العنوان الولادة .. ذلك الإعجاز الرباني
الكاتب د. محمد السقا عيد
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 62
السبت 11-فبراير-2006
(*) ماجستير في جراحة العيون
العامل النفسي أمر بالغ الأهمية.. فالخوف والقلق من أهم أسباب تعسر الولادة والرضا والاطمئنان من أهم أسباب تيسيرها
من رحمة الله تعالى أن تحدث انقباضات الولادة متقطعة لأنها تمنع الدم من الوصول للمولود
من إعجاز الحق سبحانه أن نظم عضلات الرحم على شكل رقم «۸» حتى تضغط على الأوعية الدموية وتقفلها فلا يحدث نزيف
دعيت لمساعدة (۱) سيدة في العقد الثالث من عمرها في ولادتها. وبرغم أن هذه ليست هي المرة الأولى لي ولا المائة من نوعها إلا أنني وقفت مشدوها أتأمل كل حركة وسكنة للجنين، وكل انقباضة للرحم إلى أن تمت عملية طرد الجنين من رحم أمه بطريقة فسيولوجية منظمة تستدعي منا أن نحني الجباه لخالق الموت والحياة..
إن الوضع هو نهاية الحمل عن طريق خروج الطفل من الرحم في حالة طرد نتيجة للانقباضات المتزايدة للرحم والتي تصير قوية لدرجة تمكنها من طرد الطفل.
ويقرر الطب الحديث أن الولادة نفسها عملية لا دخل لأي إنسان فيها، فهي عملية لا إرادية. فعندما يصل الحمل إلى نهايته ويحين موعد الولادة الذي لا يعلمه إلا الله.. عندما بشاء الله للحامل أن تلد.. ينقبض الرحم على الجنين ليطرده إلى الخارج. ولم يعرف الطب بعد شيئاً عن هذا الانقباض ولا عن الأجهزة التي تشرف عليه.
بهذا تعلم- أخي القارئ- أن الطبيب أو القابلة يتلخص دورهما في مساعدة الحامل في استقبال مولودها وإعداده.. وكما رأينا ونرى أن هناك ملايين الولادات تتم دون الاستعانة بأحد.
وصدق الحق تبارك وتعالي حيث يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78)
وتمر عملية الولادة بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: اتساع عنق الرحم.
المرحلة الثانية: ولادة (طرد) الجنين من الرحم...
المرحلة الثالثة: وتشمل ولادة المشيمة (الخلاص) بأغشيتها.
المرحلة الأولى: قد تستغرق عملية توسيع عنق الرحم ساعتين وأحياناً تمتد إلى ست عشرة ساعة أو أكثر. وفي البداية ينقبض الرحم وتكون مدة كل انقباضة من ٢٠ - ٣٥ ثانية. وتحدث هذه الانقباضات كل 10 - ٢٠ دقيقة، وتكون لا إرادية بحيث لا تستطيع الأم أن تبدأها أو توقفها أو تجعلها تسرع أو تبطئ.
وتزداد معدل الانقباضات في هذه المرحلة من الوضع حتى تصير كل دقيقة أو دقيقتين. وتستغرق مدة أطول حتى تصل إلى ٩٠ ثانية. ومن الضروري أن نشير إلى تأثير الحالة النفسية على عملية الولادة.. فالعامل النفسي أمر بالغ الأهمية إذ إن الخوف والقلق من أهم أسباب تعسر الولادة والرضا والاطمئنان من أهم أسباب تيسير الولادة.
المرحلة الثانية:
وقد تستغرق هذه المرحلة عدة دقائق في الأم متعددة الحمل إلى نصف ساعة أو أكثر في أول حمل.
وفي هذه المرحلة يحدث طرد، وفيها تكون الانقباضات اللاإرادية أطول مدة وأقصر مسافة فيما بينها.
