العنوان د.يوسف القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون (70) عاماً في الدعوة والتربية والجهاد
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 92
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
خصائص دعوة الإخوان المسلمين ومميزاتها
الإخوان والمشروع الحضاري
شهد المسؤولون المصريون على اختلاف مستوياتهم ببراءة الإخوان من أعمال العنف
رسائل الإمام حسن البنا فيها معالم مشروع شامل متكامل للنهضة والتقدم والبناء
التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوي لأنها تعمل في الظلام.. والظلام بيئة رديئة لا تُثمر خيرًا للبلاد أو العباد
الإمام البنا: ليس في قواعد النظام النيابي أو الدستوري ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسـلام لنظام الحكم
ولكي أجيب عن هذا السؤال أود أن أسجل هنا خلاصة لقاء تم بيني وبين ضابط مهم مسؤول عن الإخوان في أمن الدولة، زارني في بيتي بالقاهرة، في صيف سنة ١٩٩٥م وكان في لقائه معى غاية في الأدب، وقال لي: هل عندك مانع أن أوجه إليك بعض الأسئلة لأسمع إجابتك عنها؟
قلت له: لا مانع قط أنا رجل من مهمتي أن اتلقى أسئلة الناس وأجيب عنها؟.
قال: ما رأيك في المحاكمات العسكرية؟ والأحكام التي صدرت فيها؟
قلت: هل تريد رأيي بصراحة؟
قال: نعم.
قلت الأحكام العسكرية كانت قاسية، بل شديدة القسوة، على أناس لم يقترفوا جرمًا، ولم يمارسوا عنفًا. فمن المعلوم لديكم أن الإخوان منذ خرجوا من سجون عبد الناصر إلى اليوم لم يثبت في حقهم أنهم استخدموا العنف أو شاركوا فيه، ولا لمرة واحدة.
بل أنتم – ولا شك - تعلمون الصدامات التي وقعت بين شباب الإخوان في الصعيد وشباب جماعة الجهاد، حيث يتهمون الإخوان بالتخلي عن مبدأ «الجهاد» والمهادنة للسلطة، والاستسلام للطواغيت.. إلخ.
قال: ولكن لا يزال في الإخوان جماعات تتدرب على السلاح؟
قلت: جماعة الإخوان جماعة كبيرة، وممتدة في شرائح متنوعة من الشعب ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك، وأنا أحكم على المجموع لا على الجميع، والمهم هو الاتجاه العام في الجماعة، الذي تقوم عليه التربية والثقافة والتوجيه العام.
ثم عاد الحديث إلى الأحكام العسكرية، وقلت له فيما قلت: ولماذا المحاكمات العسكرية لأناس مدنيين ليس فيهم عسكري واحد، ثم إنهم لم يمارسوا أي عمليات عسكرية ولم يتجهوا إلى العنف أو يجربوه بوجه من الوجوه، فيما أعلم عنهم، أو عمن أعرفه منهم على الأقل.
أعرف من الدفعة الأولى الدكتور عصام العريان أعرفه منذ كان طالبًا في كلية الطب، وكان أميرًا للجماعة الإسلامية، وقد كان حريصًا على أن ينتقل بالطلاب من الغلو والتشدد إلى الوسطية، وكان يستعين بي ويشيخنا الغزالي على ذلك، وأعرفه بعد أن نضج وأصبح وجهًا إسلاميًا مصريًا مشرفًا له حضور واضح في المؤتمرات والندوات التي تعقد داخل مصر وخارجها. ماذا ارتكب عصام العريان حتى يحكم عليه بخمس سنوات؟
وأعرف من الدفعة الثانية: الدكتور عبد الحميد الغزالي، وهو أستاذ متخصص في الاقتصاد الإسلامي، ومدير سابق لمعهد البحوث والتدريب في البنك الإسلامي للتنمية، وقد جمعتني به حلقات وندوات ومؤتمرات خاصة بالاقتصاد الإسلامي، وهو يعيش بجدة منذ سنوات، وليس من نشطاء الإخوان.
قال: ولكنه صار من نشطاء الإخوان بعد أن توفيت زوجته.
