنع الأمريكيين من تحقيق ما يريدون، ولكن إلى متى؟.. وهل تستطيع القوة المتحكمة في صناعة القرار الأمريكي أن تواجه «العالم» كله على المدى المتوسط أو البعيد؟.
لا ريب أن المعطيات الحالية تعطي صانع القرار الأمريكي قدرة كبيرة على التحرك، ولكنها لیست قدرة غير محدودة، ولا يزال في إمكان القوة العسكرية أن توجه ضرباتها إلى بلد بعد بلد، ولكن لن تستطيع الاستمرار في ذلك فترة طويلة.. لا سيما إذا أدى ذلك إلى سقوط قتلى أمريكيين، مباشرة أو نتيجة ضربات مضادة.
إن حجم الهيمنة الأمريكية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحجم التبعية لتلك الهيمنة، وإننا لنجد الشواهد على ذلك في مختلف مراحل تعاظم القوة الأمريكية في المناطق التي تجد فيها من يربط مصيره بمصيرها تبعيًا، وكثيرًا ما انتهى أمره ووجدت الهيمنة الأمريكية اتباعا سواه.. بينما نجد الهيمنة الأمريكية نفسها تتقلص في المناطق التي تفتقر فيها إلى «مرتكزات» محلية وإقليمية.
لا تزال كوبا شوكة في الخاصرة الجغرافية الأمريكية، بغض النظر عن سياساتها الداخلية وتقويمها، وعلى الرغم من انهيار الحليف الدولي الرئيسي الذي اعتمدت عليه، وما زالت تايوان شوكة أمريكية في خاصرة الصين الشعبية، وعلى الرغم من تخلي أمريكا سابقًا عن تايوان في قضية وجودها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وذلك بمقدار ما وجدت السياسة الأمريكية داخل تايوان من مرتكزات تعتمد عليها.
إن نقطة الضعف المزدوجة في هيمنة واشنطن، هي الأوضاع الداخلية فيها، فلا يستهان بمفعولها وتأثيرها في اتجاه انهيار داخلي قد يكون بالغ الخطورة داخل الحدود الأمريكية وخارجها، ثم في حقيقة أن ازدياد الجانب الاستعراضي المهين أحيانًا والمتعجرف أحيانًا أخرى بات يولد تمردًا مضادًا على المستوى العالمي، يتنامى يومًا بعد يوم، وينعكس على أرض الواقع في صورة سياسات.. «حذرة» لكنها ثابتة.. في اتجاه الخروج من فلك الهيمنة الأمريكية.
لم يعد يخلو لقاء بين الأوروبيين والأمريكيين خاصة من خلاف مباشر ومواجهة علنية، بدءًا بالقضايا الأمنية والعسكرية، كما هو واضح في لقاءات حلف الأطلسي ولقاءات المؤتمر السنوي لشؤون الأمن في ميونيخ، وانتهاء بقضايا «الشرعية الدولية» وسعي الأوروبيين لترسيخ دعائمها بما يحد من «السطوة الأمريكية» كما كان في تأسيس محكمة الجزاء الدولية، ثم في أمثلة عديدة أخرى، كحرص الأوروبيين على المضي قدمًا في المواثيق الدولية دون مشاركة أمريكية، كما كان في اتفاقيات المناخ، ومكافحة الألغام الأرضية، أو كما في المثال الأشد مفعولًا في التعامل مع «الحليف الأمريكي» عند مشاركة الأوروبيين في إخراج الولايات المتحدة من عضوية المفوضية العليا لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.
لا ريب أن مثل هذه التحركات لا تمثل في الوقت الحاضر سوى ضربات «صغيرة» موجعة للهيمنة الأمريكية، ولكنها تمثل مؤشرات مستقبلية بالغة الأهمية، لا سيما وأن «معالم التمرد» فيها واضحة للعيان كالتصريحات الرسمية على ألسنة المسؤولين، وأنها معالم تزداد كثافة وحجمًا عامًا بعد عام، وهذا ما يجعلها حلقات في سلسلة طويلة لا تختلف في جوهرها، ولن تختلف في نتائجها، عن حلقات أي معركة ضد الاستبداد، تبدأ صغيرة، في مواقع متفرقة، ثم تتلاقي وتنمو فتشكل تيارًا جارفًا يستحيل على الاستبداد أن يقاومه.. وهنا لا توجد فروق جوهرية، ولن توجد بين تمرد غالبية شعبية على استبداد حكم محلي، وبين تمرد غالبية الشعوب والدول على استبداد أمريكي دولي.