; اليهود يديرون بلاط «كلينتون» | مجلة المجتمع

العنوان اليهود يديرون بلاط «كلينتون»

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1230

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

«لقد أصبنا بالصدمة بعدما أعلن الرئيس «كلينتون» عن أعضاء فريق الإدارة الأمريكية الجدد، فلم نكن نتوقع أن يسيطر اليهود على كافة المناصب الهامة والحساسة في الولايات المتحدة بهذه الطريقة»

كانت هذه إجابة أحد المحللين الأمريكيين المقيمين في العاصمة الأمريكية واشنطن على سؤال وجهته إليه بعدما أعلن الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» عن أسماء مرشحيه لفريق الأمن القومي الأربعة لولايته الثانية يوم الخميس الخامس من ديسمبر الجاري، ولم يكن هذا التعليق وحده هو الذي سمعته مباشرة من محللين ومراقبين أمريكيين مقيمين في واشنطن يعكس حجم الاستغراب والصدمة، بل إن أحدهم قال لي: «لم يعد هناك سوى أن يعلن الرئيس أنه قد أصبح يهوديًا هو الآخر»، أما محلل ثالث فقد قال لي: «إنني منذ الإعلان عن هذا التشكيل وأنا أحاول ترتيب أفكاري عن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خصوصًا دون جدوى.....» هذا على الجانب الأمريكي، أما على الجانب الإسرائيلي، فقد شكلت هذه التعيينات مفاجأة وصدمة كبيرة للإسرائيليين أيضًا، لكنها كانت مفاجأة وصدمة مفرحة حيث غمرهم الفرح بكافة مستويات قياداتهم حتى أن أحد القادة الإسرائيليين لم يستطع إخفاء مدى ارتباطه وفرحته فصرح للصحفيين قائلًا: «لقد فاقت هذه التعيينات كل التوقعات، خاصة أولبرايت إنها ترى الوضع في الشرق الأوسط مثلنا تمامًا».

وكان الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» قد اختار مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة المعروفة بولائها للصهيونية وانحيازها الكامل لإسرائيل «مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية خلفًا «لوارن كريستوفر» كما اختار مستشاره الحالي لشؤون الأمن القومي المعروف بتعاطفه مع إسرائيل «أنتوني ليك» مديرًا جديدًا لوكالة الاستخبارات الأمريكية سي أي إيه واختار نائبه اليهودي الصهيوني «صامويل بيرجر» مستشارًا جديدًا له لشؤون الأمن القومي، أما اليهودي الجمهوري «وليم كوهين» فقد عينه وزيرًا للدفاع، وبهذا يكون فريق الإدارة الأمريكية الرئيسي الذي يدير بلاط الرئيس «كلينتون» من اليهود والصهاينة أو الموالين بشكل مباشر الإسرائيل ومصالحها، مما يؤكد خطأ التكهنات التي أطلقها بعض المحللين والمراقبين العرب والغربيين خلال الفترة الماضية من أن الرئيس «كلينتون» سوف يتحلل في فترة رئاسته الثانية من ريقة اللوبي الصهيوني، ويرسم سياسة خارجية للولايات المتحدة من خلال فريق محايد يراعي المصالح الأمريكية عمومًا في المنطقة دون انحياز لإسرائيل، فقد نسفت التعيينات الأخيرة هذه التصورات وأكدت المعطيات الحقيقية أن الرئيس الأمريكي منحاز لإسرائيل والصهاينة من منطلق عقائدي وقناعة داخلية وليس مجرد حسابات انتخابية أو مصالح حزبية.

البعد الديني في سياسة «كلينتون» تجاه إسرائيل

بعدما تعرض اليهود العمليات الاضطهاد والطرد في العديد من الدول الأوروبية خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين بسبب استنزافهم لثروات هذه الدول لاحترافهم الربا أعادوا ترتيب أوضاعهم مرة أخرى وفق منهجية جديدة تقوم على اختراق أنظمة الحكم القائمة ودعم الملوك بالمال والتقرب منهم حتى نجحوا في إقناع بعض ملوك أوروبا بترجمة التوراة وإدخالها في التعليم، وحينما ظهر «مارتن لوثر كنج» ودعا إلى المذهب البروتستانتي في القرن السادس عشر كانت هذه فرصة اليهود لاختراق المسيحية والتأثير فيها من الداخل عبر مبادئ الصهيونية، ولذلك حينما شعر «مارتن لوثر كنج» بخطورة اليهود على مذهبه البروتستانتي، عبر في المراحل الأخيرة من حياته عن كرهه لليهود ودعا لطردهم من بريطانيا، إلا أن اليهود نجحوا في السيطرة على الكنيسة البروتستانتية، وأعلن ممثلو الاتحاد العالمي للوثريين أثناء اجتماعهم الذي عقد في استكهولم في السويد في يوليو ۱۹۸۳ م عن عدم التزامهم بكل ما صدر عن لوثر كنج بشأن اليهود وكما نجح اليهود في اختراق الكنيسة البروتستانتية نجحوا كذلك في اختراق الكنيسة الكاثوليكية، وأعلن البابا أخيرًا عن براءة اليهود من دم المسيح، إلا أن الاختراق الصهيوني للكنيسة البروتستانتية كان أقوى، ومع بداية هجرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة في القرن السابع عشر والثامن عشر انتقلت الفكرة الصهيونية إلى الولايات المتحدة مع المهاجرين الأوروبيين وترسخت في الأداء والأفكار الكنسية خاصة لدى البروتستانت الذين يعتبرون من أكبر الطوائف الدينية المسيحية في الولايات المتحدة، حيث يتبع الكنيسة البروتستانتية ما يزيد على ثمانين مليون أمريكي، وقد نجح اليهود الصهاينة في مزج الصهيونية بالمسيحية، ومن ثم فقد أصبح هناك نفوذ صهيوني كبير في الكنائس الأمريكية أخذ يتطور في نظرته لليهود والصهيونية حتى وصل إلى مفاهيم محددة ذكرها الدكتور يوسف الحسن في رسالته للدكتوراه التي نشرت تحت عنوان: البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني، نقلًا عن  Ingram O.kelly, "chris tian Zionism" Thelink, vol. 16, no. 4 »Novem- ber 1983»p.p.3-8

وتتلخص هذه المفاهيم في:

1- تأكيد شرعية دولة إسرائيل على أساس أنها جاءت تحقيقًا للنبوءة التوراتية.

