; الوحدة المغربية الليبية بَين آمال الشعبين ومصالح الحكومتين | مجلة المجتمع

العنوان الوحدة المغربية الليبية بَين آمال الشعبين ومصالح الحكومتين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

مشاهدات 102

نشر في العدد 691

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 13-نوفمبر-1984

• المغرب يسلم للعقيد القذافي أحد معارضيه البارزين تنفيذًا لاتفاقية وجدة.

• الحكومات المتغافلة عن مشاكل شعوبها لا تتبنى العمل الجاد.

• الوحدة المغربية الليبية شكل معبر عن أزمة السياسة العربية.

كانت المنطقة المغربية تعيش تناقضات سياسية حادة، سواء على المستوى القطري الداخلي، أو على مستوى المنطقة عمومًا؛ كانت قضية الصحراء الغربية تلتهم كل يوم عددًا هائلًا من الأرواح البشرية، وقدرًا كبيرًا من الأموال وكان هذا النزيف يستقطب كل أقطار المغرب العربي باستثناء تونس. 

وكانت قضية تشاد تثقل كاهل الاقتصاد الليبي وجيشه مما جعل القذافي يشعر بوضوح بخطر هذا التورط وصعوبة الخروج منه.

 أما على المستوى الداخلي، فقد كانت الجبهات الشعبية في كل من تونس والمغرب وليبيا ساخنة فأحداث يناير الماضي التي اندلعت في كل من تونس ثم المغرب، على إثر قرار رفع أسعار العجين والحبوب والخبز لم تهدأ ولم تقع آثارها؛ ذلك أن ارتفاع نسبة البطالة في كل من البلدين واستشراء الفقر لدى فئات واسعة من الشعبين لا يمكن حلها بسهولة، وكانت أحداث ثكنة العزيزية التي تستهدف حياة العقيد القذافي ونظام حكمه قد رجت العقيد ومجالسه الشعبية رجًّا عنيفًا وأشعرتهم مثلما أشعرت الرأي العام الدولي أن جبهة الخلاص الوطني الليبية نشطة وقوية، وكان انعقاد مؤتمر اليهود بالمغرب وظهور ممثلين من الحكومتين: المغربية، والصهيونية تحديًّا كبيرًا للشعب المغربي والعربي عمومًا.

 هذه الوقائع والأحداث جعلت من الساحة السياسية في منطقة المغرب العربي ساحة ساخنة وشديدة الحساسية.

اتفاق وجدة:

كان العقيد الليبي يعيش اختناقًا سياسيًّا كبيرًا، فعلى المستوى الداخلي اشتدت معارضته ونشط أعداؤه وضاق صدره ببعض من تبوؤوا مقاعد مهمة في نظامه «الجماهيري» الذين لم يحسنوا فهم رؤاه وإنزالها إلى الواقع، وتحرك حوله علماء الإسلام وأعلنوا رفضهم لنظامه وقلقهم من ممارساته، وحاول التخفيف من هذه الأصوات، فأعدم منها ما أعدم وعذب وسجن ما أراد وشرد عددًا آخر ووصفهم بأعداء الثورة والجماهير وعملاء الاستعمار والإمبريالية، وحاصر تحركاتهم وعد عليهم أنفاسهم فاندلعت أحداث ثكنة العزيزية لتعلن أن هؤلاء ما زالوا محافظين على وجودهم وأنشطتهم وأن الذي اختفى هو تحركهم الخارجي في الساحة الليبية فحسب، أما على المستوى الخارجي، فإن علاقاته بجيرانه جميعًا متوترة، فالجزائر له معها مشكل حول الحدود لم يفض، وتونس له معها ملف كبير من الخلافات، فإضافة إلى الخلاف حول المنطقة الحدودية الجرف القاري له معها مشاكل سياسية عويصة، فهو يدرب عددًا من شبابها في معسكراته ليستعملهم وقت الحاجة. وقت تم في الشتاء الماضي إعدام اثنين من جواسيسه في تونس، وله تصريحات ضد الحكومة التونسية تؤكد أن له بها مطامع مهمة، أما مصر والسودان فالعلاقات معهما لها تاريخ طويل حافل بالتهجمات والمعارك السياسية الساخنة قلما تهدأ. وفي تشاد تدخل مباشرة بجيشه وأصبح طرفًا مهمًّا في النزاع هناك، لقد كانت ليبيا القذافي تعيش عزلة سياسية ليس بإمكانها مواصلتها؛ لذلك وجه العقيد القذافي رسالة إلى كل الزعماء العرب يدعوهم فيها إلى الوحدة ويؤكد لهم استعداد جماهيريته لأي خطوة في هذا الاتجاه.

 في الطرف الغربي من هذه المنطقة، كانت الحكومة المغربية تعيش قلقًا سياسيًّا لا يبعد عما تعيشه ليبيا، فأحداث الخبز فيها كانت لها آثار داخلية مؤثرة، والوضع الاقتصادي يمر بأزمة خانقة، واحتضانها للمؤتمر اليهودي جعلها تعيش العزلة السياسية العربية؛ لذلك كانت رسالة العقيد الداعية إلى الوحدة ذات تأثير ومهدت لها الأحداث الطريق لتستمع لها آذان الحكم المغربي وتطمئن إليها نفسه. فاجتمع الطرفان وأصدرا الاتفاق يوم ١٣ أغسطس ٨٤.

رغم أن الاتفاق كان وليد أحداث طارئة ومصالح عاجلة، فقد كان له تأثير مهم على الساحة السياسية المغربية؛ ذلك أن الوضع كما سلف أن ذكرنا حساس لأي حدث. وانطلقت ردود الأفعال بين الشدة والحذر.

فقد عبرت تونس والجزائر وموريتانيا بلهجات متفاوتة الحدة أن التوجيه الأمثل لانطلاق أي عمل وحدوي في أقطار المغرب العربي يجب أن ينطلق من معاهدة الإخاء والوفاق التي تجمع هذه الأقطار الثلاثة وأنه من الأجدر الانضمام إلى هذه المعاهدة بدلًا من صياغة اتفاقية جديدة، لكن الأمر تطور بعد الاستفتاء الذي أجرته المغرب، فقد شمل الاستفتاء الذي نظمته الحكومة المغربية على الاتفاقية- سكان الصحراء الغربية، واعتبرته ليبيا أمرًا عاديًّا وراحت تردد نتائج ذلك الاستفتاء وكأنها تقر بذلك أن سكان الصحراء جزء من سكان المغرب، وهو أمر ترفضه الجزائر من أساسه، بل هو يناقض ما سبق أن صرح به القادة الليبيون من مواقف سياسية واضحة اعتبرت فيها الصحراء الغربية دولة مستقلة، بل ونشطت في دعوة الدول الإفريقية إلى الاعتراف بها، وقد دفع هذا الموقف الحكومة الجزائرية إلى التصريح بأن هذا الاتفاق مبني عن سوء تقييم للمعطيات الموضوعية عن طريق التستر على الحقائق. نشطت الدبلوماسية الجزائرية وكثفت زياراتها لكل من تونس وموريتانيا ومالي وغيرها. وقد طلبت ليبيا عبر القائم بالأعمال الجزائرية في طرابلس إيضاحات حول ما نشرته صحيفتا «المجاهد» و«الشعب» من تعاليق وتحاليل. 

وتواصلت ردود الأفعال فعقد اجتماع قمة في نواق الشط بموريتانيا بين الجزائر وموريتانيا ومالي يوم ١٤ سبتمبر ٨٤ وتكثفت اللقاءات الجزائرية التونسية وصرح الرئيس الموريتاني ولد هيد الله عن موقفه فقال: «نأمل ألا يكون هدف هذا الاتحاد عرقلة البناء المغربي وتأخير الحل لنزاع الصحراء»، وصدرت عن زعماء جبهة البوليساريو تصريحات لم ترض الطرفين: المغربي، والليبي.

أما الغرب فلم يكن أقل اهتمامًا بالمعاهدة، وقد أعربت فرنسا وأمريكا عن انزعاجهما لهذا الحدث فبعث الملك الحسن الثاني مستشاره الخاص السيد أحمد رضا غديرة إلى واشنطن ليوضح للبيت الأبيض الدواعي التي جعلت الملك المغربي يقترح هذه المعاهدة، ويمضي في تنفيذها أما فرنسا فقد شد السيد ميتران رحاله إلى المغرب ليستوضح من الحسن الثاني حقيقة هذا التقارب المفاجئ مع ليبيا.

معاهدة وجدة جمعت بين القذافي وميتران:

إن ردود الأفعال الواسعة التي أحدثتها هذه المعاهدة لم تنبع من عمق الأرضية التي انطلقت منها ولا من كونها تهدد الغرب أو غيره، ولكنها معركة المصالح العاجلة والحسابات القريبة. فالمعاهدة لم تبن على أرض الواقع ولم تقرأ بحساب مصلحة الشعبين. إنها محطة استراحة يتنفس فيها النظامان: الليبي، والمغربي وطريقة رأيَا أنها تسهم في إخراجهما من عزلة سياسية قاتلة. وقد كان الملك الحسن الثاني صريحًا مع أصدقائه عندما أكد لهم أنه لم يغير وجهته ولم يتنكر لأصدقائه أو بلغة أخرى لم يغير قراءته للمواقع وفهمه للأحداث وأن القذافي هو الذي تغير، أو بلغة سياسية أيسر مستعد لتنفيذ بنود المعاهدة. ورغم أن فرنسا وأمريكا لم تصدقا بسرعة هذا الكلام إلا أنهما تأكدا من صحته بعد أيام قليلة. لقد انزعجت فرنسا من المعاهدة لأنها تقيم نظامًا دفاعيًّا بين المغرب وليبيا في حين أن فرنسا توجد عسكريًّا في تشاد لمساندة نظام الرئيس حبري في مواجهة الجيش الليبي. وهذا يعني أن المغرب سيدفع جيشه إلى مواجهة الجيش الفرنسي في تشاد مقابل وقوف الجيش الليبي إلى جانب المغرب لمواجهة البوليسيار والتي تدعمها الجزائر، لذلك كان قلق الحكومة الفرنسية كبيرًا فتحول ميتران بنفسه إلى المغرب مرتين وتحول وزير خارجيته شيسون إلى الجزائر وتونس وبعد سلسلة من الاتصالات والتحركات انتهت فرنسا والجماهيرية إلى صياغة اتفاقية تنسحب بموجبها جيوش البلدين من تشاد وتم ذلك فعلًا بعد أيام قليلة. وقد نظمت التلفزة الفرنسية برنامجًا خاصًّا طويلًا أجرت فيه حوارًا مباشرًا بين العقيد القذافي وبعض رجال السياسة الفرنسيين تمكنوا من خلاله معرفة حقيقة التحول الذي تشهده السياسة الليبية.

لقد كانت اتفاقية وجدة أرضية سياسة مهمة تمكن من خلالها النظامان: الليبي والمغربي من تسوية بعض المشاكل والخروج من بعض المآزق العويصة، لقد كانت قميصًا سياسيًّا فضفاضًا أعيد تحته توزيع أوراق اللعبة وتناول بعض الأدوية التي يصعب تناولها تحت ضوء الشمس، غير أن شفافية هذا القميص الصيفي لم تمنع المتفرجين من متابعة ما يجري تحته.

التعاون الأمني:

إذا كانت هذه الاتفاقية قد حققت بعض المصالح على المستوى السياسي الخارجي فإن ذلك لا يكفي، فهناك قضايا داخلية مهمة كذلك، فأمام ليبيا قضية المعارضين لنظام الحكم الذين ينشطون في عديد من الأماكن ومن بينها المغرب، وللمغرب قضايا منها البطالة والديون الخارجية وغيرها، لذلك وقع الطرفان يوم ٢٦ سبتمبر الماضي على اتفاقية أمنية وإلغاء العمل بالتأشيرة بين البلدين، وقد جاء في نص الاتفاقية «أقر الطرفان ضرورة تبادل الزيارات والدراسات والأبحاث والمعلومات والتجارب في المجالات المتعلقة بحفظ الأمن ومكافحة الجريمة والوقاية منها وغيرها من مجالات النشاط للجنة الشعبية العامة للعدل ووزارة الداخلية المغربية» وجاء فيها أيضًا يلتزم الطرفان بتمكين مواطني بلديهما من الدخول لأراضيهما والعمل والإقامة فيها والسياحة والزيارة وغيرها من الأغراض المشروعة، كما يكون لهم حرية مغادرتهما ما لم توجد موانع قانونية وذلك في إطار القوانين النافذة في كلا البلدين. وهكذا يحرج القذافي معارضيه من المغرب ويقلل الحسن الثاني من حدة البطالة التي تمر بها بلاده.

وقد ذكرت مصادر وثيقة أن السلطات المغربية كانت قد سلمت للعقيد القذافي أحد معارضيه البارزين التابع للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بينما كان هذا الأخير يستعد لمغادرة المغرب وهي إحدى الممارسات المتخلفة واللا إنسانية التي ما زالت تمارسها الدول العربية.

إنها سياسة المصالح العاجلة والقريبة تبحث لنفسها عن مبررات الوجود. وقد أخطأ النظام الجزائري عندما تحرك بقوة ضد هذه المعاهدة ظنًّا منه أنها تمسه مباشرة، فهمس إليه الحكم المغربي بفتح حدوده أمام الجزائريين ليؤكد له أن هذه الاتفاقية لا تمس بمصالحه.

ويبدو أن الحكم في تونس قد فهم حقيقة هذه الاتفاقية عندما دعا إلى عقد قمة مغربية بتونس تبحث خلالها قضايا المغرب العربي. هذه هي النتائج الأولى التي سجلت حتى الآن لاتفاقية وجدة وهي تؤكد بوضوح أن الأعمال السريعة والاتفاقيات المفاجئة لا يمكن أن تنتج عملًا مثمرًا ولا يمكن أن تحقق نتائج إيجابية دائمة للشعوب.

الرابط المختصر :