; الوحدة العربية والحل المفقود نظرية تاريخية | مجلة المجتمع

العنوان الوحدة العربية والحل المفقود نظرية تاريخية

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 56

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 19-يناير-1988

  •  

    لويس التاسع يضع الخطوط العريضة:

    نشرت مجلة آخر ساعة في عددها (2106) وثيقة محفوظة في دار الوثائق القومية في باريس، كتبت بيد ملك فرنسا لويس التاسع إبان الحروب الصليبية، والذي أُسر في دار ابن لقمان بالمنصورة، يقول فيها: "إنه لا يمكن الانتصار على المسلمين من خلال حرب، وإنما يمكن الانتصار عليهم بواسطة السياسة باتباع ما يلي:

    • إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، وإذا حدثت فليعمل على توسيع شقتها ما أمكن حتى يكون هذا الخلاف عاملًا في إضعاف المسلمين.
    • عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية أن يقوم فيها حكم صالح.
    • إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء، حتى تنفصل القاعدة عن القمة.
    • الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق وطنه عليه، يضحي في سبيل مبادئه.
    • العمل على الحيلولة دون قيام وحدة عربية في المنطقة.
    • العمل على قيام دولة غريبة في المنطقة العربية تمتد ما بين غزة جنوبًا، أنطاكية شمالًا، ثم تتجه شرقًا وتمتد حتى تصل إلى الغرب."

    لقد كانت هذه الوثيقة القيمة بمثابة الخطوط العريضة لأعداء الأمة الذين جاءوا بعد لويس التاسع لتفتيت الوحدة الإسلامية، والتي أعقبها تفتيت الوحدة العربية. ولا يعني كلامنا هذا أننا نميل إلى أن الوحدة العربية هي الأصل والوحدة الإسلامية هي الفرع، ولكننا نعتقد بأن القادر الوحيد، والراية الوحيدة التي يمكن أن يتجمع حولها الجميع هي الإسلام دون سواه، ولا يمكن للمسلمين عامة والعرب خاصة أن يتجمعوا حول راية غير الإسلام، وإنما نعتقد بأن العرب إذا توحدوا بالإسلام فإن ذلك يؤدي غالبًا إلى تجميع غيرهم حولهم؛ وذلك لأن العرب هم مادة الإسلام، وهم أقدر الناس على فهمه والدعوة إليه، وهم الذين لا يتجمع الأعاجم إلا حولهم، لذلك فليس من المستغرب أن يكون الخليفة من قريش وهم أشرف قبائل العرب.

    ولعلم لويس التاسع بهذه الحقيقة جعل من خطوات الانتصار على الإسلام العمل على الحيلولة دون قيام وحدة عربية. ونلاحظ في الوثيقة أيضًا الإشارة لغرس دولة غريبة في قلب الوطن العربي، لتساعد عمليًا في فرقة وتشتيت الوحدة العربية، وهي التي أصبحت فيما بعد يطلق عليها "إسرائيل" وهي فلسطين المغتصبة.

    لورنس ينفذ وصية لويس:

    ظلت هذه الوثيقة بمثابة الدستور لكل قادة الغرب، وأعداء الإسلام يرجعون إليها، ويحللون ما فيها من عبارات، ويضعون الوسائل المتنوعة للتنفيذ. وتوصلوا بعد طول خبرتهم واحتكاكهم مع المسلمين إلى ما لم يتوصل إليه لويس التاسع وهو المفتاح لتحقيق كل خطوته التي ذكرها في وصيته، والذي لم يفطن إليه ألا وهو "الخلافة". فالخلافة الإسلامية هي سر تجمع المسلمين ووحدتهم سواء كانوا عربًا أو عجمًا، فأرسلت الإمبراطورية البريطانية فتى ذكيًا يسمى لورنس استطاع أن يحقق ما عجز عن تحقيقه كبار ملوك الغرب في حروبهم الطويلة ضد المسلمين، فها هو يرسل تقريرًا سريًا للمخابرات البريطانية سنة 1916 بعنوان: (سياسات مكة) عندما كان في أرض العرب لتنفيذ المؤامرة. يقول في التقرير: "أهدافنا الرئيسية: تفتيت الوحدة الإسلامية، ودحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها، وإذا عرفنا كيف تعامل العرب، وهم الأقل وعيًا للاستقرار من الأتراك، فسيبقون في دوامة من الفوضى السياسية داخل دويلات صغيرة حاقدة ومتنافرة غير قابلة للتماسك، إلا أنها على استعداد دائم لتشكيل قوة موحدة ضد أية قوة خارجية" (1).