2- تأكيد حق إسرائيل في أرض «Eretz» إسرائيل بما فيها الضفة الغربية وغزة.

3- طمأنة إسرائيل على أن الإنجيليين الأصوليين ملتزمون بالعمل في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل أمن إسرائيل.

4- التأكيد على أن اليهود هم شعب الله المختار وأن الله بالتالي «يبارك من يباركهم ويلعن لاعنيهم».

هذه المفاهيم العقائدية التي تتبناها الكنيسة البروتستانتية الأمريكية لها تأثيرها المباشر لدى عموم الأمريكيين، وتؤكد البعد الواضح في السياسة الأمريكية والذي يعلنه الرؤساء والزعماء والمسؤولون الأمريكيون دائمًا بأن الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل «التزام أدبي وأخلاقي»، كناية عن الإشارة للبعد العقائدي، وهذا ما أفصح عنه الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» في الخطاب الذي ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي في 27/10/1994م، فقد كان البعد العقائدي التوراتي المسيحي الصهيوني واضحًا تمامًا في أماكن متفرقة من الخطاب، حيث قال «كلينتون»: «وبالنسبة للشعب الأمريكي كذلك، فإن هذا السلام نعمة إذ على مدى عقود حينما كانت إسرائيل تكافح للبقاء كنا نبتهج انتصاراتكم ونشاطركم مآسيكم، وفي السنوات التي تلت إنشاء إسرائيل أعجب الأمريكيون من خلال كل معتقد ديني بكم وساندوكم» وفي موضع آخر يقول «إن بقاء إسرائيل هام لا لمصالحنا فحسب، بل لكل القيم العزيزة علينا»، ثم فجر «كلينتون» قنبلته التي كشفت عن البعد العقائدي التوراتي لديه في دعم إسرائيل واليهود حينما قال: «وقد روى لكم رئيس الوزراء «رابين» في معرض حديثه قصة لم يسألني عنها من قبل قط هل كانت حقيقة أم غير ذلك، والحقيقة هي أني لم أقم بزيارة إسرائيل قبل هذا اليوم سوى مرة واحدة فقط، وذلك قبل ثلاثة عشر عامًا (۱۹۸۱م). حيث كنت بصحبة زوجتي وراعي الكنيسة التي أتبعها، وقد جئنا في بعثة دينية، وكنت وقتها خارج حكم الولاية، كما كنت يومها أصغر حاكم ولاية سابق في تاريخ الولايات المتحدة، ولم يكن يخطر على بال أحد أني سآتي إلى هنا سوى ربما والدتي فقط وليس أي إنسان آخر.

وقد قمنا بزيارة الأماكن المقدسة، كما عايشت أثناء هذه البعثة ثانية تاريخ الإنجيل وأسفارهم وكذلك تاريخي، ثم نشأت علاقة بيني وبين راعي الكنيسة الذي أشرف على تلك البعثة الدينية.

وبعد ذلك مرض راعي الكنيسة، وحينما اشتد عليه المرض قمت بزيارته وقلت له: أعتقد أنني سأصبح في يوم من الأيام رئيسًا للولايات المتحدة فقال لي بصراحة أشد مما فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين معي «إنك إذا تخليت عن إسرائيل فلن يغفر الله لك ذلك أبدًا، إن مشيئة الله أن اختار إسرائيل أرضًا لنا، وإن مشيئته أن إسرائيل ستبقى إلى الأبد»، واختتم «كلينتون» خطابه قائلًا لأعضاء الكنيست والحكومة الإسرائيلية: «يجب أن تدركوا أن مسيرتكم في مسيرتنا وأن أمريكا سوف تقف إلى جواركم الآن وإلى الأبد.... وشكرًا وبارك الله فيكم».

لا أعتقد بعد هذا الكلام الصريح على لسان الرئيس «كلينتون» أن يكون هناك مجال للتشكيك في المنطلق العقائدي للرئيس الأمريكي في دعمه الإسرائيل، ذلك المنطلق الذي تكون من الاختراق الصهيوني للكنيسة التي يتبعها «كلينتون» وراعي كنيسته الذي أوصاه بإسرائيل، فقد فتح «كلينتون» الباب عن قناعة لليهود والصهاينة ليصبحوا هم العنصر الرئيسي الذي يدير بلاطه، والذي يهيمن على المناصب الرئيسية داخل البيت الأبيض حتى صارت اللغة العبرية -حسب وصف بعض المراقبين- اللغة الأولى الآن داخل أروقة البيت الأبيض، وجعل صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تصف «كلينتون» في مقال رئيسي نشرته في مارس ١٩٩٦م بأنه «الصهيوني الأخير»، وهي أوصاف ينعت الصهاينة بها من يقدمون خدمات جليلة ومميزة للدولة الصهيونية حتى أنهم وصفوا مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة بأنها «صهيونية شرف»، أما القس الأمريكي «وليام بلالستون» (١٨٤١م. ١٩٣٥م) الذي لعب دورًا بارزًا في خدمة الصهيونية من خلال الكنيسة الأمريكية البروتستانتية فقد حمل ألقابًا كثيرة منها «والد الصهيونية»، و«البطل البارز من أجل صهيون»، ولذلك فإن دعم «كلينتون» للنفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية بدأ مع ولايته الأولى وإن كان قد أخذ بعدًا غير متوقع في ولايته الثانية.

النفوذ اليهودي في ولاية «كلينتون» الأولى

رغم أني بذلت جهدًا كبيرًا وقضيت أوقاتًا طويلة بين الأوراق والملفات والمراجع في محاولة للتعرف على أكبر قدر ممكن من اليهود الذين جلبهم «كلينتون» إلى إدارته في المناصب المختلفة، إلا أني واجهت عقبات كثيرة منها أن كثيرًا من هؤلاء اليهود لا يفصحون عن هويتهم بسهولة ومنهم على سبيل المثال «وليم كوهين» الذي عينه «كلينتون» وزيرًا للدفاع في حكومته الجديدة، ومثل «أرنولد رابل» الذي كان كبيرًا لمساعدي نائب وزير الخارجية للشرق الأوسط، والذي لم يتعرف زملاؤه على ديانته إلا حينما واروه التراب في مقبرة يهودية، كذلك فإن وسائل الإعلام الغربية لا تهتم في كثير من الأحيان بإبراز هذا الجانب إلا إذا كان أحدهم يفتخر بيهوديته، غير أني كنت قد حصلت في سبتمبر ١٩٩٤م على أجزاء من مقالة نشرها الصحفي الإسرائيلي «أفينعوم بار - يوسف» في صحيفة معاريف الإسرائيلية في 2/9/1994م عن هذا الأمر اليهود الذين يعملون في الإدارة الأمريكية ونشرت وقتها خلاصة ما حصلت عليه، إلا أن النص لم يكن كاملًا، وكان يوسف قد بذل جهدًا مميزًا ووقتًا مطولًا في إعداد مقالته، حيث سهلت له يهوديته الحصول على كثير من المعلومات التي يصعب على غيره الحصول عليها، كما أنه كتبها من منطلق الفخر والمباهاة بما وصل إليه اليهود من نفوذ في إدارة «كلينتون»، وقد تمكنت وأنا أعد هذا الموضوع من الحصول على النص الكامل للمقال الذي وفر علي كثيرًا من الجهد والوقت، وأعتقد أنه سيضع القارئ أمام حقائق مذهلة عن هذه المرحلة الهامة ليس في تاريخ الولايات المتحدة فحسب وإنما في تاريخ العالم، ولذلك فإني أعتبره وثيقة خطيرة كشفت كثيرًا من المعلومات التي تنشر لأول مرة عن حجم النفوذ اليهودي في الإدارة الأمريكية يقول «أفينعوم بار - يوسف»:

«قبل عدة أسابيع، خصص حاخام كنيس «عداث «ملة» إسرائيل» في «كليفلاند بارك» بواشنطن، موعظة السبت للحديث عن «المركز الثقافي السياسي اليهودي»، الذي تأسس الآن في أمريكا، قال الحاخام في موعظته: إننا لم نعد نشعر ولأول مرة في التاريخ الأمريكي، بأننا نعيش في الشتات، إذ لم تعد الولايات المتحدة دولة يحكمها «الغوييم goyim» «غير اليهود»، وهو اسم يطلق تحقيرًا، بل صار فيها إدارة يشارك فيها اليهود في صنع قرارها مشاركة كاملة وعلى كل المستويات، ولربما أنه صار من اللازم إعادة النظر فيما تقوله الشريعة الدينية اليهودية عن «حكومة الغوييم» غير اليهود - بعد أن عفا الزمن على هذا الاصطلاح في الولايات المتحدة.

وفعلًا، فإن «بيل كلينتون» أحدث تغييرًا حقيقيًا في العلاقة بين الإدارة الأمريكية وبين اليهود بعد أن أجرى سلسلة من التغييرات التي عززت السلطة اليهودية، وهي عملية بدأت مع الرئيس «ريجان» ووزير خارجيته «شولتز»، صحيح أن التأثير السياسي اليهودي كان بينًا في الولايات المتحدة في العقود السابقة، فقد شهدنا وزير خارجية يهوديًا هو «هنري كيسنجر» الذي كان يتمتع بالثقة الكاملة للرئيس «ريتشارد نيكسون»، كذلك كان هناك وزراء يهود في عهد كارتر، لكن ومحكًا لتجربة ذلك كان استثناء الحكم، خاصة وأن اليهود المتدينين قلما أوكلت إليهم مناصب سياسية على علاقة بالشرق الأوسط.

اليهود في مجلس الأمن القومي

لكن الصورة تغيرت تمامًا الآن بالنسبة للشرق الأوسط وغير الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال تنطلق في السادسة من صباح كل يوم عدة سيارات من مركز السي أي إيه CIA متجهة إلى البيت الأبيض، وفيها كبار مسؤولي الاستخبارات الأمريكية ليقدموا للرئيس وأربعة من أرفع موظفيه التقرير الرئاسي اليومي الذي يعتبر أرفع تقرير سري في واشنطن، يتألف عادة من ٧-٥ صفحات ويرفق بصورة الأقمار الصناعية السرية التي حصل عليها «البنتاجون»، ويتم إعداد التقرير ليلًا من قبل أرفع خبراء الاستخبارات الأمريكيين الذين يحللون البرقيات والتقارير التي تصل إلى السي أي إيه من شبكة عملائها في أنحاء العالم، وفيها أدق المعلومات عما يجري في العالم، إن تفرد هذه التقارير مقارنة بما لدى الاستخبارات الأخرى تكمن في أنه يشير دومًا إلى مصدر معلوماته سواء كان ذلك وثيقة سرقها أحد جواسيسها أو عملائها السريين المندسين في أوساط الحكومات أو كان المصدر قمرًا صناعيًا، وعندما يكون «كلينتون» في واشنطن عادة فإنه يستعرض مضمون التقرير بسرعة مع خمسة من مسؤولية الكبار: نائبه «آل غور» ومستشاره للأمن القومي «أنطوني ليك» ورئيس موظفي البيت الأبيض «ليون بانيتا»، ومساعد مستشار الأمن القومي «»صموئيل «ساندي» بيرجر وأخيرًا «ليون بيرت» مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس، إن اثنين من هؤلاء وهما «بيرغر وبيرث» هما من اليهود المتحمسين، وقد وصلا إلى منصبين على غاية كبيرة من الحساسية بالنسبة للسياسة الأمريكية، لكنهما ليسا استثناء.

هناك سبعة يهود من أصل أحد عشر مسؤولًا رفيعًا في مجلس الأمن القومي، وقد تعمد «كلينتون» تعيينهم في هذه المناصب ليكونوا مفاصل وحلقات وصل بين «مجلس» الأمن القومي وبين «وزارة» الخارجية، وهم «ساندي بيرغر» نائب رئيس مجلس الأمن القومي «ومارتن إنديك» سفير أمريكا الحالي لدى إسرائيل هو أكبر مدير مسؤول عن الشرق الأوسط وجنوب آسيا، «دان شيفر» -المستشار لدى الرئيس وأحد أكبر مدراء إدارته- مسؤول عن غرب أوروبا، «دون ستينبرغ» -مستشار الرئيس واحد أكبر مدراء إدارته- مسؤول عن إفريقيا، «ريتشارد فينبرغ» مستشار الرئيس وأكبر مدير مسؤول عن أمريكا اللاتينية، «ستانلي روس» مستشار الرئيس وأكبر مدير مسؤول عن آسيا.

