العنوان تلقى إدانة شعبية وحزيبة.. تفجيرات اليمن: المتهمون القدامى والأدعياء الجدد
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1367
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مهما اختلفت التفسيرات، وتزايدت علامات الشك والارتياب في دوافع التفجيرات الأخيرة التي شهدها اليمن، إلا أن شيئًا واحدًا مؤكد عند الجميع.. هو أن اليمن الرسمي قد أصيب بخسارة سياسية لم يكن يتوقعها في مثل تلك الأيام بالذات.
وعلى الرغم من أن حوادث أمنية عديدة قد شهدها اليمن في الفترة الماضية، إلا أن الحوادث الأخيرة، بصرف النظر عن دوافعها وأسبابها، جاءت في توقيتات متقاربة زمنيًا، ثم إنها جاءت بعد صدور أحكام الاستئناف بتأييد حكم الإعدام على «أبو الحسن المحضار» زعيم ما يسمى بجيش عدن أبين الإسلامي، وصدور تهديدات بالانتقام في حالة تنفيذ الحكم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن المرحلة الأخيرة من الاستعدادات للانتخابات الرئاسية تزامنت بدايتها مع أخطر تلك التفجيرات التي هزت العاصمة صنعاء نفسها.
شملت سلسلة الحوادث المؤسفة سقوط طائرة كانت تقل عددًا من كبار ضباط الجيش ومن المقربين إلى الرئيس علي صالح.. بالإضافة إلى حادثة شجار في أشهر أسواق صنعاء الشعبية المزدحمة تحولت إلى حادث دموي نتج عنه قتلى وجرحى كثيرون، وقبل أن يفيق أحد مما حدث، شهدت العاصمة أسوأ انفجار من نوعه منذ الحرب الأهلية اليمنية عام 1994م، وقبل ساعات قليلة من انفجار صنعاء، شهدت مدينة عدن انفجارًا ضخمًا.. فيما شهدت عاصمة محافظة أبين المجاورة انفجارين في الليلة نفسها.
تتابع هذه الانفجارات جعل كثيرين لا يستبعدون وجود دوافع سياسية وراءها، لكن الحقيقة أنه لا يمكن التعامل معها بمعيار واحد.. فبعضها كان الدافع الجنائي فيه واضحًا مثل حادثة «باب اليمن».. أما حادثة سقوط الطائرة فهي وإن كانت قد أثارت في البداية شكوكًا وخاصة بعد إذاعة ما يفيد بتبني أنصار «أبو الحسن المحضار» للعملية، لكن السلطات اليمنية سارعت إلى تكذيب حدوث عملية تفجير للطائرة، وعرضت صورًا مفصلة لمكان الحادث دلت على أن الطائرة العسكرية لم تنفجر في الجو، كما زعم البعض لأن انفجارها في الجو كان سيؤدي إلى تشتت أجزائها في منطقة واسعة، بينما كان واضحًا من خلال الصور التلفازية للطائرة أنها احترقت بعد هبوطها بقوة إثر فشل الطيار في التحكم بها لأسباب فنية شرحها بيان رسمي عن رئيس لجنة التحقيق، ومع أن وجود دوافع سياسية وراء سقوط الطائرة أمر يمكن أن يجد كثيرين يصدقونه إلا أن حادثة «باب اليمن» التي وصفت بأنها نوع من الانتقام لحكم إعدام «المحضار» قد كشف جهل أصحابها بالواقع اليمني، فلا أحد - مهما كان - يمكن أن يتعاطف مع أفراد يفجرون أسواقًا شعبية مليئة بالمسلمين الآمنين، ولذلك تراجع الذين نسبوا العملية لأنصار جيش «عدن - أبين» بعدما عرفوا أن الحادث الدموي راح ضحيته عشرات من الأبرياء الآمنين.
أما حوادث التفجير الأخيرة فقد كانت أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير، فانفجار مركز التسويق الكبير كان عنيفًا للغاية.. وأيقظ أشياءً كثيرة ابتداء من مئات الآلاف من سكان العاصمة الذين هبوا من نومهم فزعين.. وانتهاءً بالدولة التي لم تكن تتوقع أبدًا أن يحدث ما حدث من مظاهر التفجير وآثار الدمار والخراب العديدة، وفي واحدة من أهم المناطق حيوية في صنعاء، وربما كانت المعلومات الأولية التي توصلت إليها الأجهزة الأمنية حول جنائية الدوافع، هي الأقرب للصحة.. لكن تزامن التفجير الكبير في العاصمة مع تفجيرات «عدن وأبين» جعل كثيرين يرون فيها دوافع سياسية انتقامية ضد السلطة الحاكمة، وبخاصة أن الإعلام الرسمي لم يشر - إطلاقًا - إلى حادثتي عدن وأبين.