     

    إن الوحدة هي أكثر ما يرعب أعداء الأمة، حتى وإن كانت -كما يقول الأستاذ زهدي الفاتح- "في صورة مشوهة مبتورة، لا روح فيها كما كانت أيام الإمبراطورية العثمانية". ولقد استغل لورنس ضعف الدولة العثمانية وعدم اهتمامها في المناطق العربية في سنواتها الأخيرة، كما استغل الحمية للعنصر العربي عند العرب، واستغل حب الإمارة والسيادة، فقام يحرض العرب على انتزاع حقوقهم من الأتراك. يقول في تقريره "سياسات مكة": "لو تمكنا من تحريض العرب على انتزاع حقوقهم من تركيا فجأة وبالعنف، لقضينا على خطر الإسلام إلى الأبد ودفعنا المسلمين إلى إعلان الحرب على أنفسهم، فتمزقهم من داخلهم. وفي عقر دارهم، وسيقوم نتيجة ذلك، خليفة للمسلمين في تركيا، وآخر في العالم العربي، ليخوضا حربًا دينية داخلية فيما بينهما، ولن يخيفنا الإسلام بعد هذا أبدًا" (2).

    وحقًا قال، فإنه لا يخيف إسلامًا لا يجمع وباسمه يتفرق المسلمون، فالإسلام الحقيقي هو الذي يدعو للاعتصام بحبله، "واعتصموا بحبل الله جميعًا" وليس بحبال الشياطين براياتهم المختلفة العنصرية والإقليمية وغيرها. ونجح لورنس بذلك بعد أن وعد الشريف حسين بأن يكون خليفة على العرب، إذا شاركت الجيوش العربية بريطانيا في معركتها مع جيش الخلافة العثمانية، وللأسف الشديد شاركت الجيوش العربية جيش بريطانيا الصليبية، وانتصرت على جيش الخلافة الإسلامي، فماذا حصل العرب بعد ذلك؟

    بريطانيا تنكث بوعدها:

    يقول لورنس لواحدة من أعز صديقاته: "لقد ساعدت على حبك المؤامرة، وخاطرت لإيماني أن وقوف العرب إلى جانبنا هو عامل حيوي لتحقيق أملنا بانتصار سريع بخس الثمن في الشرق، والأفضل لنا أن ننتصر وننكث بوعدنا من أن ننكسر" (3).

    ظهور المارد من قمقمه:

    في نفس الوقت الذي كانت فيه بريطانيا بصلاتها وخبراتها يعملون ليل نهار لتحقيق هدفهم بتمزيق الوحدة الإسلامية والوحدة العربية، كانت هناك بشائر خير بدت إماراتها في جزيرة العرب، وأخذت تشكل رعبًا لبريطانيا، ولأعداء الإسلام من جديد، فحاولت القضاء عليها بعدما تمكنت في المنطقة واحتضنها أمراء المنطقة، ألا وهي دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، التي جاءت لترجع للإسلام هيبته بالرجوع إلى المنابع الصافية. فعندما شعر أعداء الأمة برافع الراية الإسلامية؛ خشوا أن يتجمع حولها العرب وباقي الأعاجم، وفي ذلك يقول لورنس في وثيقة سرية مؤرخة في 18 نيسان 1919 بعث بها للمخابرات البريطانية: "إذا تخلى عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود عن الوهابية وأطماعها، فستكون سياستنا لينة معه، أما إذا أصر على الاستمرار في تبني الوهابية، فإننا يجب أن نشن بفرق الجيش الهندية الإسلامية حربًا لاستعادة مكة، وقهر الحركة الوهابية، لقد سبق لي في عيد ميلاد 1918 أن اقترحت أن تفعل ذلك بعشر دبابات" (4).

     

    ووصل بهم الرعب من هذا المارد الذي خرج من القمقم أن أرسل تشرشل رسالة إلى لويد جورج رئيس الحكومة البريطانية سنة 1921 يقول له فيها: "إن ابن سعود سيقود البلاد كلها نحو هاجس ديني" (5).

    إلغاء الخلافة كان أول الشروط:

    وعندما انتصرت بريطانيا مع الحلفاء على تركيا، وبعد أن "ابتدأت مفاوضات لوزان لعقد صلح بين المتحاربين اشترطت إنجلترا على تركيا أنها لن تنسحب من أراضيها إلا بعد تنفيذ الشروط التالية:

    • إلغاء الخلافة الإسلامية وطرد الخليفة من تركيا، ومصادرة أمواله.
    • أن تتعهد تركيا بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة.
    • أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.
    • أن تختار لها دستورًا مدنيًا بدلًا من دستورها المستمد من أحكام الإسلام" (6).

    فالملاحظ على جميع الشروط هو إبعاد الإسلام تمامًا عن دولة الخلافة سابقًا؛ لأنهم يعتقدون اعتقادًا لا يخالجه أدنى شك ويجهله الكثير من أبنائنا، بأن الذي يجمع العرب والأعاجم هو الإسلام. ولقد طبق حكام تركيا من جمعية الاتحاد والترقي إلى زماننا هذا جميع هذه الشروط دون إلغاء أي منها، ولا أدل على تطبيق الشرط رقم (ب) من انقلاب الحكومة العسكرية الحالية بقيادة كنعان إيفرن عندما اشتدت قوة حزب السلامة الإسلامي في تركيا، وأودع قادتها في السجون لتعود تركيا أتاتوركية كما تريدها أمريكا وبريطانيا وأعداء الإسلام.

     

    وعلاقة الوحدة العربية بالإسلام تتضح أكثر في مقالات مورو بيرجر والذي يصرح بالحرف الواحد في كتابه "العالم العربي المعاصر" بقوله: "إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجًا عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام. يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب، التي تؤدي إلى قوة العرب؛ لأن قوة العرب تتصاحب دائمًا مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره" (7).

    والعدو الصهيوني الذي أوجد له كيان في فلسطين ما كان له أن ينجح لو كانت هناك وحدة عربية إسلامية محورها الإسلام، لذلك فإن اليهود ما فتئوا يبعدون الإسلام عن المعركة، ويخططون مع عملائهم الغربيين لقمع أي دعوة إسلامية في أي بلد عربي أو إسلامي؛ لأن ظهور الإسلام والتجمع حوله يعني زوال مملكة بني صهيون. فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت في 1978/3/18 مقالًا رئيسيًا قالت فيه: "إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامة هي جزء من إستراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا قد نجحنا بجهودنا، وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو يقتضي الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا." ولعل هذا ما يفسر بطش بعض الأنظمة العربية بأي مجموعة تدعو إلى الإسلام، ومضايقة دعاته، وتصفيتهم في كثير من الأحيان بحجج كثيرة أقلها "المؤامرة لقلب نظام الحكم"، ويسخرون جميع أدواتهم الإعلامية لرسم صورة مشوهة لدعاته كي ينفروا الناس منهم، وبهذا تنفذ أوامر أسيادهم منهم بنو صهيون.

    التدخل العسكري:

    وتصل درجة الخوف والرعب من عودة الإسلام لدرجة أنهم حتى على عملائهم لا يعتمدون، بل يفضلون إذا اشتدت قوة الحركة الإسلامية، وازداد عدد من يلتف حولها أن يتدخلوا هم أنفسهم عسكريًا للقضاء على تلك الحركة ودعاتها. ففي عددها الصادر في 1978/12/17 وعلى الصفحة السابعة عشرة نشرت صحيفة الصنداي تلغراف البريطانية مقالًا بقلم يبرغرين دورستورن قال فيه: "إن أكبر خطأ يرتكبه الغربيون هو عدم تفكيرهم بجدية بضرورة التدخل العسكري المباشر في المنطقة في حالة عجز الأنظمة الصديقة عن كبح جماح المتطرفين المسلمين، ويؤكد أن شعور الغربيين بالندم، وتأنيب الضمير إزاء تورطهم في الحرب الفيتنامية، يجب ألا يكون سببًا في إقناعهم بعدم استعمال القوة العسكرية ضد المتطرفين المسلمين؛ لأن خطر هؤلاء المتطرفين المسلمين لا يقارن بأي خطر آخر مهما كان."

     

    وإذا علمنا بأن الإسلام هو القادر على توحيد الأمة العربية والإسلامية من خلال آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وأحداث التاريخ؛ نعلم أي خطر يتهددنا.

     

    فهل يدرك أبناؤنا من أصحاب الطروحات غير الإسلامية مدى خطأهم عندما يعتقدون بأن غير الإسلام يمكنه أن يوحد الأمة؟ بينما أعداؤنا أدركوا تمامًا حقائق وأسباب توحيد الأمة، فهل نعود للإسلام لكي نتوحد؟ أم نظل نرفع شعارات تفرق ولا توحد؟


    (1) الوقائع السرية في حياة لورنس ص 52 – 53.

    (2) لورنس العرب – زهدي الفاتح ص 74.

    (3) الوقائع السرية ص 4.

    (4) و (5) الوقائع السرية ص 141.

    (6) الأرض والشعب ص 46 المجلد الأول.

    (7) مجلة روز اليوسف عدد 1963/6/29.

الرابط المختصر :