العنوان اليمن .. لماذا قاطع الاشتراكيون الانتخابات اليمنية؟
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 25-مارس-1997
● الفترة القادمة سوف تشهد جدلًا واسعًا حول آثار مقاطعة الاشتراكيين للانتخابات
صنعاء: مالك الحمادي
لم تكن الأوساط السياسية في اليمن تتوقع أن تخرج اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني بقرار واضح في شأن مشاركة الحزب في الانتخابات النيابية القادمة، بعد أن صار واضحًا أن ثمة خلافات عميقة بين القيادات الاشتراكية حول موضوع المشاركة، ومع ذلك فقد وصف مراقبون محليون قرار المقاطعة بأنه مفاجأة متوقعة.
وكانت اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي قد حسمت في ختام دورة لها في 5 مارس الماضي الخلافات الناشبة في الحزب حول الانتخابات، حيث أعلنت مقاطعة الحزب لها نتيجة ما وصفته تصريحات وبيانات الحزب بأنه رفض السلطة تطبيع الحياة السياسية وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، ومواصلة نهج الحرب وعدم تصفية آثارها، بالإضافة إلى ما جرى في المرحلة الأولى للانتخابات من خروقات وتجاوزات قانونية.
ويعد هذا القرار مفاجأة لأن التسريبات الصحفية كانت توحي بأن المؤيدين للمشاركة يتمتعون بغالبية في العدد، ولذلك وصفت بعض المصادر القرار بأنه يدل على أن الخلاف المعلن كان مجرد موقف تكتيكي لتخفيف أي آثار سيئة متوقعة إذ يتم إلقاء اللوم على جناح أو أشخاص.
لماذا المقاطعة؟
ومنذ إعلان المقاطعة تتركز الاهتمامات والتحليلات المعرفة ثلاثة أمور، وهي لماذا قاطع الحزب الاشتراكي الانتخابات؟ وكيف اتخذت اللجنة المركزية القرار ثم ما الآثار المتوقعة لقرار المقاطعة؟
وبالنسبة لدوافع القرار، فقد أعلن الاشتراكيون الأسباب في بيانٍ لهم وفي تصريحات صحفية، لكن ذلك لم يكن مقنعًا بدرجة رئيسية للمراقبين، وخاصة أن المعلومات التي خرجت من داخل الحزب عبر التسريبات الصحفية والبيانات الموزعة عبر أجهزة الفاكسميل قد كشفت أمورًا أخرى كانت من ضمن الدوافع الحاسمة في قرار المقاطعة.
وربما كانت من أهم هذه الدوافع قناعة الاشتراكيين بأن نتائج الانتخابات القادمة سوف تكرس قضايا حساسة بالنسبة لهم وتجعلها حقائق مدعومة بشرعية دستورية وقانونية.
فالانتخابات سوف تدشن مرحلة تحول الحزب الاشتراكي رسميًّا إلى حزب معارض وهو الذي ظل طوال فترة ما بعد الحرب يضمن خطابه الإعلامي ما يفيد بأنه قد أخرج من مكانه الطبيعي في السلطة نتيجة مؤامرة داخلية وخارجية.
وفي هذا السياق، فإن نتائج الانتخابات المتوقعة تؤكد أن الحزب الاشتراكي- في حالة مشاركته- لن يكون في مرتبة تسمح له بتصدر يعطيه مكانة سياسية مفروضة على الآخرين فمعظم المقاعد النيابية التي أحرزها في انتخابات ۱۹۹۳م كانت في المناطق التي كان يسيطر عليها بقوة الجيش منذ ٣٠ عامًا، وبالتالي فإنه لا أحد يتوقع أن يتكرر الأمر بعد سقوط دولة الحزب وفقدانه لنفوذه العسكري، كما أن معظم التوقعات كانت تعطي للحزب إمكانية الفوز بثلاثين مقعدًا مع وجود تنسيق بينه وبين حزب المؤتمر، وهذه النتيجة المفترضة كانت سوف تكرس تحول الحزب الاشتراكي إلى حزب من الدرجة الثانية ومثل هذا الأمر يتطلب استعدادًا نفسيًّا يفتقده الاشتراكيون حتى بعد عامين من خروجهم من السلطة بشكل درامي.