قلت: هو الحق إنه عاد من جدة منذ عدة أشهر فقط.
قال: ولكن الإخوان يقيمون تنظيمات مخالفة للقانون؟
قلت له: سأسلم معك بما تقول، ولكن لماذا تلجأون الإخوان لمخالفة القانون؟
أنتم تعلمون أن الإخوان جماعة موجودة بالفعل، وتنمو وتتكاثر ككل كائن حي فلماذا لا تسمحون لها بالوجود القانوني أنتم سمحتم بذلك للشيوعيين والناصريين والقوميين وسائر الفئات إلا الإخوان أليس الإخوان مصريين أهم مستوردون من خارج تراب الوطن أم هم جزء منه؟
إن الصواب في ذلك: أن يسمح للإخوان بالعمل علانية وفوق الأرض وتحت سمع الدولة وبصرها، وبإذن من القانون، بدل أن تلجئهم إلى العمل تحت الأرض فهذا من حقهم بوصفهم مصريين والتزامهم بالدين وبالإسلام لا يجوز أن يكون سببًا في حرمانهم من ممارسة حقوقهم المشروعة.
ثم قلت: وقد كان الإخوان موجودين بالفعل منذ عهد الرئيس الراحل السادات رحمه الله، وكان الأستاذ التلمساني يدعى في الاجتماعات المختلفة باعتباره مرشدًا للإخوان قبال ولكن الأستاذ التلمساني، كان عنصرًا ملطفًا بطبيعته الهادئة، وشخصيته الطيبة، ثم لم يكن التنظيم محكمًا كما هو محكم اليوم.
قلت: الذي أراه مخلصًا: أن علاج هذا كله يكمن في الاعتراف بالإخوان كجماعة لها كيانها وأهدافها ونشاطها في حدود النظام العام والقانون ونحن أحوج ما نكون إلى تجميع كل القوى وتوحيد صفوف الأمة للبناء والتنمية والرقي بوطننا، بعيدًا عن التوترات والصراعات.
أنا أقول هذا بوصفي مصريًا مسلمًا، يحب الخير لوطنه، والإعزاز لدينه، وقد علمتني رحلاتي المختلفة إلى أقطار العالم أن مصر من أرجي بلاد الله لنصرة الإسلام، إن لم تكن أرجاها جميعًا.
أنا أقول لك هذا بصراحة العالم لا بمناورة السياسي، وأنا ليس لي أي وضع تنظيمي في الإخوان؟
قال: نحن نعلم أنه ليس لك أي وضع تنظيمي في الإخوان داخل مصر، ولكن في التنظيم العالمي ألا يوجد لك مشاركة فيه؟
قلت: كان لي مشاركة من قبل، ثم استعفيت منذ سنين، لأتفرغ لخدمة الإسلام بالعلم والفكر والدعوة، واعتبر نفسي ملك المسلمين جميعًا، لا ملك الإخوان وحدهم وهذا لا يعني أنني أتنكر لفكر الإخوان أو لدعوتهم، وهم قد يعتبرونني منظرهم أو مفتيهم، كما أن كتبي تعد من مراجعهم الأولية، وهم أول الناس قراءة لها.
وهناك أسئلة أخرى جرت في هذه المقابلة، لا تهمنا هنا إنما الذي يهمنا هو التعليق على الأحكام العسكرية.
وبعد أكثر من ساعة انتهت المقابلة، وانصرف الضابط المسؤول مشكورًا، ولم أعرف الهدف من وراء المقابلة، ولعله مجرد التعرف أو التعارف المهم أني قلت ما أعتقد أنه الحق، وبالله التوفيق.
الإخوان وإقامة الدولة المسلمة
بعض المعترضين على الإخوان يواجههم بسؤال محرج لهم يقول: لقد مر عليكم سبعون عامًا، وأنتم تنادون بإقامة دولة إسلامية تحقق حكم الله في الأرض، وتمكن لدينه في حياة الناس، تبني المجتمع المسلم المنشود، ومع هذا لم تقيموا هذه الدولة التي سعيتم إليها وناديتم بها؟
ألا يدل هذا على أن طريقتكم خاطئة أو أن أهدافكم مستحيلة التحقيق؟
والجواب: أن هذا السؤال فيه كثير من الخلل والخطل من عدة أوجه:
منها أن إقامة الدولة المسلمة هدف أصيل، وأمل منشود، ولكنه ليس الهدف الأوحد، بحيث تقول إن الحركة كان لها هدف سعت إليه، ولم تحققه.
