; الوثنية المادية في الغرب المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان الوثنية المادية في الغرب المعاصر

الكاتب محمد رشاد خليل

تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1518

نشر في الصفحة 44

السبت 14-سبتمبر-2002

  • من هنا يستمد النظام الدولي الجديد مفاهيمه:

  • في ظل نسبية الأخلاق أصبح كل مجتمع هو قانون ذاته والتعليم الوحيد الذي يجب مراعاته: كن حريصًا على ألا تُضبط متلبسًا

  • المذهب التطوري الجديد يرى أن التقدم بمعناه الحقيقي يتطلب ألا تكون هناك أخلاق ملزمة

  • التقدم يتطلب فرض إرادة القوي على الضعيف عن طريق سفك الدماء وإطلاق الشهوات الدنيئة... لم يعد التدمير والإبادة أمرًا جائزًا فحسب.. بل واجبًا يفرضه العلم

  • د. إرنست مير: أشبعت المادية الغربية حاجة الإنسان لأن يكون مصدر المعرفة والفضيلة وأن يكون مستغنيًا بنفسه وأن تكون له العظمة وحده.

قلنا فيما سبق إن الغرب لم يعرف في تاريخه قط منهج النبوات، وإن الدين المنزل لم يصل إليه بطريقة صحيحة قط، وإن رسالة المسيح عليه السلام وصلت إليه بعد تحريفها وإدخال العناصر الوثنية فيها، ثم أضاف إليها من وثنياته ما جعلها ديانة وثنية.

ونريد في هذا المقال أن نبين أن حضارة الغرب الحديث هي حضارة وثنية، بل إنها هي أسوأ أنواع الوثنيات، وأكثرها انحطاطًا وأشدها خطرًا على الإنسانية كلها، وذلك لأنها امتلكت من أسباب القوة ما لم يتح عشر معشاره لكل وثنيات الأرض السابقة مجتمعة.

وأنا أعلم أن وصف الحضارة الغربية الحديثة بالوثنية قد يكون غريبًا على آذان ألفت أن تسمع عن عصور هذه الحضارة أنها: عصر العقل وعصر العلم وعصر التكنولوجيا، وعصر الديمقراطية، وعصر الحقوق الإنسانية.. إلى آخر هذه المنظومة.

ولعل دعاة التنوير في بلادنا الإسلامية يحسبون أن الذي يكتب هذه الكلمات إنسان يعيش في الكهوف أو في الجبال، لم يركب الطائرة ولم يسمع بها إلا حينما جاءت فصبت على رأسه أطنان القنابل صبًا، تلك القنابل التي تفجر الجبال، وتغوص في باطن الأرض وتهلك الحرث والنسل في دقائق معدودات بل لعله - وقد نجا من قصفها- لا يزال يظن أن ذلك من أعمال مردة الجن وليس عملًا من أعمال مردة الإنس.

وحتى لو عرف دعاة التنوير هؤلاء أن قائل هذا القول يعيش في أمريكا منذ سنوات طويلة فإنهم سيقولون إنه ذهب إلى أمريكا «بعقلية الشرق المتخلفة، وعاش فيها بتلك العقلية، فلم يتفتح عقله على حقائق التنوير وعالم التنوير.

كيف لا، وهذا القول يقوله كثير من المنتسبين إلى الإسلام في الغرب في حق أولئك المسلمين الذين يصرون على أن يعيشوا في الغرب، الإسلام كما يجب أن يكون، وألا يداهنوا في إسلامهم وألا يساوموا عليه، وألا يتبعوا الرخص التي تسهل لهم طريق الحرام، وأن يحرصوا على أن يتقدموا بإسلامهم إلى الغرب من موقف المؤمن الواثق بربه، المعتز بدينه الذي يؤمن بأن الغرب بكل ما يملك هو أشد حاجة إلى الإسلام من غيره، وأن الإسلام والإسلام وحده -هو القادر على أن يأخذ بيد الغرب المنحدر إلى الهاوية بسرعة الصواريخ التي انهالت على الأبرياء، خاصة المسلمين.