أما فيما يتعلق بنتائج الحرب، فإن أصواتًا قوية داخل الحزب الاشتراكي حذرت من المشاركة في الانتخابات والقبول بنتائجها، لأن معنى ذلك-عندهم- إعلان الموافقة على نتائج حرب صيف عام ١٩٩٤م، وكل ما ترتب عليها، وكل ما أدى إليها من أسباب أراد المنتصرون أن يحملوا الحزب مسؤوليتها.
لكن أخطر هذه الدوافع هو وجود تيار قوي داخل الحزب يريد بناء مشروعية جديدة لحركة الحزب تقوم على أساس أنه حزب «يدافع» عن مصالح «الجنوب» و«الجنوبيين» ضد هيمنة «الشمال» و«الشماليين»!.
ولعل ذلك يفسر خلفية التسريبات التي نشرتها الصحافة اليمنية المؤيدة للمقاطعة حول وجود تيار «جنوبي» وتيار «شمالي» داخل الحزب يرفض الأول المشاركة ويؤيدها الثاني، بالإضافة إلى نشر رسالة لإحدى قيادات الحزب تحمل مشروع تقييم جديدًا لوضعية الحزب تنطلق من منطلق «الشمال» و«الجنوب» وتركز على إثارة مثل هذه النعرات التي كانت أساس الخطاب السياسي والإعلامي للحزب الاشتراكي قبل الحرب!
المقاطعة: كيف؟
ومع كل ذلك، فقد نجح الاشتراكيون في إعلان المقاطعة، وقبول الأقلية بقرار الأغلبية من تجاوز أخطر عقبة واجهوها منذ هزيمتهم في الحرب فقد حافظوا على حزبهم من حدوث انشقاق جديد كان متوقعًا في حالة عجزهم عن اتخاذ قرار موحد يلتزم به الجميع، أو كما عبر قائد تيار المشاركة «جار الله عمر» أنه للمرة الأولى في تاريخ الحزب تتم ممارسة الديمقراطية داخله.
ويبدو أن تيار المشاركة أراد بقبوله قرار الأغلبية تكريس مبدأ جديد داخل الحزب الاشتراكي يمكن الاستفادة منه في المستقبل عند انعقاد المؤتمر العام للحزب، فهذا التيار يتمتع بأغلبية عددية في الأعضاء المندوبين، وهو ما يؤهله لتولي مناصب قيادية أولى في الحزب كانت حكرًا على اشتراكي المناطق الجنوبية طوال السنوات الماضية، بحكم أن قيادة الحزب كانت تحكم في «عدن»، كما أن وجود اشتراكي الشمال في الحزب كان محوطًا بالسرية حتى عام ١٩٩٠م. ولم يعلن عن مواقعهم في الهيئات القيادية إلا في مرحلة التعددية الحزبية بعد إعلان الوحدة عام ١٩٩٠م.
وهذا الوضع الاستثنائي ظل معمولًا به في أعقاب الوحدة، وظل «البيض» ومن معه يعرقلون انعقاد المؤتمر العام للحزب، لأنهم يعلمون أن نسبة المندوبين في المؤتمر ليست لصالحهم أبدًا. ولذلك ظهرت مشكلة «مندوبو المؤتمر» عند التحدث عن انعقاده بل واستمرت حتى الآن، وهكذا فإن تجاوز هذه العقبة في التصويت على المشاركة أو المقاطعة سوف يبرز عقبة ثانية عند انعقاد المؤتمر العام، وسترى حينها هل يتم الالتزام بمبدأ الأغلبية أم يتم اللجوء إلى مبدأ ضرورة مراعاة التجربة التاريخية للحزب.
وربما يكون من المبكر جدًا الحديث عن نوعية المقاطعة هذه، وهل سينأى الاشتراكيون بأنفسهم نهائيًّا عن الانتخابات أم سيدفعون بعناصرهم تحت لافتة المستقلين فإن نجحوا بصورة مناسبة عدديًّا كشفوا عن انتمائهم للحزب، وإن فشلوا فقد تجنب الحزب تحمل أي تبعات تضر مركزه وتحفظاته التي ذكرناها سابقًا.