وللعلم فإن كمية الضغط على عضلات الرحم والبطن أثناء الولادة على المولود تعادل ما يوازي ٢٥ رطلاً تقريباً أثناء كل انقباضة قوية. ومن رحمة الله تعالى أن تحدث انقباضات الولادة متقطعة، لأنه في كل انقباضة قوية يمنع الدم من الوصول من خلال المشيمة للمولود، ولو كانت هذه الانقباضات مستمرة لتسببت في وفاة الجنين.
ولعل هذا ينبهنا كأطباء إلى خطورة استخدام بعض الأدوية القابضة للرحم مثل Oxytocin التي تجعل الرحم في حالة تشنج لدرجة أنها تؤدي إلى وفاة المولود إذا ما أسيء استخدامها.
ونلاحظ أنه في كل انقباضة يظهر جزء من رأس المولود، ثم يختفي ثانية بعد زوال الانقباضة.. ولكن في كل انقباضة يزداد ظهور هذا الجزء إلى أن تخرج رأس الطفل كلها.
وفي بعض الحالات لا يحدث هذا تلقائياً نظراً لكبر رأس المولود أو ما شابه، وفي هذه الحالات يلجأ أطباء الولادة إلى شق العجان في اتجاه فتحة الشرج ليساعد خروج الرأس وليمنع أي تمزق للأنسجة.
ولنعلم أن ١٩ من كل ٢٠ ولادة تكون الرأس فيها هي أول جزء في الطفل عند الخروج أما باقي الحالات فقد تكون المقعدة أو أحد القدمين أو الحبل السري هي أول ما يخرج من الطفل.. وعلى الطبيب أن يتعامل مع هذه الحالات بالمهارة المطلوبة.
وعلى الطبيب أن يلاحظ الأم والمولود باستمرار، وإذا حدث أي قلق على أي منهما فعليه أن يتدخل بإخراج الجنين بالشفط أو باستخدام الآلات كالجفت وغيره أو حتى بالتدخل الجراحي عن طريق العملية القيصرية.
وهي عملية تنسب إلى يوليوس قيصر لأنه أول من ولد بهذه الطريقة.. إذ ماتت أمه أثناء الطلق.. وقام الطبيب عندئذ بشق بطنها وأخرجه منها. وعاش قيصر ليصبح إمبراطور روما.. وأطلق عليه «قيصر» ولهذا نسبت إليه هذه العملية، وهي الآن تجرى بيسر ومهارة فائقة إذا دعت الحاجة إليها.
آلام الطلق ومنشؤها
إن آلام الطلق ربما فاقت أي ألم آخر ولكن لا يكاد الطفل يخرج إلى الدنيا ويلامس جسد أمه حتى ينفرج ثغرها عن ابتسامة متعبة. ولعل منشأ الألم في المرحلة الأولى من الولادة يرجع إلى نقص الأكسجين لعضلات الرحم بسبب الانقباض على الأوعية الدموية للرحم.
أما في المرحلة الثانية من الولادة فإن المولود في خروجه من المهبل يصحبه آلام أكثر شدة وذلك بسبب اتساع عنق الرحم واتساع العجان والمهبل مع محاولة التمزق.
المرحلة الثالثة:
وتبدأ هذه المرحلة مع ولادة الجنين وتنتهي بولادة المشيمة (الخلاص). ونعني بولادة المشيمة انفصال المشيمة وأغشيتها من جدار الرحم، وبعد أن تنفصل هذه المكونات تطرد من الرحم بفعل الانقباضات التي تحدثها عضلات الرحم والتي تشترك جميعها في هذه العملية حتى العضلات الموجودة في مكان التصاق المشيمة بالرحم..
وتستغرق هذه المرحلة من ١٥-٦٠ دقيقة في كل من الأم المتعددة الحمل وكذلك الحامل في أول حمل، أي أن متوسط هذه المرحلة ٣٠ دقيقة. وباختصار فإنه بعد عملية ولادة الجنين بحوالي نصف ساعة ينقبض الرحم إلى حجم صغير جداً، بحيث يحدث انفصال بينه وبين المشيمة.
