العنوان شعاع من القلب.. الوعي المطلوب
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
الحديث عن أهمية الوعي بكل ما يحيط بالمسلم من أحداث واقعية، أو مشكلات كونية أو علاقات دولية، أو مستجدات زمنية حديث لا بد منه، إذ الوعي بهذه الأمور وأمثالها دليل اليقظة العقلية وعامل حاسم في توقي بعض الأزمات التي يمكن أن تصيب الإنسان كفرد أو تصيب مجموعة من الناس كجماعة لها أطرها ونظامها وهو في الوقت نفسه عنصر مهم من عناصر التفاعل بين جماعة وأخرى يدفعها إلى مشاركة الآخرين في إيجابياتهم، والابتعاد عن سلبياتهم إنه أساس من أسس الحركة الصحيحة في أي اتجاه، وبغيره تفقد سفينة الحركة بوصلتها فلا تدري أين تجري ولا إلى أي اتجاه تسير، وربما ظلت تدور حول نفسها حتى يلحق ملاحيها الكلل والتعب، وربما حاق بهم الهلاك قبل الوصول إلى بر الأمان.
الوعي إذن أساس الحركة لكل جماعة، وهو للجماعات الإسلامية الزم وأوجب فيم يكون الوعي اللازم للحركات الإسلامية.
إنه وعي كامل بما في عالم الغيب وطريق هذا الوعي هو الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، وهو وعي يضع المسلم، فيما يضع أمام مصيره ومستقبله بعد هذه الحياة ويبين ما يجب للإنسان أن يعرفه عن هذا العالم الأخروي، ويقدم له هذه المعرفة الصافية النقية خالية من أي شك أو ريب. ومن غير كد ذهني أو تعب عقلي، لأن القرآن والسنة تكفلا بذلك، حتى لا تخوض العقول فيما لا معرفة لها به ولا وسيلة إليه إلا عن طريق القرآن والسنة.
ووعي المسلم بهذه الدائرة الغيبية يجعله دائم العمل والإحسان، ويدفعه إلى مزيد من الجهد طاعة للرحمن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وإنه وعي بما يحدث في الدائرة الكونية من أحداث ومستجدات، لم تعد في عصرنا قاصرة على أصحابها وحدهم في بلادهم، بل تعدتهم إلى غيرهم بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة ترى أحداثها ومستجداتها، وهو وعي بأن الإنسان لم يخلق عبثاً ولن يترك سدى، وأن عليه أن يستفيد من فترة وجوده في الكون أعظم فائدة؛ لأنه مسؤول عن عمره فيم أفناه وإذا وعى المسلم هذه الحقيقة تحول إلى شعلة من النشاط وكتلة من الجد والاهتمام والصلابة أمام المفاسد والشرور وسرعة القيام بخدمة غيره من الناس، مستغلاً تسخير الله ما في السموات والأرض جميعاً له، ومدركاً أنه سيد في هذا الكون المسخر فانتفع بما فيه، واتجه لاستخراج دفائنه وكنوزه، ومن يدري فقد يسابق المسلمون إن اهتموا بهذه الناحية – غيرهم من بني البشر في هذه الناحية وليس معنى ذلك أننا ندعو إلى أن يتحول المسلمون أو المشاركون في الصحوة الإسلامية إلى باحثين ومخترعين، ولكننا ندعو إلى أن يكونوا هم وغيرهم من المسلمين على وعيٍّ بما يملكون وبما يستطيعون وبما يخرج من أرضهم وديارهم إلى غيرهم، وإلى فهم سنن الله في الكون حتى يمكن لنا أن نستفيد أعظم فائدة وقديما حفظنا من جد وجد، ومن زرع حصد.
وإنه وعي بكل ما يربط بين المسلمين من أواصر ووشائج في مقدمتها وعلى رأسها الرابطة الإيمانية التي تجعل المسلم أخاً لأي مسلم آخر في الأرض، يقوم بحقه في النصرة والولاء، ويمده بالنصح والوفاء لأن كل مسلم مكلف بالوقوف إلى جانب الحق والدفاع عنه، ومحاربة الباطل والتصدي له في كل مكان، ومن واجبه شرح رسالة الإسلام للناس جميعاً في بقاع الأرض وجوانبها، فالعالم كله ساحة عمل أمام المسلمين، أو أمام القادرين المستطيعين منهم لذلك.
والوعي بأحوال المسلمين – أغلبية كانوا أم أقلية – في أيِّ بلد والاعتناء بهم وشرح رسالة الإسلام لهم على نحو صحيح يزيدهم إيماناً. أمر لازم على الجماعات الإسلامية والمؤسسات الدينية واجب القيام به على نحو أوفى وأكبر مِمَّا هو عليه الآن.
إنه وعيُ الجماعات الإسلامية القائمة في: كل بلد بمقدرات هذه الدولة وإمكاناتها، ونظامها القانوني والدستوري وتوجهات الأحزاب أو الكتل والمؤسسات السياسية فيه ومعرفة مدى إمكان مد جسور للعلاقات بين هذا وذاك والوقوف بجلاء على مصادر الدولة ومواردها، والمشكلات التي تواجهها ومعرفة مدى إمكان المشاركة في حلها ومعرفة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والدينية لتكون هذه الجماعات على إدراك كامل بالواقع الذي تعيش فيه وتتحرك بإيجابية وفاعلية للمشاركة في هذا الواقع ولا تتخذ موقفاً سلبياً قد يضر بها أولاً وبمجتمعها ثانياً، ويجعلها تبدو حين تعارض موقفاً ما، أو أمراً معيناً أنها تعارض من أجل المعارضة وحدها فمعارضة المسلم لأمر ما، ما لم تكن معارضة إيجابية قائمة على تحمل المسؤولية وتقديم البديل الممكن تعتبر معارضة غير مسؤولة، وهي مذمومة شرعاً وعرفاً وأصحاب المشروع الإسلامي لا يعرضون أنفسهم لمثل ذلك.
من هنا يكون الوعيُ الكامل بهذه الجوانب التي تحيط بالحركة وتعيش الحركة فيها ضرورة لازمة للقيام بعمل يخدم المسلمين ويجمعهم على الإيمان والإخاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل