; الوعي الحضاري.. دلالاته من مشكاة الوحي الرباني (٢ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان الوعي الحضاري.. دلالاته من مشكاة الوحي الرباني (٢ من ٢)

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1720

نشر في الصفحة 66

السبت 23-سبتمبر-2006

إن الآداب والتعاليم الإسلامية تجاوزت الإنسان إلى الإحسان والتعاطف مع من حوله، حتى لو كان حيوانًا أعجميًا برحمته وعدم إيذائه والعطف عليه؛ كما في قوله ﷺ: «بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث.. يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي. فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» (1)

أو كما جاء عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»، (2). وعن ابن مسعود أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فمر عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال: «لعن الله الذي وسمه» (3).

وعنه أيضًا قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تعرش (ترفرف) فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها»، ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: «من حرق هذه؟»، قلنا نحن قال: «لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» (4).

وتجاوز هدي الإسلام هذا التعاطف والتواصل مع الإنسان والحيوان إلى التعاطف مع الطبيعة والجمادات التي لا تملك أي إحساس بنا.

ومنها نهيه ﷺ رجلًا يسرف في استعمال الماء لوضوئه، فقال الرجل متعجبًا: أفي الوضوء إسراف؟ فقال النبي ﷺ «نعم، وإن كنت على نهر جار» (5) وروي أنه ﷺ قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة» (6) وقوله ﷺ: «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها» (7)، وثبت ﷺ عنه نهيه عن سب الحمى، وعن سب الريح، كما ثبت نهيه عن التبول والتغوط في الماء الراكد وفي طريق الناس، وأماكن استظلالهم. 

إن كل ما ذكرناه من شواهد إنما هي غيض من فيض.. وعند التنبيه يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.. ولكن الغرض من هذا الإيراد أن الأمم مهما ملكت من القيم والمبادئ العظيمة لن تتقدم خطوة واحدة بتلاوتها في كل محفل، أو ترديدها في المناسبات، أو تدبيجها في الكتب والمؤلفات، فهذا الصنيع لن ينتج إلا نماذج مكدسة من الكتب المتحركة على أرفف التاريخ. ولهذا ربط مالك بن نبي ولادة الحضارة الحقة بتحول القيم والأفكار إلى سلوك اجتماعي حي فيقول: «إن جملة العوامل المعنوية والمادية اللازمة لتحقيق تقدم الفرد تصبح موضوعية، وذلك بأن تتحول إلى سياسة وتشريع، فيمثلان عالم الأفكار في هذا المجتمع على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي تمثيلًا مباشرًا» (8).

وعلى هذا السنن قاد النبي ﷺ ثورته الحضارية على كل صنوف الجاهلية، وأسس في النفوس والجنان والعقول والأبدان أنظمتها الداخلية، لتنساق من خلالها حياتهم الخارجية، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 2). 

إن مهمة تربية الناس على القيم والمبادئ الشرعية ومحاولة تخليصهم من الأذى النفسي وتراكم العادات الجاهلية المتخلفة، هي مهمة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن سار على دربهم من معلمي الناس الخير، ولو تأملنا في طريقهم الذي ساروا عليه فإننا نلحظ كثرة العقبات ومحاولات الصد والاستكبار عنهم، إلا أنهم مع ذلك البلاء كله هم الذين يكتبون لتلك الأمة تاريخها، وبهم يحصل الرقي والسؤدد.

 

الهوامش

  1.  رواه البخاري (٢٢٨٦).
  2. رواه البخاري (۳۰۷۱).
  3. رواه مسلم (٣٥٩٣).
  4. رواه ابوداود (٤٥٨٤).
  5. رواه ابن ماجه (٤١٩).
  6. رواه البخاري (٢١٥٢)
  7. رواه احمد (١٢٤٣٥).
  8. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ص ٥١.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 323

100

الثلاثاء 02-نوفمبر-1976

آراء القراء (323)