ردود الأفعال بين الخصوم والأصدقاء
ليس سرًّا أن الأحزاب المتحالفة مع الحزب الاشتراكي قد مارست ضغوطًا قوية لحثه على المشاركة في الانتخابات إيمانًا منها بأن المقاطعة لن تجدي شيئًا، كما أن عناصر قيادية في هذه الأحزاب عبرت عن شكواها من أن الحزب الاشتراكي يضع مطالبه الخاصة جدًّا في أولوياته ومن النظر بموضوعية لإيجابيات المشاركة وسلبياتها والقيام بموازنة عاقلة بينهما.
لذلك كان أصدقاء الحزب في مقدمة الذين تعاملوا مع قرار المقاطعة بدون اهتمام زائد وواصلوا في الوقت نفسه حواراتهم مع الائتلاف الحاكم حتى تم الاتفاق معه على اتفاقية سياسية تضمن مشاركتهم في الانتخابات في مقابل تنفيذ ضمانات سياسية وقانونية لا تخرج كثيرًا عن الاتفاقية التي تم التوقيع عليها بين المؤتمر الشعبي والإصلاح.
ويبدو أن الأحزاب الصديقة للحزب الاشتراكي قد أيقنت أن الحزب فضل قرار المقاطعة وفق حساباته الخاصة دون مراعاة لحلفائه، لذلك واصلت هذه الأحزاب حواراتها حتى أنجزت اتفاقها الخاص مع الائتلاف الحاكم فيما بعد أسوأ رد فعل تجاه قرار المقاطعة وأكثره إيلامًا، فهو يظهر الحزب معزولًا عن أقوى حلقاته وأكثرهم تأثيرًا في صفوف المعارضة.
أما على صعيد الائتلاف الحاكم، فلم يصدر عن تيار الإصلاح الإسلامي موقف محدد معلن بينما شن حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح حملة قوية ضد الحزب الاشتراكي وقرار المقاطعة، سواء عبر الصحافة الرسمية أو التصريحات والخطب.
ويمكن فهم دوافع هذه الحملة المضادة لقرار المقاطعة في كون القيادة اليمنية مقتنعة بأن اشتراكي الداخل اختاروا المقاطعة لأسباب «غير وطنية» وخضوعًا لتأثير اشتراكي الخارج الذين قادوا «مؤامرة الانفصال»، وبالتالي فهم يريدون من خلال قرار المقاطعة التشكيك في شرعية الدولة والإساءة إليها في المحافل الدولية.
وكان واضحًا طوال الفترة الماضية أن القيادة اليمنية حريصة على مشاركة كل الأحزاب في الانتخابات لكيلا توفر فرصة للنيل من شرعية الانتخابات، وخصوصًا أن المعارضة المناهضة لها تتمتع بعلاقات جيدة مع الدوائر الغربية المهتمة باليمن، وبالتالي فإن حدوث مقاطعة كبيرة للانتخابات سوف يهز سمعة اليمن في الخارج ويمنح فرصة المعارضة الخارج للتشكيك في شرعية النظام.
وبالطبع فإن الفترة القادمة سوف تشهد جدلًا واسعًا حول آثار المقاطعة على الحزب في الانتخابات، وإن كان أنصار الحزب قد وصفوها بأنها خطوة تاريخية أكدت وحدة الحزب وقدرته على اتخاذ قرارات خطيرة، لكن التأثير الحقيقي لن يظهر سريعًا في ضوء مستجدات اتفاق الائتلاف الحاكم والأحزاب الصديقة للاشتراكي ثم إن الواقع الذي سوف تفرزه الانتخابات ويحدد هو الآخر نسبة الفوائد والخسائر في قرار المقاطعة ومدى صواب الحزب في اتخاذ قرار يمكن أن يفتح عليه أبوابًا من عنت السلطة التي تملك- دون شك- ما يمكن أن يزعج الاشتراكي سواء على صعيد ممارساته السابقة أو دوره في الحرب والانفصال أو في تشجيع المنشقين عليه ليكونوا بدائل.
والشيء المؤكد أن قرار المقاطعة سوف يضيف حرارة إضافية للمعركة الانتخابية التي ابتدأت في أغسطس الماضي ساخنة ثم بدأت تفقد حرارتها مع عقد الاتفاقات السياسية بين الأحزاب التي فضلت عدم خوض معمعة مكلفة جدًّا سياسيًّا وتنظيميًّا في ظل وضع يتمتع بشروط جديدة لا أحد يعرف كيف ستكون عواقبه.