وثنية الغرب بأقلام غربيين

وعلى أي حال فإنه دفعًا للشبهات، وتنبيهًا لأهل الغفلة فإنه من الأفضل أن ندع الذين يتحدثون عن وثنية الغرب يكونون من الغرب نفسه ومن المسيحيين العلماء من سكانه الأصليين بل من النخبة منهم، ومن أبنائه أنفسهم ومن علمائه، وهم أكثر من أن يحصوا عددًا، ولذا فسوف نكتفي بتقديم نماذج من أقوال بعضهم، تدل على ما وراءها.

وحدة الوجود هي عقيدة الغرب الحديث

إن الدارس لتاريخ الأديان يعرف أن عقيدة وحدة الوجود هي أسوأ أنواع الوثنيات وأشدها خطرًا في التاريخ، وهي أشد خطرًا من كل أنواع الشرك، وذلك لأن الشرك بكل أنواعه يقول بوجود إله مفارق لهذا العالم وهو الخالق والمدبر، وهناك آلهة أخرى معه من العالم، أما عقيدة وحدة الوجود فهي لا تقول بإله مفارق خالق مدبر وإن كان معه شركاء، بل هي لا تقول بإله أصلًا لا داخل العالم ولا خارجه ولا تسمي إلهًا، بل تقول بأن العالم هو مدير نفسه وأن هناك عقلًا للعالم، أو قوانين تسيره من داخله، والعقائد الشركية منها ما يعترف بحياة أخرى، وبحساب وجزاء، بل وبكائنات أخرى ليست من طبيعة العالم المادية، أما عقيدة وحدة الوجود فتنكر أن يكون هناك شيء قط غير هذا العالم، فكل شيء يبدأ في هذا العالم وينتهي فيه، وحتى الحساب والجزاء هو في هذا العالم عن طريق ما يسمى بالتناسخ، أي حلول الأرواح في أجساد أحط أو أفضل، حسب ما تستحقه من ثواب أو عقاب، وكلمة الأرواح لا تعني أنها أشياء من خارج هذا العام بل الأرواح من هذا العالم وتتحول من خلاله وبالتالي فليس هناك مسؤولية، وليس هناك حساب وجزاء أمام قوة من خارج هذا العالم تحكم بالعدل وتجزي بالحق.

ولم يسلم تاريخ الإسلام من تأثير عقيدة وحدة الوجود المدمر، بل إن هذه العقيدة كانت من أشد ما ابتلي به تاريخ الإسلام وأكثرها تدميرًا من خلال الباطنية الذين تلبسوا بالفلسفة وتلبسوا بالتصوف ونشروا الإلحاد والانحلال الذي كان له أثره في انهيار المجتمع الإسلامي. هذه العقيدة المدمرة أصبحت عقيدة الغرب الحديث، وهذه المرة تحت ستار العلم ومع استغلال إمكاناته الهائلة.

يقول: تشارلز هودج في كتابه «ما الداروينية» تحت عنوان: نظرية وحدة الوجود «إن نظرية وحدة الوجود هي أكثر أشكال التفكير الإنساني انتشارًا وأكثرها استمرارًا» لقد كانت -ولعدة آلاف من السنين- ديانة للهند وليس فقط فلسفة، كما أنها كانت واسعة الانتشار في الصين. كما أنها تعتبر الأساس لكل صور الفلسفة الإغريقية لقد زحفت إلى الكنيسة متخفية تحت ستار من مصطلحات الكتاب المقدس في شكل الأفلاطونية الحديثة، كما أنها كانت تعاود الظهور بانتظام في العصور الوسطى، أحيانًا في شكل فلسفي وأحيانًا في شكل سري باطني، لقد أعيد إحياؤها في القرن السابع عشر عن طريق أسبنوزا، الأمر الذي ترتب عليه أنها أصبحت سائدة في الفلسفة والأدب الأوروبيين.