ومَنْ؟ ولماذا؟
سارعت الحكومة اليمنية لتقديم المتسببين في حادثة باب اليمن إلى القضاء، بينما يتوقع أن تكون الأحكام الابتدائية قد صدرت بحق المتهمين وهم: شخص متهم بإلقاء القنبلة، ومجموعة من بائعي الساعات المزيفة الذين تسببوا في إثارة الخلاف الذي تحول إلى حادث دموي.. وفيما تتجه التحقيقات في حادثة الانفجار الكبير بصنعاء إلى اعتباره ناتجًا عن خلاف شخصي بين مالك المركز التجاري وعدد من شركائه، فإن تفجيرات «عدن وأبين» ظلت بعيدة عن الأضواء الرسمية، مما يرجح بقوة أنها كانت نتيجة دوافع سياسية، لكن الحكومة فضلت التغاضي عنها نهائيًا لحساسية الظروف السياسية التي تمر بها اليمن.
ولا يختلف اثنان في اليمن أن سلسلة التفجيرات التي بدأت عام 1997م قد أضرت بالصورة العامة للأمن في البلاد.. وتتهم الحكومة المعارضة الخارجية بأنها هي التي تقف وراء تلك الحوادث، بل وتم تقديم مجموعات من المواطنين إلى القضاء، وصدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن.. لكن استمرار الحوادث وتتابعها ألقى بظلال من الشكوك حول مصداقية الزعم وإلقاء القبض على العصابات المتهمة في أحداث التفجير، وتتهم الحكومة المتسببين في حوادث التفجيرات بأنهم يهدفون إلى إقلاق الأمن وبخاصة في المناطق الجنوبية والشرقية خدمة لأعداء النظام لإثبات أقوالهم بعجز الدولة عن إدارة البلاد وحاجتها إلى التصالح مع المعارضة الخارجية، كما أن هذه التفجيرات تهدف إلى إحباط عمليات الاستثمار وتخويف المستثمرين وخاصة في «عدن»، التي أنشئ فيها ميناء حر تعلق عليه الحكومة اليمنية آمالًا كبيرة في استعادة مجد ميناء عدن القديم وتنشيط الحياة الاقتصادية في المناطق الجنوبية التي عانت ركودًا اقتصاديًا إبان الحكم الشيوعي.
ولا يستبعد مراقبون أن تكون تلك التفجيرات - السياسية منها - مرتبطة بالإعداد للانتخابات الرئاسية المتوقعة في 23 سبتمبر القادم بغرض هز هيبة الدولة وإظهارها بمظهر العاجز عن حفظ الأمن في البلاد وربما لدفعها لاتخاذ إجراءات أكثر بوليسية يتم استغلالها في الدعاية الخارجية ضد النظام بأنه غير ديمقراطي ومنتهك لحقوق الإنسان، لكن الحقيقة أن السلطة الحاكمة في اليمن لا تزال تسيطر بقوة على مفاصل البلاد، وتمسك بخيوط كثيرة تمكنها من احتواء مثل هذه المواقف التي لا تجد في اليمن من يتعاطف معها، أو يعلن تبنيها باعتبارها حوادث إجرامية تستهدف الأبرياء والآمنين! ولعل هذا يمنح الدولة مجالًا أوسع لمواجهة هذه الحوادث دون أن تخشى ردود فعل سلبية قوية تعيق حركتها!. وبالنسبة للأحزاب المعارضة، فإن خطابها الإعلامي والسياسي يؤكد على إدانة حوادث التفجيرات دون استثناء، لكنها تطالب الدولة بالتزام القانون والدستور في معالجتها، وتحثها على بسط النظام وتطبيق القوانين دون استثناء، وإقامة العدل وتنفيذ الأحكام القضائية، لكيلا يكون هناك سبيل ينفذ منه المجرمون أو يلجأ إليه اليائسون من العدالة والقضاء وإنصاف الدولة لهم، كما تنتقد بعض الأحزاب ضعف الشفافية في تعامل الدولة مع الأحداث، وتطالبها بالكشف عن الحقائق والمعلومات التي توصلت إليها.