ومن المعلوم أنه لولا رحمة الله التي جعلت الرحم ينقبض انقباضاً شديداً بعد الولادة حتى يصير مثل الكرة لنزفت النفساء حتى الموت.. ذلك لأن فوهات دموية عديدة تتفتح بعد زوال المشيمة وتبقى الأوعية الدموية التي كانت تصل ما بين الرحم والمشيمة مفتحة وكأنها الجداول والأنهار!
ومن إعجاز الحق سبحانه وتعالى أن نظم عضلات الرحم بطريقة خاصة على شكل حرف «٨» بحيث تضغط هذه العضلات على الأوعية الدموية وتقفلها. لذا فإن انقباض الرحم بعد الولادة يقفل الأوعية الدموية التي كانت تغذي المشيمة.
وبعد الولادة بأربعة أو خمسة أسابيع يعود الرحم إلى حجمه الطبيعي قبل الحمل. أما بقايا الجزء من المشيمة في جدار الرحم فإنه يتحلل وينزل إلى الخارج مدمماً في البداية ثم أصفر اللون.
تيسير سبيل الولادة:
قال الله تعالى في سورة عبس: ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (عبس: 17 – 20). ولعله أحد المفاهيم التي تشملها الآية.. أن الله تعالى يسر للمولود سبيله عند خروجه من الرحم.. هكذا تبدو الرعاية الربانية للنطفة من بداية كونها نطفة ثم بعد اكتمالها في خروجها وتيسير سبيلها ثم تنتهي الدورة، ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (عبس: 21، 22) فتمر بلقطات سريعة تبدأ بالنطفة وتنتهي بالحشر والنشر.
ومن إعجاز الله تعالى وقدرته في الخلق أن يمر الجنين في هذا الممر الضيق، وهو عنق الرحم الذي لا يسمح في العادة لأكثر من إبرة لدخوله، فيتسع ذلك العنق ويرتفع تدريجياً في مرحلة المخاض حتى يسع أصبعاً ثم أصبعين ثم ثلاثة ثم أربعة، فإذا وصل الاتساع إلى خمسة أصابع فإن الجنين يكون على وشك الخروج، ليس هذا فحسب ولكن الزوايا الموجودة بين الرحم وعنقه تنفرج لتجعل ما بين الرحم وعنقه طريقاً واحداً ليس فيه اعوجاج كما هو معتاد.. من حيث يكون الرحم مائلاً للأمام بزاوية درجتها تسعين درجة تقريباً. وفي الحمل يكون وضع الرحم مع الحمل بدون زوايا.
ثم يأتي دور الإفرازات والهرمونات التي تسهل عملية الولادة وتجعل عظام الحوض وعضلاته ترتخي وخاصة تحت مفعول هرمون الارتخاء، وهكذا تتضافر هذه العوامل جميعها لتيسر لهذا المخلوق سبيل خروجه إلى الدنيا. ولا يقتصر معنى تيسير السبيل على هذا وإنما يستمر ذلك التيسير بعد الولادة حيث ييسر الله تعالى للرضيع لبن أمه وحنانها، ثم ييسر له عطف الوالدين وحبهما، ثم يستمر التيسير لسبل المعاش من لحظة الولادة إلى لحظة الممات.
المصادر:
1- مجلة الوعي الإسلامي الكويتية العدد ٣٤٠.
2- كتاب الطب والإسلام - د عبد الحميد محمد عبد العزيز.
3- كتاب اليوم الطبي - مصر - العدد ٩٧ (1) أقصد المساعدة فعلاً لأن الطبيب لا يقوم بعملية التوليد فهي عملية فسيولوجية نظمها الخالق تبارك وتعالى.. وكل ما على الطبيب أن يقوم بتشجيع (الوالدة) على تحمل الألم وأن يرشدها إلى محاولة التنفس الطبيعي والاسترخاء بين النوبات المتكررة للطلق وكذلك يوجهها إلى الطريقة الصحيحة لعملية (الحذق).. ويقوم بتسهيل سبيل الخروج للجنين من الرحم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل