العنوان الهيمنة الأمريكية تحت المجهر (1 من 2) الجذور التاريخية والعواقب المستقبلية
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002
مشاهدات 45
نشر في العدد 1517
نشر في الصفحة 20
السبت 07-سبتمبر-2002
السياسة الاستعلائية المتعجرفة ليست وليدة تفجيرات 11 سبتمبر وإنما هي حلقة في سلسلة طويلة تشـمل الميادين الفكرية والاقتصادية والعسكرية.
سياسة الهيمنة متجذرة في الفكر الأمريكي.. والنزعة الاستبدادية متغلغلة في أجهزة صناعة الفكر والقرار السياسي.
مجلة تايم: لم يسبق أن حصدت سياسات الولايات المتحدة غضبًا كما هو الحال اليوم
أول موجة لاختطاف الطائرات المدنية كانت واشنطن وراءها... وأول حادث اختطاف طائرة ركاب مدنية كانت بفعل فرنسا
هل ننسى الإرهاب اليهودي المنظم في فلسطين.. وهل نتناسى الإرهاب الاستعماري المنظم في كل دولة خضعت للاستعمار؟ ألم تكن نشأة الولايات المتحدة ذاتها قائمة على الإرهاب؟
هل الحملة الأمريكية الدائرة اليوم للهيمنة على العالم وليدة تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الذي انقضى عام على وقوعها.. أم أنها وليدة إستراتيجية أمريكية ذات جذور تاريخية؟ المسألة في حاجة إلى وقفة للتنقيب والتحليل.
في كلمته حول رؤيته لدولة فلسطينية، عاود الرئيس الأمريكي جورج بوش استخدام أسلوب تهديد الآخرين، والكلام هذه المرة موجه إلى الدول العربية؛ إذ يقول إنه سبق أن أعلن إما أن تكون هذه الدول مع الولايات المتحدة أو مع الإرهاب.. مطالبًا بتخليها عن منظمات المقاومة الفلسطينية بصورة نهائية، ومنع ما وصفه بالتحريض في وسائل الإعلام.
ولا قيمة هنا لإرادة الشعوب، هل تقبل بتلبية المطالب الأمريكية أم لا، كما لا قيمة لما يمكن أن تتعرض له بعض البلدان من مشكلات داخلية... فكان المقياس الوحيد للتعامل هو «ماذا تريد أمريكا»، ولا يخفى أن هذا النهج السياسي الذي باتت تستخدمه واشنطن تجاه دول العالم، سواء الحليفة والصديقة أم المعادية، لم يعد مجرد «سياسة» بل بات مقترنًا بمواقف وإجراءات عسكرية، أو على الأقل التهديد بذلك، وبالعقوبات الاقتصادية والمالية، فما «تريده أمريكا» لم يوضع موضع نقاش وتفاوض، بل يراد تنفيذه بأسلوب الإملاء تحت طائلة التهديد وعندما يقترن ذلك باحتكار القوة العسكرية وتقنياتها الحديثة والسيطرة على قسط كبير من موارد الثروة البشرية واستغلالها وتوزيعها، لا بد من التساؤل إلى أين سيوصل هذا التطور الخطير في حياة البشرية في المستقبل المنظور؟
جذور تاريخية للاستبداد الأسلوب الاستعلائي، وسياسات الإملاء المباشر على الآخرين، والوصول بذلك إلى مستوى استخدام السلاح أو التهديد باستخدامه ضد أي دولة لا تنصاع للهيمنة العلنية جميع ذلك ليس وليد الساعة، ولا هو نتيجة مباشرة لتفجيرات نيويورك وواشنطن، إنما هو حلقة في سلسلة طويلة تشمل مختلف الميادين الفكرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتتميز في الحقبة الراهنة بسرعة توسيع نطاقها جغرافيًّا بما يتفق مع سرعة انتشار «العولمة»، وتصعيد مضمونها نوعيًّا بما يتفق وسرعة تطور مفعول التقنيات الحديثة، وتسخيرها لخدمة الآلة العسكرية، بما يخدم مطامع من يسيطر عليها.