وها هي قد عادت مرة أخرى، فنرى بعض الطبيعيين المشهورين يحول من النقيض إلى النقيض من القول بأنه لا إله إلى تدريس القول بأن كل شيء هو إله أحيانًا نفس الشخص في نفس الكتاب في نصف منه يدرس المادية، وفي النصف الآخر يدرس المثالية مرة يؤكد أن كل شيء مادة ومرة أخرى يؤكد أنه لا وجود للمادة وأن العقل هو إله «ترجم بتصرف عن:  What is Dalwinism? Charles Hodge,p66-68

وينبه هنري. م. موريس في كتابه: «ما علم الخلق» إلى أن التطور هو ديانة لكنها ليس ديانة جديدة، ذلك لأن فكرة التطور هي الأساس الذي قامت عليه البوذية والهندوسية والكنفوشيوسية والطاوية والشنتوية والسيخية والبانية والأرواحية «نسبة إلى الروح» والروحية «نسبة إلى الجن» والأكلوتية «القوى الخفية» وهذه العقائد قد ظهرت منذ القدم في الشرق ولا تزال، وتشترك جميعًا في استبعاد أن يكون هناك إله أو عالم آخر غير هذا العالم، وفي اعتقاده وحدة الوجود بأشكالها المختلفة.

ويضيف الكاتب إلى ذلك عقائد ظهرت في العالمين المسيحي والإسلامي قديمًا وحديثًا وعلى نفس أساس وحدة الوجود مثل: الشيطانية ونيو صوفية والباطنية والبهائية.

ومما يستلفت النظر أن الكاتب يضيف إلى هذه الفرق ما يسمه: اليهودية المتحررة، والمسيحية المتحررة، والإسلامية المتحررة، وهو يقصد بذلك الذين آمنوا بالتطور كقانون مدير لهذا العالم، حتى وإن قالوا بوجود إله مفارق!!

ديانة التطور

وبعد أن يبين الكاتب أن الأصل الجامع لكل هذه الأديان اشتراكها في اعتبار العالم أزليًا غير مخلوق - وأنه هو الذي يدبر نفسه، وأن عملية التحول الذاتية لكون ذي الزمان والمكان الأبديين هي التي طورت العالم وما فيه إلى شكله الحالي، وأنه سواء سميت القوى الطبيعية آلهة مذكرة ومؤنثة أو سميت عقلًا أو روحًا عالمية فإن كل هذه التسميات ما هي إلا تعبير عن شيء واحد مشترك هو قوى التحول الطبيعي في العالم ذاته.

إن هذا القصور للعالم والقوى العاملة فيه هي نفسها مبادئ نظرية التطور الحديثة، التي تقول بأن كل شيء في هذا الكون جاء نتيجة عملية تحول ذاتي وليس نتيجة عملية خلق وتدبير لخالق ومدبر من خارج هذا العالم، فمثل هذا الخالق المدير الأزلي هو عند التطوريين المحدثين ومن سبقهم من ديانات قديمة: إما أنه غير معترف به، أو أنه قد حل في العالم وأصبح جزءًا منه.

التطور ووحدة الوجود

وهذه القائمة من الديانات - التي يمكن أن تضاف إليها وثنيات قديمة- يجمعها جميعًا أنها كلها أشكال من التعبير عن وحدة الوجود، وليس من بينها من يؤمن بخالق مدبر، وكثير من هذه الديانات إما «أبيقوري» أي يؤمن بأن الوجود هو العالم المحسوس فقط أو ذري، يؤمن بأن الذرات هي أصل كل شيء، أو روافي، يقول بالجبرية، أو غنوصي يؤمن بأن المادة شر وأن الخلاص يكون عن طريق الخلاص منها، هذه الديانات على اختلافها تشترك مع عقيدة التطوريين المحدثين في الإيمان بوحدة الوجود المكتفي بنفسه، ومعظم هذه الديانات يؤمن بالتنجيم وتأثير الجن والأصنام في نظام المعالم. «ترجم بتصرف من كتاب: What is Creation Science, p17-27

التطور دين

وعليه فإن التطور هو دين بالتأكيد بكل ما تدل عليه كلمة دين، فعقيدة التطور الحديثة تصور العالم، وتفسر أصله وأطوار كل شيء فيه من الذرات إلى المجرات إلى الإنسان من غير حاجة إلى قدرة كائن أعلى قادر خالق، وهذا هو معظم الأساسيات الفلسفية لكل الأديان ما عدا الأديان التوحيدية.

الإلحاد دين..!

إن التطورية هي إلحاد، والإلحاد دين، وهو عقيدة من المستحيل إثباتها علميًا، وقد اعترف بذلك إسحاق أزيموف فقال: أنا ملحد عاطفيًا، لأني لا أملك أدلة على أن الله غير موجود.

ديانات حديثة أفرزها التطور

ولقد تأسست على التطور ديانات مثل ديانة عبادة الإنسانية، وديانة العصر الجديد، وديانة الأرض الأم  Earth Mother وديانة الطبيعة الأم Mother Nature كما ظهرت مجموعة من النظم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لها تأثير على السلوك والأخلاق والإنسانية، وهي نظم ذات طبيعة دينية في الأساس لأنها تقوم على عقائد في العالم المتطور، ومن هذه النظم السياسية والاقتصادية الماركسية والفاشية والنازية ومن هذه النظم النفسية: الفرويدية والسلوكية والوجودية، كما أنه يدخل فيها العنصرية، والإمبريالية، والرأسمالية التي تقوم على مبدأ: دعه يعمل دعه يمر، والاشتراكية والشيوعية: إن القائمة قد تطول، وكلها يجمعها أصل جامع، وهو مبادئ ديانة التطور، فالتطور ديانة وليس نظرية علمية، ولذا فإن ما يسمى بالتطورية العلمية، اسم مركب من متناقضين «المصدر السابق نفس الصفحات».

الحصاد المر للوثنية الغربية الحديثة

وليس هنا مجال الحديث المفصل عن الديانات التي أفرزتها الوثنية المادية الغربية الحديثة، فذلك حديث يطول، ولكنا نريد أن نشير إلى بعض الآثار المدمرة لهذه الوثنية بأديانها التي تفوق الحصر على العقول والأخلاق والمجتمع أفرادًا ومؤسسات، ولندع جيمس د. بيلز يحدثنا في بحثه «اعتبارات نفسية» عن بعض هذه الآثار فيقول: «تذهب المادية التطورية الحديثة إلى القول بالقوانين التي تحكم الطبيعة» مع التأكيد على أن هذه القوانين لا علاقة لها بما يسمى بالقوانين الأخلاقية أو الروحية، والتي ليست شيئًا أكثر من كونها عادات اجتماعية وضعها الإنسان، ويمكن أن يطرحها الإنسان».

نسبية الأخلاق

فالأخلاق في حالة تغير مستمر، ومعنى ذلك أنها نسبية، ولقد حلت هذه النسبية الأخلاقية حديثًا محل النظام الأخلاقي المستقر القديم، وفي ظل هذه النسبية أصبح كل مجتمع هو قانون ذاته، وأصبح كل فرد هو قانون ذاته بقدر ما يستطيع إن التعليمات الوحيدة التي يجب مراعاتها في ظل هذا المفهوم للأخلاق هو ما أسماه البعض –ساخرًا بتعاليم الكتاب المقدس «العشرة» التعليم الحادي عشر، وهو التعليم الذي يقول: كن حريصًا على ألا تضبط متلبسًا.

فإذا لم يكن هناك قانون أخلاقي يكون الناس مسؤولين أمامه، وإذا لم تكن الأخلاق سوى عادات المجتمع، وإذا كانت هذه الأخلاق تحت تصرف إرادة الإنسان بدلًا من الله، فإن كل إنسان هو قانون نفسه إلى أقصى درجة يريدها، وإلى أقصى مدى يستطيع من خلاله أن يحقق ما يريد... وأكثر من هذا أن الإنسان إذا امتلك القوة فليس هناك قانون يقول بأنه ليس من حقه أن يفرض إرادته على الآخرين.

إن التطور يقول: إن القوانين تتغير تدريجيًا، وعليه، فنحن لسنا ملزمين بأخلاق الماضي، بل إن التقدم بمعناه الحقيقي يتطلب ألا تكون هناك أخلاق ملزمة ومن ثم فإنه يجب وضع الأخلاق الجديدة المناسبة والتي سوف تصبح قديمة تطرحها الأجيال القادمة.

التقدم على أشلاء الضحايا

ومن مفهوم الدارونية فإن القوي ليس من حقه فقط أن يفرض إرادته على الضعيف، بل إن التقدم يتطلب فرض هذه الإرادة بالقوة وعن طريق سفك الدماء وإطلاق الشهوات الدينية، إن تقديس القوة الغاشمة والدناءة هو التقدم.

إن مبدأ البقاء للأصلح معناه نجاة الأقوياء في معركة يباد فيها الضعفاء.

أما الانتخاب الجنسي فإن معناه إطلاق العنان للشهوات الدنيئة، ما دام الاتصال الجنسي مطلقًا على طريقة الحيوانات بدون قانون إلهي ينظمه.

إن مبدأ نسبية الأخلاق لا يعطي الإنسان الفرصة فقط لإطلاق العنان لشهواته الهابطة، وإنما يمكنه أيضًا من التهرب من الواجبات ذلك لأنه لا يمكن أن تكون واجبات دون إلزام أخلاقي، وكما أشار زركل zirkle فإن التطور قد ألقى بظل كثيف من الشك على سلطة أي نظام أخلاقي، وفتح الباب لكل أنواع السلوك ما دامت لها فائدة نسبية وعملية.

لقد أخذت الوحشية والعدوانية المرفوضة من كل النظم الأخلاقية طابعًا علميًا من الوثنية المادية الغربية، حيث لم يعد تدمير الآخرين وإبادتهم أفرادًا وشعوبًا على أيدي الأقوياء أفرادًا وشعوبًا جائزًا فقط، بل واجبًا يفرضه العلم، أو كما قال هربرت سبنسر Herbert spencer إذا كان البشر مؤهلين للبقاء، فإنهم يبقون وسوف يبقون، وإن لم يكونوا مؤهلين للبقاء، فإنهم سوف يموتون ومن الأفضل أن يموتوا.

الفاشية النازية

ولقد كان من الحصاد المر للوثنية المادية الغربية ظهور الفاشية النازية التي تقوم على مبدأ حق الجنس المتفوق في البقاء على حساب الضعفاء، يقول د. روبرت لي Robertley زعيم حزب الطليعة العالمية النازي عن حرب ١٩٤٠م إن الحرب ليست شيئًا ضد السلام، ولكنها ببساطة تعبير عن معركة البقاء المستمرة بين الأمم والرجال، إنها تعبير عن سيادة الأعلى والأفضل من البشر.

تشكيل إرادة العدوان في العقل الغربي

لقد شكلت الوثنية المادية الغربية في العقل الغربي الحديث إرادة العدوان التي لا تزال تعمل عملها ضد الضعفاء في العالم إلى يومنا هذا.

يقول بيرزون Barzun: لقد أصبحت الحرب هي الرمز والصورة والهدف والسبب واللغة لكل أفعال البشر في الأرض: إن الأدب بين ۱۸۷۰م- 1914 قد تعامل مع موضوع واحد هو: الدعوة المستمرة إلى سفك الدماء... إن القوة والمادة قد شكلتا ماضينا، وصنعتا حاضرنا، وأكدنا صورة مستقبلنا الحقيقية.

الصراع الطبقي والماركسية

وكما أخذت الوثنية المادية الغربية شكلها البشع في النازية، أخذته وبشكل أكثر بشاعة في الماركسية ونظرية الصراع الطبقي، حيث لم يعد حق الأقوياء في إبادة الضعفاء واجبًا، بل هو القانون الطبيعي الوحيد للتطور الاجتماعي فبمقتضى قانون «الديالكتيك الاجتماعي» فإنه يتحتم أن تقضي الطبقة القوية على الطبقة الضعيفة وتحل محلها، وباسم قانون الصراع الطبقي أباد ستالين في روسيا عشرين مليونًا من البشر، منهم ملايين من المسلمين، وأباد ماوتسي تونج في الصين ملايين من البشر معظمهم من المسلمين.

ويلخص د. إرنست مير ErnstMayr الأستاذ بجامعة هارفارد الحصاد المر للوثنية المادية الغربية بقوله: إنها أثرت على جميع أنواع الميتافيزيقا والمبادئ الأخلاقية إن لم تكن هي النقيض لها، إنها أكدت رغبة الإنسان في عدم الخضوع لأي قانون من منطلق أنه هو نفسه قانون ذاته، إنها أضفت قداسة على رغبة الإنسان في أن يكون هو «السوبرمان» القادر بدلًا من أن يكون المخلوق الذي يخضع لخالق، إنها أضفت شرعية على جهود الإنسان للهرب من المسؤولية عن أفعاله الشريرة، إنها أعطته القدرة على الهرب من الله حتى ولو لم يؤد ذلك إلى الإلحاد، إنها وضعت الله بعيدًا جدًا... إلى درجة أن الإنسان لم يعد يهتم بالله أصلًا.. فضلًا عن أن يكون مسؤولًا أمامه، لقد أشبعت حاجة الإنسان إلى أن يكون هو مصدر المعرفة والفضيلة، وأن يكون مستغنيًا بذاته وأن تكون له العظمة وحده.

وبدلًا من أن تكون الإنجازات العلمية والمادية المعاصرة معلمًا من معالم إنجازات الذكاء الإنساني أصبح معلمًا لقوة إنسان بلا روح، لا يحس بحاجته إلى الوحي الذي يزوده بالمعرفة وإلى القانون الأخلاقي الذي يزوده بالفضيلة ويعرف به الحق ويجعله يحس بأخوة البشر، وحاجة الناس إلى رحمة الله التي تجبر الكسر وتسد العجز، وتغفر الذنوب وتعطي الأمل وتعين الإنسان على الاستقامة بتصرف Acritical Look Atevolution, james D. Bales(157-188), 

ألم يكن الباحث الغربي المسلم محمد أسد الذي عرف وثنية الغرب الحديث معرفة الخبير محقًا حين قال: إن غالبية الغربيين سواء كانوا ديموقراطيين أم فاشيين، رأسماليين أم اشتراكيين، عمالًا يدويين أم مثقفين، يعرفون فقط ديانة إيجابية واحدة وهي ديانة عبادة التقدم المادي؟ إن معايير هذه الديانة هي المصانع الضخمة ودور السينما والمعامل الكيماوية وصالات الرقص والكهرباء الهيدروليكية.

وقسس هذه الديانة هم: رجال البنوك، والمهندسون، ونجوم السينما، وقادة الصناعة، ورجال الإعلام. ترجم عن (Islam at the cross roads, Muhammed Asad, p.44)

ثم أليس من حقنا أن نقول إن الوثنية المادية الغربية المعاصرة هي أبشع أشكال الوثنية التي عرفها التاريخ، وأبعدها أثرًا، وأشدها خطرًا، وإن أغضب ذلك القول المبشرين بالتنوير الغربي؟ إنها قولة حق شهد بها أهلها وشهد لها الواقع وشهد لها التاريخ، رغم أنف أدعياء التنوير الغربي ودعاته؟
 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

124

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