 والحالة لا تختلف في مكتب الرئيس «كلينتون» المزدحم باليهود المتحمسين «أبنر ميكف» المدعية العامة «وزيرة العدل» الجديدة، «ريكي سيدمان» المسؤول عن تنظيم مشاريع ومواعيد الرئيس «فيل ليدا» مساعدة رئيس موظفي البيت الأبيض، «روبرت روين» مستشار اقتصادي «دافيد هايزر» المدير المسؤول عن العلاقات الإعلامية، «اليس روبين» مديرة الموظفين «إيلي سيغال» مسؤول عن المتطوعين، «إبرا ميزينا» المسؤولة عن البرنامج الصحي، وهناك وزیران يهوديان هما وزير العمل «روبرت رايخ» «وميكي كانتور» المسؤول عن الاتفاقيات التجارية الدولية، ومع هؤلاء قائمة طويلة جدًا من الرسميين اليهود الكبار في وزارة الخارجية وعلى رأسهم رئيس فريق «سلام» الشرق الأوسط «دينيس روس» ويليهم عدد من مساعدي الوزير بل عدد من رؤساء موظفي كبار مساعدي الوزير.

 أحد أكثر اليهود الذين يلفتون النظر من وجهة النظر الإسرائيلية ممن لم تتسلط عليهم الأضواء حتى الآن هو «رحم إمانويل» كبير مستشاري «كلينتون» المسؤول عن تنسيق بعض المشاريع الخاصة داخل البيت الأبيض، إنه يحتل المكتب المجاور للمكتب البيضاوي الرئاسي الشهير، وكان رحم قد حاز على تقدير كبير من رئيسه في الأسبوع الماضي عندما نجح في تمرير قانون مكافحة الجريمة، لقد أصبح خبيرًا في الاتصال بالكونجرس وأحرز الكثير من النجاح أهمها تعديل اتفاقية شمال أمريكا للتجارة الحرة NAFTA، وكان مكتبه في الأسبوع الماضي قائمًا قاعدًا. يحوم فيه كأنه «إسرائيلي» نموذجي، عندما أجرى معي حديثه الحيوي كان يتفحص بروتوكولات الجلسة المعقودة في مجلس الشيوخ ويشاهد مراسل «سي إن إن» «وولف بيلترز» «يهودي أيضًا». ويتلقى ما استجد في تصويت أعضاء مجلس الشيوخ من سكرتاريته وثلاثة من مساعديه، لهذا سألته «هل تفضل أن نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع عندما ينتهي هذا الكابوس»، فأجاب «إن ذلك سيكون مدعاة للراحة».

وفي اليوم التالي عندما تم التصويت على القانون، هاتفته مهنئًا فقال لي «إذا أردت أن تأتي فتعال الآن، لقد قرر الرئيس الذهاب في إجازة وقال لنا بأن من يريد منا أن ينعم بدفء الصيف فعليه بالإجازة، ولهذا فإنني أعد حقائبي للمغادرة يوم الأحد صباحًا»

إن كنيس «عدات يسرائيل» في واشنطن ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو أيضًا مركز للجماعة اليهودية يضم روضة أطفال معتبرة ومدرسة يهودية تعلم الأدب اليهودي والثقافة اليهودية إضافة إلى تعليم العبرية طبعًا في أيام السبت تقام دورتان من الصلوات منفصلتين الأولى صلاة طويلة يؤمها مئات من المصلين تتبعها مائدة مباركة تضم الكثير من الأطايب اليهودية هؤلاء الذين يؤمونها هم نخبة المجتمع في واشنطن مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية، محامون ناجحون، ورجال أعمال أثرياء وإن ثمن تذكرة الدخول ألف دولار، أما الصلاة الثانية فللأحدث سنًا، وتذاكر دخولها أرخص، وهي صلاة تقام وفق الطريقة الإسرائيلية باستثناء اختلاط الرجال بالنساء، ومن ميزات هذه الصلاة أن معظم الذين يؤمونها يزورون إسرائيل مرة في السنة ويتحدثون العبرية بطلاقة، وكلهم على معرفة تامة بشعائر الصلاة، ولعل أهم سبب لصلاتهم هو تمتين الأواصر مع إسرائيل، أما أولئك المتيمون بإسرائيل فإنهم يتابعون أخبار التليفزيون الإسرائيلي كل ليلة. وقد يبدو الأمر غريبًا، لكن شركة الكابل في واشنطن تنقل أخبار التليفزيون الإسرائيلي كل ليلة بعد منتصف الليل بنصف ساعة.

الكنيس الآخر الذي ينافس هذا الكنيس في استقطاب الشباب من أثرياء اليهود يقع في جورج تاون، إنه أرثوذكسي حتى العظم لكن صلواته تقام على الطريقة المفضلة لدى «غوش إيمونيم»، ويرفرف العلم الإسرائيلي فوق «تابوت العهد». وتتضمن الصلوات كل سبت الدعاء منح البركة للجنود اليهود الإسرائيليين، والصلاة من أجل خير وتوفيق الحكومة الإسرائيلية وموظفيها، وفي هذا الكنيس يصلي عدد كبير من المسؤولين اليهود في الإدارة الأمريكية، إنهم أبدًا لا يحاولون التستر على تعاطفهم الديني، بل إنهم على العكس يتمظهرون به لأن ذلك يساعدهم على التقدم في أعمالهم ومهامهم.

اليهود في وسائل الإعلام

والتأثير اليهودي الهائل في واشنطن لا يقتصر على الحكومة، ففي وسائل الإعلام نجد عددًا كبيرًا من أهم الشخصيات المهمة ومقدمي معظم البرامج الشعبية يهودًا متحمسين، إن عددًا كبيرًا من كبار المراسلين الإعلاميين ومحرري الصحف والمعلقين من اليهود المتحمسين أيضًا، معظم هؤلاء يعملون لصالح إسرائيل بتأثير مواظبتهم على كنيسهم المناسب المراسل السياسي «للأسوشيتد برس باري شويد» والمراسلة التربوية للواشنطن «بوست امي شوارتز» يواظبون على حضور الصلوات الحماسية الإسرائيلية في كنيس كليفلاند بارك، هنا أيضًا يرتفع العلم الإسرائيلي بكل اعتزاز فوق تابوت العهد، ودعنا لا تنسى في هذا السياق هيمنة اليهود على المؤسسات الأكاديمية في واشنطن، إن نسبة الباحثين اليهود في المركز الطبي الوطني أعلى بكثير من نسبتهم العددية بين السكان، وفي حقول الأمن والعلم وصناعة الأفلام والفن والأدب فإن التأثير اليهودي لا يمكن وصفه إلا بأنه تأثير هائل يتعاظم مع تعاظم القوة اليهودية.