ومن الغريب أن بعض المثقفين العرب يستهجن الحديث عن هيمنة أمريكية، وينتحل صفة الموضوعية والعقلانية، ثم يفلسف موقفه بالتلويح بضرورة استيعاب ما يجري، وعدم مواجهته بالغوغائية، بينما ممارسة الهيمنة واقع قائم، يجري الحديث عنه في المجتمعات الغربية بما في ذلك أوساطها الفكرية والإعلامية بغض النظر عن منطلق المتحدث تأييدًا أو تبريرًا، أو انتقادًا ومعارضة. فنسمع مثلًا وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيديرين يحذر في أكثر من مناسبة من نتائج الهيمنة الأمريكية العالمية وأضرارها على المصالح الأوروبية، أو أن يقول رئيس الوزراء الكندي كريتسيان -حليف الأمريكيين- لزميله البلجيكي دوهان على هامش لقاء قمة أطلسية عام 1998م في مدريد: لقد أصبح تبني موقف يعارض سياسة كلينتون مدخلًا إلى كسب أصوات الناخبين في كندا، مؤكدًا بذلك أن ما يوصف بظاهرة «كراهية الأمريكي»، وهي في واقعها كراهية السياسة الأمريكية، قد انتشرت حتى في أقرب البلدان للولايات المتحدة جغرافيًّا وأكثرها تحالفًا سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.
بل يوجد من الأمريكيين أنفسهم من يتساءل قلقًا عن أخطار الهيمنة الأمريكية عالميًّا على مستقبل بلاده، ولن يتهم أحد مجلة «تايم» الأمريكية مثلًا عندما تضع على غلافها في أحد أعدادها عنوانًا يقول: «أمريكا بلا خجل»، تحدثت فيه عن السياسات العدوانية الأمريكية عالميًّا ونتائجها على مواقف الآخرين، ومما يلفت النظر أن المجلة خصصت ذلك الموضوع للطبعة التي توزع خارج الحدود الأمريكية، وكأنها تقدر عواقب عملها عندما تقول للأمريكيين: «لم يسبق أن حصدت سياسات الولايات المتحدة درجة من الغضب في كل مكان من العالم، كما هو الحال اليوم»، وهي العبارة التي اختتمت بها المقال.
وقد ذاع بين العرب الحديث عن العدوانية الأمريكية، ولكن غالبًا ما اقتصر ذلك على زاوية واحدة أنها نتيجة التغلغل الصهيوني، وهيمنة أصحاب النفوذ المالي والإعلامي من بني صهيون على القرار الأمريكي، ولا غبار على ذلك، إذا كانت غايته كشف هذا النفوذ ولكن لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن لسياسة «الهيمنة الأمريكية» بأبعادها الاستبدادية ولجوئها إلى القوة العسكرية من دون تردد أسبابًا تاريخية أبعد مدى من الوجود اليهودي في الولايات المتحدة.
ليس القصد نفي دور الفكر اليهودي في الربط ما بين روح السيطرة السائدة أمريكيًّا، وروح السيطرة الراسخة في التصورات الصهيونية منذ نشأتها الأولى، إنما نشير إلى أن المسألة متجذرة فلا نجد على سبيل المثال فارقًا كبيرًا بين ما طرحه هنري لوك، أحد أقطاب صناعة الإعلام الأمريكي قديمًا عندما قال: يجب أن يصبح القرن الميلادي العشرون قرنًا أمريكيًّا، وحديث جورج بوش عن ذلك في كلمة تسلمه مهام منصبه، أو حتى ما تحدث عنه فوكوياما وهنتنجتون قبل ذلك في نظريتيهما عن نهاية التاريخ وصراع الحضارات.
ولم تكن الأطروحات الفكرية بعيدة عن مطابخ القرار السياسي الأمريكي في أي وقت، فكما اقترنت هذه النظريات في مطلع التسعينيات الميلادية بشعار الإسلام «عدو بديل» على لسان النائب الحالي للرئيس ووزير الدفاع سابقًا ديك تشيني، ثم بالتطبيقات العملية لذلك في تطوير حلف شمال الأطلسي في عهد كلينتون، كذلك وجدت كلمات أخرى من قبيل كلمة لوك في حينه من يرددها بصياغة مشابهة ومضمون أخطر من موقع صناعة القرار كما ورد على لسان ألبيرت بيفردج، عضو مجلس الشيوخ الأسبق قبل عشرينيات القرن العشرين، وهو يقول: يجب أن نمتلك التجارة العالمية وسوف نمتلكها، وهذا ما يحقق المصلحة لسوانا، فحضارتنا الأمريكية يجب أن تضرب جذورها في كل مكان لا يزال أهله يعيشون في ظلام دامس، وشبيه ذلك ما قال به وودرو ويلسون -وكان رئيسًا للولايات المتحدة بين عامي 1913 و1921م- داعيًا إلى عدم الوقوف وراء الحدود الأمريكية وضرورة الامتداد عالميًّا من أجل إنقاذ الأعراق الأخرى التي لا تزال في عمر الطفولة..
غرور الاستبداد وحصيلته
هل هذه مجرد «أقوال» تاريخية قديمة، أملتها الظروف والمعطيات القديمة، أما الآن فقد أصبحنا نعيش في عصر متحضر، هو عصر السلام والأمن في ظل دولة أمريكية متعقلة ومن ثم لا ينبغي وصف العولمة بالأمركة، ولا المبالغة في الحديث عن هيمنة أمريكية؟
لا.. على الإطلاق ولا تصح المقولات التي تتردد في بعض بلادنا إلا في عالم الأوهام البعيدة عن رؤية الواقع، فما تبدو أنها كلمات من روح عصر مضى، نجدها تتردد في عصرنا هذا، وعلى مختلف المستويات.
- على المستوى الإعلامي قول ريتشارد ريفيس، أحد المعلقين في صحيفة هيرالد تريبيون في أحد مقالاته: أصبح باستطاعتنا أن نملي على الدول الأخرى صياغة سياساتها الخارجية، ربما باستثناء دول منبوذة مارقة مثل ليبيا، وسوف نجد في البلدان على الدوام «قبائل» تصنع ما نريد.
- على المستوى الفكري ومثاله قول المؤرخ الأمريكي رونالد ستيل: من ذا الذي يستطيع أن يتحدانا الآن؟ اليابان بلد فقير بالمواد الخام ويحتاج إلى أسواق الاستهلاك الخارجية، والصين شعوب متعددة الأعراق على وشك السقوط في حروب ما بين سادة وعبيد، والهند على حافة التمرد الداخلي والفوضى المطلقة، وأوروبا لن تتجاوز أن تكون دارا تجارية استهلاكية ضخمة حافلة بالمشاجرات؟
وقليلا ما نجد من يشخص أسباب هذه النزعة الاستبدادية المتغلغلة في أجهزة صناعة الفكر والإعلام والقرار السياسي والعسكري، على السواء، كقول المؤرخ الأمريكي هنري ستيل کوامنيار: أسطورة إحساس الأمريكي بالتفرد في صفات يختلف بها عن سواه، ولدت لديه أسطورة أخطر هي الوهم بأنه متفوق على الآخرين.
قد يمكن فهم الأسباب العملية، الداعية إلى وضع عنوان حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وما شابه ذلك عنوانا للسياسات والممارسات الأمريكية، ولكن من العسير فهم الانسياق في البلدان المتضررة وراء هذه العناوين التي انتشرت بالدرجة الأولى كأسلوب للتبرير في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وحتى نشوب الحرب العالمية الأخيرة تحت عنوان «مكافحة الإرهاب، مع أنها هي الفترة التي شهدت التدخل العسكري الأمريكي في أكثر من 150 حربًا ونزاعًا في أنحاء الأرض، رغم كل ما يقال عن أنها كانت فترة سلام نسبي.
ويجب التأكيد أيضًا أن ما يصنع القرار الأمريكي على صعيد الهيمنة الاستبدادية العالمية مع قابلية استخدام السلاح لفرض الهيمنة ونشرها، هو تركيبة صناعة القرار الداخلي، وقد بات مما يحجب أخطارها عن الأنظار، ذاك الوهم المنتشر عبر الحديث الدائم عن الحرية والرفاهية وطريقة الحياة الأمريكية، وهو حديث ينظر إلى الواقع الأمريكي نفسه بعين، عوراء، فنرى النمو الاقتصادي، وحجم التجارة الخارجية وحجم المبتكرات الحديثة، ولا نرى أن المجتمع الأمريكي أصبح قائمًا على أساليب الهيمنة والسيطرة لصالح الطرف الأقوى ماليًّا وتقنيًّا في الدرجة الأولى.
وتقول تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم الدول الصناعية، إن الهوة التي نشأت بين الفقر والثراء داخل الولايات المتحدة الأمريكية في أثناء سنوات الانتعاش الاقتصادي الماضية، لم ينشأ مثلها وفي مثل حجمها في أي بلد آخر من البلدان الأعضاء في المنظمة، حتى إن الارتفاع التقليدي السنوي للدخل الفردي لم يصل خلال 20 سنة مضت إلا إلى 20% من السكان... هذا ما ينعكس في ارتفاع نسبة الفقر في جيل الأطفال الأمريكيين من 20 إلى 30 في المائة خلال السنوات العشر التي مضت على حركة الازدهار الاقتصادي الأمريكي الراهنة إلى أواخر عهد كلينتون، وهذا ما ينعكس في أن مؤسسات توزيع الحساء المجاني قد تضاعف عددها، ورغم ذلك لم تعد تكفي حاجة من يتردد عليها من المحرومين.. وعلى الصعيد الخارجي أيضًا ذاك ما ينعكس في أن فئة محدودة -لعلها لا تتجاوز 5% من الأمريكيين- تسيطر على مراكز صنع القرار في بلد يسكنه 5% من سكان العالم هم مصدر 20% من سموم البيئة.. وليس مجهولًا مقابل ذلك موقف الولايات المتحدة الأمريكية المعارض للالتزام بمكافحة تلويثها في أثناء مؤتمرات المناخ الدولية، وهم أيضا مصدر 40% من التجارة بالسلاح في أنحاء العالم.. ومقابل ذلك موقف واشنطن من اتفاقية حظر الألغام الأرضية المضادة للأشخاص.. وهم كذلك مصدر النسبة الأكبر من أبشع ألوان الجرائم الحديثة الانتشار والتي تصيب الأطفال في الدرجة الأولى بالاعتداء الجنسي الوحشي، ومقابل ذلك موقف واشنطن المعارض لتأمين رقابة فعّالة على الوسائل الرئيسة لنشر الإباحية الإجرامية عالميًّا.
حكاية «الإرهاب» والحرب عليه
إن النظرة الموضوعية للسياسات والممارسات الأمريكية هي التي تفسر انتشار المواقف المعادية لها وليس العكس، وقد تصل تلك المواقف إلى مستوى التصريحات الرسمية على لسان الحلفاء والأصدقاء داخل العالم الغربي، وقد تصل إلى مستوى العداء السياسي الرسمي في بعض بلدان العالم الأخرى، وقد تصل أيضًا إلى مستوى عمليات مسلحة تصل بنتائجها إلى المدنيين فتوصف بالإرهاب، بغض النظر عن عدم وجود تعریف دولي رسمي للكلمة، واستهلاك استخدامها بازدواجية خطيرة المضمون والنتائج، ولكن لا يفيد في هذا المجال أمران انتشرا في الآونة الأخيرة:
1- إسكات كل صوت يتحدث عن السياسة الأمريكية كسبب في انتشار الإرهاب الدولي بدعوى أن هذا يبرر الإرهاب، مهما اقترن ذلك الحديث بإدانة العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين من غير ذوي العلاقة بقضايا ساخنة، ذات معالم واضحة كأحداث الأرض الفلسطينية...
2- تصوير السياسات والتحركات العسكرية العدوانية الأمريكية في الوقت الحاضر - وقد أصبحت نهجًا رسميًّا متبعًا - بأنها جاءت نتيجة تفجيرات نيويورك وواشنطن، وما سبقها في نيروبي، ودار السلام فحسب... وللتذكير ... فإنه بعد حادثي الهجوم على السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي نشرت وزارة الخارجية الأمريكية إحصاءات عن تعرض 260 بعثة دبلوماسية أمريكية في العالم للاعتداء أو للتهديد بالاعتداء على امتداد 25 عامًا، ومن ذلك اعتداءات تنفذ بالفعل بمعدل اعتداء كل خمسة أيام، وكان نصيب البعثات الأمريكية بين بقية البعثات في حدود الربع إلى الثلث من الاعتداءات والتهديدات بمجموعها باستمرار مما يجعل البعثات الأمريكية هدفًا أكثر من سواها؟...
أليس من السذاجة بمكان القول إنه «الحسد و الغيرة» أو «التعصب الأعمى، وما شابه ذلك؟ لا شك في وجود أسباب ذاتية في السياسة الأمريكية وراء هذه الظاهرة، ولا قيمة هنا للزعم بأن مجرد التساؤل عن أسباب ذلك ومحاولة الإجابة عنه، هو نوع من «تبرير الاعتداء»، فمن جهة نجد أن سياسة واشنطن هي التي تبحث عن تبرير كل عمل عسكري تقوم به.. ومن جهة أخرى لا يصمد هذا التبسيط للأحداث أمام أي نظرة هادئة لمعطيات التاريخ.
لا توجد حتى الآن صياغة متفق عليها دوليًّا لكلمة «الإرهاب»، ولكن نمضي مع المفهوم الذي نشره الأمريكيون بهذا الصدد، باعتبار دولتهم موضع الحديث، فتنطلق من أن العملية الإرهابية هي تلك التي ترتكب فيها منظمة سرية اعتداء تستخدم فيه القوة بصورة لا يبيحها القانون الساري المفعول في البلد المعني، ودون مراعاة احتمال سقوط ضحايا من أفراد مدنيين وإصابة منشآت مدنية، ونحسب أن الأرقام المذكورة نقلًا عن المصادر الأمريكية، تنطلق من هذا المفهوم، وإن كانت لا تميز بين مقاومة المحتل.. أو المعتدي باستخدام القوة المشروعة دفاعًا عن النفس والأرض والحقوق، وبين ارتكاب العنف الإرهابي باستخدام وسيلة غير مشروعة لتحقيق هدف غير مشروع.
ولكن لا يمكن أن نمضي مع التصوير الأمريكي لتاريخ الإرهاب الدولي وكأنه بدأ عندما بدأت منظمات فلسطينية، بممارسة العمل الفدائي لتحرير فلسطين في منتصف الستينيات الميلادية، فكانت العمليات الفدائية عند الأمريكيين إرهابًا، ثم بعمليات اختطاف الطائرات المدنية على أيدي بعض الفلسطينيين عندما تعددت المنظمات الفلسطينية وتشعبت مسيرتها، وهذا الأسلوب لتاريخ الإرهاب يسقط ببساطة حقبة الخمسينيات الميلادية عندما ظهرت أول موجة لاختطاف الطائرات المدنية في التاريخ المعاصر وكان مرتكبوها من الكوبيين بعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة، وآنذاك كانت تلك الطائرات تتوجه نحو مطارات الولايات المتحدة، فيستقبل الخاطفون استقبال الأبطال.. كذلك ليس مجهولًا أن أول حادثة اختطاف طائرة ركاب في العالم، كانت تلك التي أقدمت عليها الحكومة الفرنسية وكان ضحيتها زعماء ثورة الاستقلال الجزائرية.
وماذا عن الإرهاب اليهودي المنظم في فلسطين قبل احتلالها عام 1948م، أو الإرهاب الاستعماري المنظم في كل دولة وطئتها القدم الاستعمارية، أو تاريخ نشأة الولايات المتحدة نفسها، تحت عنوان «اكتشافها»، كأن لم يكن بها بشر، ثم ما بعد الإعلان عن الاستقلال عام 1776م وما شهدته موجات السيطرة على الغرب الأمريكي وتطهيره من بقايا الهنود الحمر.
إن ظاهرة الإرهاب الدولي، المعاصرة تبدو وفق هذه اللمحة التاريخية، أشبه بعملية ثأر لما صنعه الغربيون على المستوى العالمي، وما نشروه من مقاييس منحرفة، عبر إعطاء الحق للأقوى وترسيخ العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف أيًّا كانت وعبر ممارسة ذلك تطبيقيًا في عهود السيطرة الاستعمارية بوجوهها القديمة والحديثة... فارتدت النتائج إلى ديارهم ومصالحهم ومواقع هيمنتهم العالمية، تمامًا كما ارتدت على سبيل المثال جريمة نشر زراعة المخدرات من جانب البريطانيين في شرق آسيا، لتصبح من أكبر المشكلات التي تعاني من نتائجها أجيال الشباب في المجتمعات الغربية حاليًا.
كان المستشار الأمريكي للبيت الأبيض سابقًا أويجن روستوف قد طرح مرة التساؤل عن المعالم الرئيسة التي ينبغي أن تتميز بها السياسة الأمريكية عالميًّا هل هي القوة أم الأخلاق والواقعية أم المثالية، وحماية المصالح أم نشر القيم والأفكار التحررية أم المحافظة وأجابت السياسة التطبيقية على هذا التساؤل، باعتماد القوة التي لا تأبه بالحق والعدل والإنصاف والساحة الفلسطينية تشهد بذلك.