إن الواقع أن للحركة جملة أهداف دعت إليها وحرصت عليها، وجاهدت لتحقيقها، فحققت بعضها، ولم تحقق بعضاً آخر.
فقد أعلن مؤسس الدعوة أنه يسعى لإيجاد الفرد المسلم والبيت المسلم، والشعب المسلم والحكومة المسلمة، والأمة المسلمة.
ولا نزاع في أن الإخوان قد حققوا - إلى حد كبير - بعض هذه الأهداف بالنظر إلى تكوين الفرد المسلم والبيت المسلم، والشعب المسلم.
ولا يشك منصف في تأثير الحركة الإسلامية في تغيير الأفكار والمشاعر والسلوك لدى الكثيرين ممن كانوا قد استسلموا لتيار الحضارة الغربية الزاحف، وساروا وراءها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وظهر أثر ذلك في الأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم.
من التهم التي وجهت إلى الإخوان: أنه ليس لديهم مشروع حضاري متميز، يقدمونه للناس ويحلون به المشكلات المعقدة للمجتمعات التي نشأوا فيها إنما كل ما عندهم مبادئ عامة، وأفكار هلامية»، وبيانات عاطفية تهز المشاعر، ولا تعالج المشكلات.
وربما خدع بعض الناس بهذا الكلام، وتصوروا أن الإخوان لم يقدموا مشروعًا للناس. والواقع أن الإخوان قدموا مشروعًا متكاملًا للناس في مضمونه، وإن لم يكن متكاملًا في شكله وصورته.
دعائم المشروع الحضاري للإخوان
مشروع الإخوان الحضاري موجود في مصادرهم، وهو يقوم على جملة دعائم:
۱- الإيمان بالمرجعية العليا للإسلام المجسدة في القرآن والسنة في بناء حياتنا كلها، ثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
٢- الدعوة إلى تجديد الدين وإلى الاجتهاد في فهمه لمن يملك شروطه، وفي مجال الاجتهاد والنظر إلى الإسلام وأصوله بعين، وإلى العصر ومشكلاته بعين أخرى.
٣- الاستفادة من كل المدارس الإسلامية في علاج مشكلاتنا المعاصرة، وخصوصًا المدارس التجديدية في تراثنا الفكري والفقهي، والانتفاع بإبداعاتها، والإضافة إليها.
٤- رفض ما الصق بالإسلام من أفهام خاطئة متخلفة، من رواسب عصور الهزيمة والتراجع الحضاري، عملاً بالقول المأثور: خذ ما صفا، ودع ما كدر.
5- الانتقاء مما جاءتنا به الحضارة الغربية فلا نقبل كل ما جاءت به ولا نرفضه، بل نأخذ منها ما ينفعنا وما يتفق مع قيمنا وشريعتنا وندع ما يضرنا وما يخالف ديننا، ومن أهم ما نأخذ منها: الجوانب العلمية والتكنولوجية والإدارية فاقتباس هذه الجوانب وإتقانها فريضة وضرورة وهي في الواقع بضاعتنا ترد إلينا.
6- المشروع للأمة الإسلامية كلها، ولكن مصر هي نقطة الانطلاق لموقعها الديني والحضاري والتاريخي والجغرافي، ولأنها بلد الأزهر، والوطن الأم للحركة الإسلامية، ولتجاوب جماهير شعبها مع الإسلام فكرًا وشعورًا وسلوكًا.
7- تقوم النهضة أول ما تقوم على تحرير الوطن - المصري والعربي والإسلامي - من الاستعمار وآثاره الثقافية والتشريعية والتربوية والاجتماعية، وإعادة بنائها في شتى نواحي الحياة.
8- أن تقوم فيه للإسلام دولة قوية تبني عقيدته، وتحكم شريعته، وتثبت قيمه دولة شورية مجددة وملتزمة تستلهم التراث، وتعايش العصر تؤمن بالله ربًا وبالإنسان خليفة في الأرض، وتؤدي الواجبات وترعى الحقوق، وتؤمن الحرمات، وتقوم بمهمتها في تعبئة قوى الشعب، وجمع كلمة العرب والمسلمين وتبليغ رسالة الإسلام إلى العالم.
9- العمل على إقامة مجتمع فاضل راق جدير بالانتماء للإسلام متحرر من الظلم والقهر والخوف تتحقق فيه تنمية إنسانية شاملة، وعدالة اجتماعية كاملة وتكافل إنساني عميق، مجتمع يحارب الفقر والجهل والمرض والرذيلة، ويجد فيه الجائع خبزه، والمريض دواءه والقادر عمله والمشرد مأواه والمحتاج كفايته والمظلوم عدالته والمكبوت حريته.
۱۰- يهدف المشروع الإسلامي إلى توحيد أمة الإسلام، كما أراد لها الله تعالى وكما كانت في التاريخ، وكما يوجبه منطق العصر في ضرورة التكتلات الكبرى، ولكنه يؤمن بسنة التدرج، ويرى أن وحدة العرب وتحررهم وعزتهم، مقدمة ضرورية لوحدة الأمة الإسلامية وعزتها فالعروبة وعاء الإسلام والعربية لسانه، فالعرب هم عصبة الإسلام، وحملة رسالته الأولون، وفي الأثر إذا ذل العرب ذل الإسلام.
۱۱- يبدأ المشروع بإصلاح الفرد، وبنائه بناء متكاملًا روحيًا بالعبادة، وعقليًا بالثقافة، وجسميًا بالرياضة وخفيًا بالفضيلة، مع التركيز على التغيير النفسي والعقلي، فهو أساس كل تغيير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱) ثم بناء البيت المسلم، فالمجتمع المسلم، فالأمة المسلمة، في خطوات متدرجة، ومراحل مدروسة وفق سنن الله في خلقه بلا قفز على الواقع، ولا إنكار للعوائق والصعوبات.
۱۲- يقوم المشروع الحضاري الإسلامي على التوعية والتثقيف للجماهير وعلى التربية والتكوين للطلائع، وعلى الكفاح السلمي والنضال الدستوري، والتلاحم مع الشعب، حتى تتغير الأمة من داخلها، وتتحقق أمالها.
الإسلام الذي ندعو إليه
وفي مناقشاتنا أو مناظراتنا مع العلمانيين في مصر كانوا يقولون لنا: إنكم تدعوننا إلى الإسلام، ولكن لم تعرف بالضبط أي إسلام تدعوننا إليه؟ إنكم تدعوننا إلى «ضبابية» غائمة أو معتمة، لا نرى فيها حاضرنا ولا مستقبلنا بوضوح ناصع.
إن الإسلام له صور عدة في بلاد عدة تزعم أنها تطبقه هل تدعوننا إلى إسلام إيران أو إسلام باكستان أو إسلام السودان أو ... إلخ؟
وأحيانًا ينسبون هذا الإسلام إلى أشخاص القائمين على هذه البلدان الإسلامية، فيقولون تدعونا إلى إسلام الخميني أم إسلام ضياء الحق أم إسلام النميري.. إلخ.
والحق أننا لا ندعو إلى إسلام مقيد ببلد أو بشخص أو بمذهب، أو بعصر. نحن ندعو إلى إسلام القرآن والسنة، موصولًا بالواقع مربوطًا بالزمان والمكان والإنسان مشروح بلغة العصر مفتوحًا للتجديد والاجتهاد من أهله في محله مستلهمًا للماضي، معايشًا للحاضر، مستشرفًا للمستقبل، جامعًا بين الأصالة والمعاصرة، محافظًا في الأهداف متطورًا في الوسائل، ثابتًا في الكليات، مرنًا في الجزئيات، مشددًا في الأصول ميسرًا في الفروع رابطًا بين النصوص الجزئية، والمقاصد الكلية، منتفعًا بكل قديم صالح، مرحبًا بكل جديد نافع. موفقًا بين النقل الصحيح والعقل الصريح ملتمسًا الحكمة من أي وعاء خرجت ومستفيدًا العلوم من أي جهة جاءت في غير تعصب لرأي قديم ولا عبودية لفكر جديد.
ولم نكتف بهذا الإجمال، بل قدمنا معالم للإسلام الذي ندعو إليه، في عشرين أصلًا، نبين الملامح ونضع النقاط على الحروف، ويمكن للقارئ أن يطلع على هذه المعالم العشرين للإسلام الذي ندعو إليه في كتابنا الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه.
هيكل والمشروع الحضاري الإسلامي
الأستاذ محمد حسنين هيكل كاتب كبير في مجال السياسة، ولا يختلف اثنان في عمقه ومقدرته على الرصد والتحليل والموازنة والتفسير واستخلاص النتائج التي قلما يقدر عليها غيره، وخصوصًا في السياسة المصرية والعربية، وإن كان هناك كثيرون يخالفونه فيما ينتهي إليه، لسبب أو لآخر.
ولكنه إذا خاض في الجوانب الإسلامية لا يحلق كما يحلق في آفاق السياسة.
وهو لا يدعي أنه عالم بالإسلام أو خبير فيه ولكنه قد يدخل في بعض الجوانب المتعلقة بالإسلام من قريب أو من بعيد، ويبدي فيها رأيه فيصيب احيانًا، أو يخطئ أحيانًا في اجتهاداته، وكل ميسر لما خلق له.
ومن ذلك ما ذكره لجريدة «السفير» اللبنانية - صيف ۱۹۹۸، خاصًا بالتيار الإسلامي فهو لا يرى هذا التيار يصلح لشيء إلا للمقاومة، ولا يقوم غیره مقامه في هذه الناحية.
وهو قد أنصف التيار الإسلامي في ذلك، ولكنه بخسه حقه في الجوانب الأخرى، ويبدو من سيرة الأستاذ هيكل أنه ليس لديه وقت يفرغه لمتابعة التراث الفكري الضخم للتيار الإسلامي في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية.
ومما عجبت له ما قاله في حواره هذا الصحيفة السفير أنه لقي الشيخ حسن البنا، وأنه وجده رجلًا طيبًا، وظريفًا جدًا ولكن لم يكن لديه مشروع يقدمه للناس!
هل كان حسن البنا غير ذي مشروع؟
أحسب أن الاستاذ هيكل ظلم الاستاذ البنا بهذا الحكم الذي ذكره وأحسب أنه لم يفهم الشيخ البناء أو أنه لم يسبر أغواره، ولم يقرأ فكره، كما ينبغي قبل أن يحكم عليه هذا الحكم الجائر القاسمي علماء المنطق يقولون: الحكم على الشيء فرع عن تصوره وأظن أن هيكل، لم يتصور البناء تمامًا، وربما كان عذره أنه كان في ذلك الوقت شابًا في مقتبل العمر، ولم يجشم نفسه عناء البحث في دعوة البنا ومشروعه.
والواقع أن حسن البنا كان لديه «مشروع» واضح في ذهنه، راسخ في وجدانه، مستقر في اعماقه اتضحت له أهدافه واتضحت له وسائله ومناهجه واتضحت له عقباته ومعوقاته، وجند لتحقيقه عقله وقلبه، ولسانه وقلمه ووقته وجهده ونفسه وجماعته، فكان يعرف ماذا يريد؟ وكيف يصل إلى ما يريد؟ وبمن يصل إلى ما يريد؟
كان البنا يعرف عن خصائص مشروعه أنه إسلامي بحت في غاياته وفي وسائله، وفي اسسه ومنطلقاته، فهو يعتمد الإسلام مصدرًا أول وأوحد لمشروعه، ولكنه الإسلام الصحيح، كما سماه الأديب الفلسطيني إسعاف النشاشيبي، أو الإسلام الأول، كما سماه حسن البنا نفسه إسلام الرسول وأصحابه قبل أن تشوبه الشوائب وتلحق به الزوائد، ورواسب القرون، مفرغًا في قالب يلائم العصر، ويواكب التطور، ويفتح باب الاجتهاد لعلاج مشكلات الحياة بطب الإسلام، ووسطية الإسلام.
ومن قرأ رسائل الأستاذ البنا - على صغر حجمها وجد فيها معالم مشروع شامل متكامل متوازن للنهضة والتقدم والبناء، يمزج المادة بالروح ويوفق بين العقل والقلب، ويقرن بين المثالية والواقعية، كما يجمع بين الدين والدنيا، ويوازن بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، وبين النظرة القومية والنظرة الإسلامية والنظرة العالمية.
ولو قرأ الأستاذ هيكل رسالتين صغيرتين من رسائل البنا إحداهما كتبت سنة ١٩٣٩م وهي رسالة المؤتمر الخامس الشهيرة، والأخرى عنوانها «دعوتنا في طور جديد، كتبت سنة ١٩٤٢م. لوجد فيهما رؤية مركزة لمشروع حضاري متميز: متميز في منطلقاته، متميز في أهدافه، متميز في وسائله.
ومن ذلك أن الأستاذ البنا قدم حله لقضية الجلاء في ضوء رؤيته الإسلامية: المفاوضة فإن لم تفلح فالمقاطعة، ثم «النبذ على سواء» بإعلانهم بالخصومة الصريحة وإلغاء ما بيننا وبينهم من معاهدات، واعتبار الأمة في حالة حرب، وتنظيم حياتها على هذا الاعتبار اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
وقدم الأستاذ حله للمشكلة السياسية الداخلية، أو مشكلة «نظام الحكم» وتتلخص في قبوله: «النظام الدستوري» وقبول الدستور المصري بصفة عامة، مع التنبيه إلى وجوب إزالة الغموض في بعض مواده وعلى ضرورة تعديل «القانون» ليتفق مع الدستور الذي لم يره يناقض الإسلام مناقضة صريحة.
ويقول المرشد: ليس في قواعد هذا النظام النيابي أو الدستوري ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدًا عن النظام الإسلامي ولا غريبًا عنه، وبهذا يمكن أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام بل إن واضعي الدستور المصري قد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معه بصراحة أو قابلة للتفسير بما يتفق معه.
الإصلاح السياسي لدى الإخوان
وفي الإصلاح الداخلي حسبنا أن تذكر هنا فقرات مما ذكره ريتشارد .ب. ميتشل في كتابه عن الإخوان، حول آرائهم فى الإصلاح البرلماني والسياسي والإداري، فيقول:
تضمنت اقتراحات إصلاح البرلمان والأحزاب ما يلي:
١- وضع قائمة من الصفات التي يجب أن تتوافر في المرشحين سواء أكانوا ممثلين لهيئات أم لم يكونوا.
2- وضع حدود للدعاية الانتخابية.
3- إصلاح الجداول الانتخابية وطرق التصويت لتكون في منأى عن تلاعب ذوي المصالح الشخصية وعن التصويت الإجباري.
4- فرض عقوبات رادعة على التزوير والرشوة في الانتخابات.
كذلك اقترح البنا تطبيق نظام الانتخاب «بالقائمة» مفضلًا إياه على الانتخاب المباشر حيث ينتمي الفرد إلى حزب سياسي، وكان يرى أن هذه الطريقة تحرر النائب من ضغط الذين انتخبوه، وتؤمن خدمة المصلحة العامة دون المصالح الشخصية.
أما ميدان الإصلاح الحكومي الآخر، فهو الجهاز الإداري عمومًا والتوظيف الحكومي بصفة خاصة. فالوجه الأول للإصلاح هو تطبيق الإسلام من ناحيته المعنوية والوجه الثاني هو معالجة مسائل العمل والإجراءات وقد تحدث البنا طويلًا عن الوجه الأول فحبذ.
1- نشر الروح الإسلامية في جميع المصالح الحكومية.
٢- مراقبة السلوك الشخصي للموظف حتى لا توجد كلمة في سلوكه تميز بينه كموظف حكومي وكإنسان.
٣- إعادة تنظيم أوقات العمل لتسهيل أدائه وحتى يمتنع العامل من السهر ليلًا.
٤- مراقبة جميع الأعمال الحكومية بحيث تتفق مع روح التعاليم الدينية.
5 . استخدام عدد أكبر من خريجي الأزهر في الوظائف العسكرية والمدنية.
كانت هذه الإصلاحات السمة الغالبة في موقف البنا من مشكلة الإصلاح في عمومها، كما تعرض يمس أتباعه مباشرة من المشكلات الدنيوية اليومية للوظيفة العامة، وتضمنت آراؤه في الإصلاح بالنسبة لهذه المشكلات الإجراءات التالية:
1- اختيار الموظفين الحكوميين على أساس الكفاءة دون القرابة.
۲- استقرار ظروف العمل وتبسيط إجراءاته عن طريق تحديد المسؤولية وإلغاء المركزية.
٣- تحسين أحوال صغار موظفي الدولة برفع رواتبهم وعلاواتهم وذلك لسد الهوة بينهم وبين كبار الموظفين، وبإيجاد تأمين قانوني ومالي مضمون لهم بحماية المرؤوسين من عسف ونزعات الرؤساء.
٤- تقليل عدد الوظائف الحكومية وتوزيع العمل على من يبقى توزيعًا أعدل وأقوم.
5 - إلغاء ما هو جار من «استثناءات» من القوانين يتمتع بها المقربون والأصدقاء والأقرباء.
قامت اللجنة الفرعية للوظيفة العامة المنبثقة من قسم المهن بالجماعة بوضع الكثير من البرامج الإصلاح الوظيفة الحكومية- كما قررت اللجان الخاصة التي شكلت في المدن الكبرى «والتي كان مزمعًا تشكيلها أيضًا في القرى» بعد الحرب العالمية الثانية - قررت تقديم مساعدة فعلية اتخذت شكل دفع مصروفات التعليم الجامعي لأولاد الموظفين الذين يقل راتبهم عن ثلاثين جنيهًا في الشهر وذلك لمحاربة غلاء المعيشة، وكانت هذه اللجان الخاصة تعمل في مجالها علاوة على ما كانت تقوم به الجماعة من دعوة إلى الإصلاح - خصوصًا فيما يتعلق بالأجور والضمان الاجتماعي، وهي دعوة كثيرًا ما امتلأت بها صحافة الجماعة.
وإذ كان التحرر السياسي من الاستعمار وثيق الصلة بالإصلاح السياسي، فقد كان هذا الإصلاح يتضمن دائمًا أفكارًا عن الإصلاح العسكري، وقد نادى البنا بتعميم هذا الوضع على الصعيد الوطني حينما دعا إلى تقوية الجيش وإشعال الحماس فيه على أساس الجهاد الإسلامي كان الدفاع عن الوطن والدفاع عن حقائق الإسلام، هما الفكرتين اللتين رددتهما المقالات العديدة في صحافة الجماعة كلما حثت على إصلاح عسكري، وهما فكرتان اكتسبتا أهمية أعظم بعد ثورة عام ١٩٥٢م، واقترحت الجماعة في ذلك الوقت:
1- تعزيز قوى الجيش وزيادة عدده دون اعتبار لما يتضمنه ذلك من نفقة.
2- أن يتم تدريب الضباط والجنود بحيث تقوم العلاقة بينهم جميعًا على أساس الأخوة.
3- أن يتسع نطاق التجنيد بحيث لا يبقى فرد في الأمة بعد وقت معين يكون قادرًا على حمل السلاح ولا يحمله.
٤- وجوب جعل التدريب العسكري بما في ذلك الفنون الحربية وطرائق القتال الفعلية إجباريًا في الجامعات والمدارس.
5 - إنشاء جيش إقليمي للذين لا ينخرطون في الجيش النظامي.
٦- التزام الحكومة بإنشاء الصناعات الحربية.
الإصلاح الاقتصادي
رأى الإخوان تحقيق الإصلاح الاقتصادي في عاملين:
1 - أن الاستقلال الاقتصادي أساس الاستقلال السياسي.
2 - أن التحسن الاقتصادي في صوره نوع من الضمان الاقتصادي والاجتماعي - بالنسبة للجماهير التي صرعها الفقر في مصر – أم ضروري لملء الفراغ في البناء الطبقي.
وبهذا تتجنب البلاد فرقة وطنية جديدة باسم الصراع الطبقي، وفي هذا النطاق اقترحت الجماعة بعض إجراءات الإصلاح الاقتصادي لتصدر الدولة قوانين بها، إما عن طريق السلطة التشريعية أو السلطة الإدارية وهي قوانين ترمي إلى جعل مصر أكثر انسجامًا مع تراثها الإسلامي.
١- يجب إلغاء الربا كل صوره وعلى الحكومة أن تكون رائدة في هذا المجال بألا تقبل الفائدة في جميع معاملاتها.
۲- يجب تأميم مصادر الثروة في البلاد، وإنهاء السيطرة الأجنبية على المرافق العامة والثروات المعدنية كما يجب إحلال رأس المال الوطني محل رأس المال الأجنبي، ويجب أن يصحب هذه الإجراءات استغلال الثروات الطبيعية في البلاد على نطاق واسع، سواء في المجال الزراعي أم التعديني.
3- يجب تشجيع تصنيع البلاد فورًا مع إعطاء الصناعات التي تعتمد على المواد الأولية المحلية والصناعات الحربية أهمية خاصة، كما يجب تشجيع الصناعات المنزلية المحلية لا لمجرد مساعدة الفقراء والمعدمين. ولكن للتمهيد لشق طريق التغيير نحو خلق الروح الصناعية والعصر الصناعي الجديد، ويمكن أن يتم هذا التشجيع في ميادين الغزل والنسيج وصناعة الصابون والعطور وأعمال الصيانة.
٤- يجب تأميم البنك الأهلي المصري كخطوة أخرى في سبيل الإصلاح المالي، ويجب أن يكون لمصر مطبعتها لطبع أوراقها النقدية، وأن يكون لها دارها الخاصة لسك النقود المعدنية.
5- يجب إلغاء بورصة العقود وإصلاح السياسة القطنية.
6- يجب إصلاح قانون الضرائب بحيث تفرض بشكل تصاعدي على رأس المال كما تفرض على الأرباح، ويجب استعمال حصيلة الضرائب لأغراض الدولة العامة ولرفع مستوى المعيشة ولخدمة مصالح الشعب. كذلك يجب أن يكون من أهداف الضرائب الحد من الإنفاق المفرط ومن البذخ.
7- تجب متابعة الإصلاح الزراعي دون هوادة فيقرر حد أقصى للملكية الزراعية، ويباع ما زاد عليه إلى من لا يملكون أرضًا بأسعار معقولة على اماد طويلة.
8- يجب إصدار قانون خاص بكراء الأرض وذلك لحماية المستأجرين من سوء استغلال اصحاب الأرض لهم بأخذهم حصة غير عادلة من محصول الفلاحين.
٩- يجب إعادة النظر في قانون العمل والاهتمام بالإصلاحات التي:
أ- تضمن للعمال جميعًا بما فيهم العمال الزراعيون، تأمينًا ضد البطالة والإصابات والمرض والشيخوخة والموت.
ب- تحتم تنظيم العمل.
ج- تؤمن للأجير حصة عادلة من الكفاية الإنتاجية المتزايدة، ويجب تدريب العمال الصناعيين والزراعيين في مهنتهم تدريبًا أوفى حتى تضمن زيادة كفايتهم الإنتاجية.
۱۰- وأخيرًا يجب أن يضمن لكل عامل «تأمين اجتماعي»، فلو عجز إنسان عن العمل أو لو كان عمله غير كاف أو كان غير قادر على العمل، فيجب على الدولة حينئذ أن تقوم بحاجاته من معين الزكاة ويجب أن تنفق الزكاة على المحتاجين في المنطقة التي جبيت فيها حتى يحس الأغنياء والفقراء على سواء بالمسؤولية المتبادلة.
فإن لم تكف لمقابلة حاجات المعوزين كان للدولة الحق في إرغام الموسرين على زيادة ما يدفعون إلى الفقراء إن لم يفعلوا ذلك عن طواعية واختيار.
تلك بعض ملامح المشروع الإخواني للإصلاح والتقدم، وهي قليل من كثير.