من أين ظهر كل هؤلاء نحن في إسرائيل اعتدنا على سماع أسماء يهودية مثل: «دنيس روس» «ودان کیرتزر» «وأهارون ميللر» لأنهم اشتركوا في كل زيارة قام بها وزير الخارجية للشرق الأوسط خلال السنوات الست الماضية، غير أن هذه ظاهرة حديثة نسبيًا، فعندما استطاع «دان كيرتزر» -وهو يهودي متدين يواظب على صلوات السبت ويتمسك بكل الوصايا اليهودية- أن يصل إلى الإدارة الأمريكية قبل ۱۸ سنة، وكان يحمل دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية قالوا له إنك تتمتع بكل المؤهلات التي تخولك العمل في قسم الشرق الأوسط، ولكن لا تفكر مجرد التفكير بذلك بسبب أصلك اليهودي، إنه اليوم رئيس أولئك الذين سمع منهم هذه النصيحة، كذلك تزايد نفوذ اليهود تزايدًا كبيرًا في نفس الوقت عندما وصل كان المستغربون يديرون وزارة الخارجية وكان على القلة من اليهود الذين تسللوا أن يخفوا يهوديتهم كانت هناك سوابق مثل سابقة الراحل أرنولد رابل الذي كان كبير مساعدي نائب وزير الخارجية للشرق الأوسط، لكن زملاؤه لم يعرفوا عن ديانته شيئًا حتى واروه في مقبرة يهودية كان دان كيرتزر أول من أعلن أنه لا يستطيع العمل في أيام العطل اليهودية لأنه يهودي متدين يحفظ كل الوصايا اليهودية ويواظب على الكنيس.

وزارة الخارجية

عندما تأزمت الأوضاع في هاييتي وتفاقمت هتفت الوزارة الخارجية وسألت عن تقرير حول ما يجري في تلك المنطقة، وحولوني إلى يهودًا ميرسكي قدمت نفسي لسكرتاريته، وفجأة التقط أحدهم سماعة الهاتف وسمعت صوتًا يقول بعبرية إسرائيلية قحة صباح الخير، كيف أستطيع مساعدتك؟ وللوهلة الأولى ظننت أنني على الخط بالغلط مع وزارة الخارجية الإسرائيلية، أين تعلمت العبرية هل أنت إسرائيلي؟ وقال: لا، إنني أمريكي، لكنني أمضيت ثلاث سنوات لا أدرس فيها إلا الكتاب المقدس والتلمود في القاعدة العسكرية هاراتزيون - مزدهر يشيفا مع الحاخام ليشتنشتاين والحاخام أميطال في غوش اتزيون وميرسكي مثل كيرتزر يعتبر من المحترفين في وزارة الخارجية.

وهناك يهودي آخر مسؤول وصل إلى وزارة الخارجية هو «توم ميللر»، وهو الآن الملحق السياسي في أثينا، وكان سابقًا من بين ما كان مساعد فيليب حبيب في لبنان ورئيس مكتب شمال إفريقيا في فترة الحوار مع منظمة التحرير في تونس، ثم صار لاحقًا رئيس مكتب النزاع العربي الإسرائيلي، قابلت توم عندما كان رئيسًا في مكتب قسم مكافحة الإرهاب لقد بدأ اهتمامه بإسرائيل عندما أرسله أبوه إليها خلال حرب الأيام السنة لمساعدة صديق عائلي كان قد هاجر إلى إسرائيل قبيل بعض الوقت، وكان الصديق قد تجند في الجيش وكانت مزرعته بحاجة إلى من يرعاها، بعد ذلك أمضى «توم ميللر» ستة أشهر في مزرعة أروت التعاونية قرب كيريات مالاشي «قرية الملاحة – الملاقة»، وكان تأثير ذلك عليه مماثلًا للتأثير على «رحم إمانويل» في زيارته الأولى لإسرائيل، وقد أخبرني «كانت فترة عامرة بزهوة النصر والحماسة المتوقدة بما حققه الشعب اليهودي من إنجازات عظيمة، وكان يستحيل على في ساعة ذلك الانتصار العظيم أن لا أكون إسرائيليًا»، أما الحادث الثاني الذي ترك في نفسه تأثيرًا سيئًا فهو قصص الأهوال عن الهولوكست «إن الهولوكست خلق إحساسًا بالمصير اليهودي المشترك، إن على اليهود أن يعملوا على تقوية إسرائيل حتى لا يتكرر الهولوكست» كما أخبرني في محادثة أخرى.

 والحقيقة أن كل اليهود في قمة مناصب إدارة «كلينتون»، بمن فيهم «دنيس روس» «ومارتن إنديك» يعتقدون جازمين بأن التغيير الذي طرأ على موقف اليهود الأمريكيين يعود بالدرجة الأولى إلى حرب الأيام الستة التي نبشت ذكريات الهولوكست، ثم أفعمتهم بفيض من الكبرياء والفخار، «إن حرب الأيام الستة هي التي أخرجت يهود أمريكا من عزلتهم. كانوا هناك يجمعون قواهم ونفوذهم في ميادين الثقافة والعلم، ولكنهم كانوا في واد آخر غير إسرائيل»، كما قال لي أحد كبار المسؤولين المقربين جدًا من «كلينتون»، لقد كان الهدف الأكبر لجيل آبائنا أن يكون جزءًا من المجتمع الأمريكي، ولربما كان الهدف هو «الاستيعاب والتماثل»، ويجب ألا ننسى أن الهولوكست أحدث جرحًا مؤلمًا لدى يهود أمريكا. فقد كانوا عاجزين عن فعل أي شيء لإخوانهم الذين قتلوا، إن حرب الأيام السنة خلقت علاقة قوية بين يهود أمريكا وإسرائيل، وأهم ما فيها أنها خلقت شعورًا عميقًا بين اليهودية الإصلاحية وهي أكبر نزعة يهودية في أمريكا وبين إسرائيل...

دنیس روس

تم الطلاق بين والدي «دنيس روس» حين كان في الثانية من عمره، وقد انقطع انقطاعًا يكاد يكون كليًا عن أبيه رئيس فرقة الترتيل في «الكنيس» في شيكاغو، بعد سنتين من الطلاق تزوجت الأم من رجل كاثوليكي ورحلا معًا إلى كاليفورنيا، وقد اشترطت على زوجها الجديد أن يتلقى أطفالها تعليمًا يهوديًا، بذلك نشأ دنيس روس في محيط يهودي، وفي عام ۱۹۷۰م في فترة الانتشاء بنصر حرب الأيام الستة، قام بزيارة إسرائيل لأول مرة مع مجموعة من الطلاب الأمريكيين، ومن يومها بدأ تعلقه باليهودية يزداد ويترسخ، بعد ذلك تزوج من «ديبي» التي تلقت تعليمًا يهوديًا تقليديًا حول التاريخ اليهودي، وكانت شديدة النشاط في محيطها بالنسبة للكنيس اليهودي، وفي سن مبكرة بدأ دنيس روس بدراسة العبرية وفتح كتاب الصلوات، لكن الصلاة صارت لديه عادة منتظمة إنه يقول إن جذوره اليهودية من أغلى ما لديه وقد كان لها تأثيرها في سلوكه، ثم إن أولاده تبعوه في جميع خطواته، ففي كل سبت. إذا كان دنيس روس في واشنطن حيث لا يتنقل بين القدس ودمشق والقاهرة - يرافق أولاده إلى الكنيس، إن ابنه الأكبر قد احتفل ببار ميتزفاه وقد حضر الحفل في الكنيس سفير سورية وإسرائيل ومصر والأردن، حيث جلسوا بجانب بعضهم.

اليهود الأمريكيون وإسرائيل

هل بإمكان إسرائيل أن تطمئن برغم مسافة آلاف الأميال إلى أن هناك مركزًا يهوديًا مزدهرًا لا يعجب بها ويدعمها وحسب، بل يشاركها مصيرها أيضًا؟

ليس هناك من شك في ذلك، وخاصة حين يتعلق الأمر بوجودها، إن جميع مسؤولي إدارة «كلينتون» الذين يتعاملون مع إسرائيل: روس وكيرتزر وانديك وميللر، وهؤلاء نقطة من بحر، قد تكون لهم وجهات نظر مختلفة حول حل النزاع العربي الإسرائيلي لكنهم جميعًا من اليهود المتحمسين في كل ما يفعلونه، إنهم يختلفون فيما بينهم أحيانًا وقد يختلفون أحيانًا مع وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية لأنهم أولًا وقبل كل شيء أمريكيون وولاؤهم الأول هو لأمريكا !! لكنهم أيضًا يؤمنون بأن المصالح المشتركة بين الدولتين أساسية وثابتة أبدًا، ولعله بسبب ذلك الاعتقاد بأنهم أسهموا مساهمة عظيمة حين جعلوا إدارة «كلينتون» تتبنى موقفهم من العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولعله بسبب ذلك الاعتقاد يدعون أنهم منزعجون من خرق إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، وأنهم أكثر من منزعجين حين يتخذ هذا الوزير الإسرائيلي، أو ذاك مبادرة بخصوص العراق مما لا يتناسب مع الموقف الأمريكي، «إذا كانت إسرائيل تريد الدعم الأمريكي الجميع مصالحها، فإن عليها أيضًا أن تنسق خطواتها معنا عندما يتعلق ذلك بالمصالح الأساسية للولايات المتحدة»، كما قال لي أحد المسؤولين الكبار هذا الأسبوع بعد تردد الأنباء عن مبادرة الوزيرين «موشيه شاشال» «وبنيامين بن العازر» بضم العراق إلى عملية السلام.

إن فيض اليهود في إدارة «كلينتون» لم يخلق هكذا عن تصميم، لكن عددهم الكبير لم يصل بمجرد المصادفة أيضًا، إن أسلوب الحياة الأمريكية يساعد الناجحين فعلى الرغم من أن الجيل اليهودي السابق كان ينزع إلى الذوبان، فإنه قدم لأبنائه أفضل حظ من التعليم، غير مقتصر على الديانة اليهودية، ولعل قدراتهم وما حققوه من إنجازات هي التي أوصلت الجيل الحالي من اليهود إلى مراكز نفوذهم الكبير في الوقت الذي كانوا فيه يحتفظون بجذورهم اليهودية، إن دنيس روس الذي أطلق نظرية معايير بناء الثقة بين إسرائيل والدول العربية هو نتاج نموذجي لذلك الجيل اليهودي في أمريكا، إن قوتهم ستدعم بقوة ثقة اليهود الإسرائيليين بخلود الشعب اليهودي وتخفف من شعورهم بالعزلة بين العرب.

 ومع أن قوة اليهود في الإدارة الأمريكية الديمقراطية الحالية هائلة، فإن هناك العديد من اليهود المتحمسين في قمة المراكز في الحزب الجمهوري، لقد قابلت «بول ولفويتش» مثلًا الذي كان كبير مساعدي وزير الدفاع في إدارة بوش قابلته أثناء زيارته لقاعدة صواريخ باتريوت أثناء حرب الخليج، وعندما استقبله رئيس القاعدة الذي كان اسمه مكتوبًا على سترته المقدم «كريمو كوفيتش» انفرجت أسارير وجهه باسمًا، وقال: «أنت كريموكوفيتش وأنا لكلينا أقارب القارب ولفويتش إن مشتركين هنا»، وهذا لا يعني أنهم جميعًا متشابهون، فحتى في أمريكا تجد يهودًا لا يساندون إسرائيل، وهذا ما كان عليه وزير الدفاع السابق «كاسبر واينبرجر»، وهذا ما كان عليه «ريتشارد هس» «سلف مارتن أنديك في مجلس الأمن القومي»، لكنهم الآن في الواقع شيء استثنائي.

 ربما أراد حاخام كنيس «عدات إسرائيل» أن يهنئ «بيل كلينتون» على حماسته الشديدة لليهود. وأراد أيضًا أن يزيد من ولاء يهود إدارة «كلينتون» لأمريكا، لقد أخبرني «رحم إمانويل» أن قربي «كلينتون» من اليهود يجب تفسيرها من خلال حبه للإنسان كما يعبر عنه في كل مناسبة، ويفسر آخرون ذلك بالمحيط اليهودي الذي عاشه «كلينتون» أثناء دراسته الجامعية، وأود أن أضيف إلى ذلك عددًا من العوامل المتداخلة، ومن أهمها ما أبداه من افتتان شديد بإسرائيل بعد حرب الأيام الستة مباشرة، ثم إن «كلينتون» بفضل كثرة أصدقائه اليهود على وعي بهول الذكرى المؤلمة للهولوكست كما يعيشها زعماء اليهود الأمريكيون، وعلى وعي بأهميتها في مسألة الدعم الإجباري المستمر لإسرائيل، هذا أهم ما ذكره يوسف في مقاله، واعتقد أنه يحتوي على حقائق مذهلة تجعله وثيقة أكثر منه مقالًا.

اليهود يقفزون إلى الصف الأول

رغم النفوذ الذي تمكن اليهود من تحقيقه في مواقع التأثير والقرار في الإدارة الأمريكية على مدى العقدين الأخيرين إلا أنهم تمكنوا في ولاية «كلينتون» الأولى من خلال التقرير السابق إلى السيطرة على معظم مقاعد الصف الثاني في المناصب الهامة، وقد قفزوا إليها بعدما ظلوا فترة طويلة من الزمن يتحركون من وراء ستار، لكن «كلينتون» فاجأ الجميع حينما قفز بهم إلى مقاعد الصف الأول، حيث إن نائبه آل جور معروف بتعاطفه الشديد مع إسرائيل وعلاقاته الوثيقة باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ولذلك فقد رحبت إسرائيل ترحيبًا شديدًا بالخطوة التي أقدم عليها «كلينتون» وقال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي تعليقًا على ذلك: «إن هذا يعكس استمرارية سياسة الصداقة الأمريكية إزاء إسرائيل»، كما أن كلًا من كوهين وأولبرايت، «يسمحان للبلدين بالعمل معًا من أجل تحقيق تقدم في عملية السلام، أما ديفيد ليفي وزير الخارجية الإسرائيلي فقد أشاد بأولبرايت وامتدح حكمتها وحزمها، وعلق مسؤول إسرائيلي كبير آخر قائلًا: «إنها ترى الوضع في الشرق الأوسط مثلنا تمامًا»، كما أنها أظهرت في الأمم المتحدة تأييدًا مثابرًا لإسرائيل ودافعت عن سياستنا بحرارة والأهم من ذلك أنها تنظر إلى إسرائيل على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

ورغم أن فريق العمل الصهيوني في الإدارة الأمريكية يسيطر على معظم الوظائف التنفيذية ومناصب الصفين الثاني والثالث بما لا يجعل مناصب الصف الأول عائقًا أمامهم، إلا أن مناصب الصف الأول تدعم دون شك اللوبي الصهيوني دعمًا قويًا وترسخ دوره في نصرة قضايا الصهيونية وإسرائيل ضد المصالح العربية والإسلامية عمومًا باعتبار العرب والمسلمين العدو الرئيسي المستهدف من قبل الصهيونية العالمية ولعل التعرف على شخصيات أعضاء الفريق الجديد يكشف لنا جانبًا من سياستهم المستقبلية تجاه القضايا العربية والإسلامية.

مادلين أولبرايت

ولدت «مادلين أولبرايت» عام ۱۹۳۷م في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا، وهاجرت أسرتها إلى الولايات المتحدة هروبًا من النازيين حينما كان عمرها اثني عشر عامًا وكان اسمها «ماريانا كوربيلوفا» قبل أن تغير اسمها وهي في العاشرة إلى «مادلين»، حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا وعملت لفترة أستاذة في جامعة جورج تاون كما عملت في عام ١٩٧٦ م مع السيناتور «ادموند مسكي»، وعملت مستشارة للسياسة الخارجية في الحملات الانتخابية لكل من «والتر مونديل» «ومايكل دوكاكيس» اللذين فاز عليهما كل من «رونالد ريجان» «وجورج بوش» على التوالي في عامي انتخابات ١٩٨٤م و ۱۹۸۸م، وحينما تم اختيارها مندوبة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة أبدت انحيازًا واضحًا لإسرائيل والصهيونية ودعمت إسرائيل بقوة ضد أي محاولة لإدانتها بعد ارتكابها مذبحة قانا ضد المدنيين في جنوب لبنان وقد جعل هذا بعض الصهاينة يطلقون عليها لقب «صهيونية شرف»

وتحرص «أولبرايت» على إبراز صهيونيتها وعلى التودد لليهود والتأكيد على أنها هربت مثلهم مع عائلتها من أشهر زعيمين عرف عنهما العداء لليهود وهما هتلر وستالين، وقد ذكرت ذلك في خطاب قبولها للوزارة الذي الفته في البيت الأبيض حيث قالت: «كما قلت: لم أولد في هذه البلاد. فبسبب ولع والدي بالديمقراطية، جئنا إلى أمريكا بعد أن أخرجنا عنوة من بيتنا مرتين، أولًا بسبب هتلر وأخرى بسبب ستالين».

وقد عرف عن «أولبرايت» من خلال ممارستها في الأمم المتحدة انحيازها الشديد للصهيونية وإسرائيل وعدائها الواضح للعرب والمسلمين، وكان ذلك واضحًا في تأييدها للجرم الصهيوني في مذبحة قانا، لذلك فقد لاقى تعيينها وزيرة الخارجية الولايات المتحدة ارتياحًا واسعًا لدى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وترحيبًا كبيرًا في إسرائيل.

صموئيل بيرجر

رغم أن «صموئيل بيرجر» كان نائبًا لرئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي «أنتوني ليك» خلال السنوات الأربع الماضية، إلا أنه كان رجل الظل في المجلس وكان أحد اليهود السبعة الذين يضمهم المجلس، إلا أنه كان أكثرهم تأثيرًا وقربًا من الرئيس «كلينتون» وقال عنه «كلينتون» أثناء إعلانه الأسماء فريق الأمن القومي «كان صديقًا ومستشارًا مخلصًا لي لفترة أطول من السنوات الأربع الماضية، إذ إننا يعرف أحدنا الآخر منذ كنا في منتصف عمرها حاليًا، وقد ساعد «ساندي بيرجر» في توحيد فريق الشؤون الخارجية ومنحه الوجهة والتوجيه اللازمين والهدفية المشتركة، أعتقد أنه ينبغي أن تكون لدينا هذه الصفات للتقدم على صعيد تحقيق ونشر مصالح وقيم الشعب الأمريكي».

وقد شغل «بيرجر » الذي ولد في عام ١٩٤٥م وحصل على إجازة في الحقوق من جامعة هارفارد مناصب عديدة في الإدارة الأمريكية، ففي الفترة من ۱۹۷۷ م وحتى ۱۹۸۰م، كان مستشارًا في وزارة الخارجية الأمريكية حيث كلف ملف «سلسلة من المسائل المتعلقة بالاقتصاد الدولي والأمن والسياسة الخارجية» والعلاقة الوثيقة والقديمة بين بيرجر و«كلينتون» فقد كان «بيرجر» المستشار الرئيسي «لكينتون» للشؤون الخارجية خلال حملة «كلينتون» الانتخابية الأولى عام ۱۹۹۲م، وكان له الدور الرئيسي والمباشر في هذا الجانب الذي كان نقطة ضعف «كلينتون» الرئيسية، كما كان «لبيرجر» دوره الرئيسي في الحملة الانتخابية الثانية للرئيس «كلينتون» حيث كان واحدًا من أقرب المستشارين إليه، وعلى عكس آخرين فإن «بيرجر» يفخر بيهوديته ويعتز بها، ولم يعلم عنه أنه أخفاها من قبل، ويلعب بيرجر دورًا كبيرًا وسط الجالية اليهودية الأمريكية ومنظماتها المنتشرة على الساحة الأمريكية وأشهرها «إيباك».

ونظرًا لخطورة موقعه الجديد الذي يمكنه من الاجتماع يوميًا بالرئيس الأمريكي صباح كل يوم يحدد معه اتجاهات السياسة الأمريكية تجاه القضايا الدولية، فلنا أن ندرك سلفًا موقف الإدارة الأمريكية مستقبلًا من كل ما يتعلق بقضايا العرب والمسلمين.

وليم كوهين

وزير الدفاع الأمريكي الجديد ولد في سنة ١٩٤٠م لأب يهودي كان يعمل خبازًا وهو ينتمي للحزب الجمهوري غادر الكونجرس في نوفمبر الماضي بعدما أمضى فيه ست سنوات كتائب واثنتي عشرة سنة كسيناتور، وقد أظهر خلال هذه الفترة تأييده اللامحدود لإسرائيل ودعمها له صلات وثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي رابين، وقد زار إسرائيل عدة مرات وله كتابات يمتدح فيها إسرائيل والصهاينة، ويعتقد أن يمارس من خلال موقعه كوزير للدفاع دورًا مؤثرًا مع أولبرايت وبيرجر ضد مصالح العرب والمسلمين.

أنتوني ليك

مستشار الأمن القومي السابق، وخامس مدير يعود لوكالة الاستخبارات الأمريكية «سي.أي.إيه» في أقل من خمس سنوات مما يعكس تردي حال الوكالة التي كانت تعتبر أكبر وأخطر وأقوى شبكات الجاسوسية العالمية، وقد ولد ليك في عام ١٩٣٩م وهو دبلوماسي أمريكي محترف انضم إلى وزارة الخارجية في عام ١٩٦٢م وعين سفيرًا في فيتنام وفي عام ١٩٦٩م انتقل إلى البيت الأبيض وأصبح مساعدًا «لهنري كيسنجر» الذي كان آنذاك مستشارًا للأمن القومي في عهد الرئيس الجمهوري «نيكسون» ثم عين فيما بعد وزيرًا للخارجية ليشكل بداية مرحلة النفوذ القوي لليهود في الإدارة الأمريكية وفي عام ١٩٧٦م اختير ليك مستشارًا للرئيس «كارتر» للشؤون الدولية، ثم عين رئيسًا لشعبة التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية.

له علاقة وثيقة بالرئيس «كلينتون» بدأت في عام ۱۹۷۲ م وفي عام ۱۹۹۲م عينه «كلينتون» مستشارًا لشؤون الأمن القومي، ثم عين مؤخرًا رئيسًا لجهاز الاستخبارات، له علاقة وثيقة باللوبي الصهيوني ويؤيد إسرائيل وسياساتها في المنطقة، وقد أثنى عليه «كلينتون» قائلًا في كل صباح من السنوات الأربع الماضية تقريبًا، كان «أنتوني» يدخل هذا المكتب ليطلعني على وضع العالم ذلك الصباح، ويبلغني ما ينبغي على أن أقوم به بشأن ذلك، لقد كان مدعاة كبيرة للراحة والاطمئنان وفائدة كبرى للشعب الأمريكي أن يكون توني ليك على مقربة من مكتبي، وأن يكون قادرًا على تسخير قوة ذهنه وقوة شخصيته، وقوة استقامة الشخصية لفائدة التعامل مع التحديات الصعبة التي تواجهها، لقد كان توني في لحظات الأزمات وفي لحظات الانتصار إلى جانبي، والجدير بالذكر أن هذا الدور سيقوم به الآن اليهودي صموئيل بيرجر، وتشكل السي أي إيه أهمية خاصة لدى إسرائيل، بما تملكه من أجهزة ضخمة وكم من المعلومات جعل إسرائيل من قبل تتورط في أكثر من قضية تجسس على الولايات المتحدة من أشهرها قضية الجاسوس «جوناثان بولارد» الذي يقضي الآن عقوبة السجن المؤيد في أحد السجون الأمريكية بسبب تورطه في قضية تجسس ضخمة نقل فيها معلومات كانت غاية في السرية إلى إسرائيل، وتطالب إسرائيل الولايات المتحدة في كل مناسبة بالإفراج عنه.

نتائج هذه التغيرات

هذا التشكيل الجديد لفريق الأمن القومي الأمريكي يمثل مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية إذ إنه ينقلهما من مرحلة «الالتزام الأخلاقي والأدبي» إلى «الشراكة الدائمة» أو «الزواج الكاثوليكي»، أو ما عبر عنه «كلينتون» بقوله: «إن أمريكا سوف تقف بجواركم إلى الأبد».

ومن ثم فإن الذين يعولون على الموقف الأمريكي تجاه القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين عليهم أن يفيقوا من سباتهم وأن يدركوا حقيقة أن الذي يدير بلاط «كلينتون» الآن هم فريق من كبار اليهود الصهاينة أو الموالين لهم، وأن الأمر بحاجة إلى وقفة عربية وإسلامية شاملة يتم خلالها تقويم الموقف واستعادة زمام المبادرة والقرار الصالح الأمة العربية المسلمة، وحقوقها وتاريخها فالحقائق واضحة ودامغة، ولا يقل الحديد إلا الحديد، ولن يرحم التاريخ المتخاذلين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل