العنوان الإذلال
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 42
الجمعة 28-مايو-2004
وهل كنا نتوقع من الاحتلال الأمريكي أن يفعل بشعبنا في العراق غير ما فعل؟ هل صدقتم حقًّا أنه جاء لتحرير العراق؟ هل نسيتم التجارب الاستعمارية السابقة منذ أواخر القرن الثامن عشر ومنذ حملة الصليبي نابليون على مصر والشام؟
لقد أعلن الهمجي الصليبي حين وصل إلى مصر سنة ۱۷۹۸ م أنه جاء ليخلص المصريين والعرب من أولئك المماليك الأشرار، ولكنه فاجأهم كما يقول جدنا «الجبرتي» بالبارود واستباحة مقدساتهم،وربط خيوله في ساحة الأزهر الشريف ومحرابه، واختطف جنوده نساء المصريين واغتصبوهن على النحو الذي يرويه المؤرخون الفرنسيون أنفسهم.. فلا عجب أن ينهج أحفاده سبيله.أما سجن أبي غريب الذي خرجت منه صور التعذيب باللواط والاغتصاب والتعرية والكهرباء والضرب ووضع العصي ولمبات الإضاءة في أدبار العراقيين ووضع أطواق الكلاب في أعناقهم وجرهم عراة على بلاط السجن. فهذا أمر عادي بالنسبة للأولاد الرائعين، كما وصفهم رامسفيلد وسيده جورج بوش. أما قتل السجناء العراقيين تحت التعذيب، فهو أيضًا أمر عادي، ليس غريبًا على المستعمرين الصليبيين الذين أنكروا علمهم بما جرى ويجري، مع أن الأنباء أكدت أنه منذ نوفمبر ۲۰۰۳م، والتقارير تتوالى عن التعذيب الذي يتم بمعرفة أكبر جهاز للإرهاب في العالم وهو المخابرات المركزية الأمريكية مع المخابرات العسكرية للجيش الأمريكي.
لقد استقالت توتوايلر المشرفة على تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم، وكان سلفها في المنصب قد استقال أيضًا، لأنهما اكتشفا أن الدولة التي تعد نفسها رائدة الحرية في العالم. هي الدولة التي تمارس أبشع أنواع القهر والإذلال لشعوب العالم، وبخاصة الشعوب الإسلامية.
وإذا كان الناس قد انشغلوا بما جرى في سجن «أبي غريب» وسجون البصرة في الجنوب. فإن الجريمة الكبرى التي ارتكبتها أمريكا والقوات الصليبية الاستعمارية الأخرى، هي قتل أكثر من خمسة عشر ألف مدني بصواريخ كروز والطائرات المقاتلة العملاقة والقنابل العنقودية واليورانيوم المنضب!، لقد هدموا البيوت ودكوا المساجد، ودمروا البنية التحتية، وأذلوا شعبًا عريقًا مظلومًا، وجاء بول بريمر ليجلس على كرسي «هارون الرشيد». ويتلذذ بقتل العراقيين يوميًّا في «الفلوجة» ، و«بعقوبة» و«العمارة» و«الديوانية،» و«النجف» و«كربلاء» و«الناصرية » و«البصرة» و«الموصل و«كركوك« و»القائم », «الخالص«، و»المنطقة الخضراء«، وشمال بغداد وجنوبها وشرقها وغربها .. ويخرج «بوش» و»رامسفيلد«، و»أبوزيد« غير الهلالي. والجنرالات »مايرز وسانشيز وكيميت« ليشيدوا بعبقرية» الأولاد الرائعين«. يقصدون الجنود الأمريكان. في عملية تحرير العراق، ونقله من الدكتاتورية والطغيان والقهر إلى عصور التحرر والانطلاق والديمقراطية.!
بعد عام من الموت اليومي للعراقيين أطفالًا ونساءً، يشيد الغزاة بالأولاد الرائعين الذين يذبحون الشعب البائس ويستذلون، وينشرون صور الإذلال على شاشات التلفزة والنت وهم يأمرون العراقيين بالانبطاح على الأرض، ثم يقيدونهم، ويضعون الأكياس على رؤوسهم. ويدوسون على رقابهم، ليعبروا عن روعة الجندي الأمريكي رسول الحرية إلى الشعوب المتخلفة!.
الرئيس الأمريكي يقول: إن من يفعلون ذلك قلة لا تعبر عن جموع العساكر الأمريكيين الرائعين، وينسى أنه وعساكره دمروا شعبًا بأكمله! هو الشعب الأفغاني المسلم، لأنه أوى أشخاصًا قيل: إنهم مسؤولون عن هجمات سبتمبر، لم يقولوا إن من نسب إليهم هذا الفعل قلة لا تعبر عن أكثر من مليار مسلم، ولكنهم أصروا على معاقبة المسلمين جميعًا في بلادهم وخارجها، و فضلًا عن تدمير أفغانستان وقتل أكثر من عشرة. آلاف مسلم فقير بائس لا يعرفون أين تقع أمريكا على الخريطة، ولا يعرفون ماذا تعني نيويورك وواشنطن.
ولم يعتذر الرئيس الأمريكي ومستشارته للأمن القومي ووزير دفاعه للشعب العراقي ولا و الشعب الأفغاني ولا الشعوب الإسلامية، بل لم يسمحوا لجهات دولية بالتحقيق في جرائم العدوان بالتعذيب والقتل بالتعذيب والاستعمار بالعدوان.. كل ما قالوه، إنهم شعروا بالصدمة! ويا له من شعور!.
من وجهة نظري فإن الغطرسة الاستعمارية: تنطلق من تصور عنصري بغيض يرى أن "المسلم" أحط البشر على وجه الأرض، مع أنه هو الذي يغذيها بالمال والثروات والمعادن، لذلك تسلط عليه جيوشها وشذاذ الآفاق والطغاة حتى يتم نزع كل شيء يشعره بالكرامة والإنسانية فضلًا عن العزة.
هل تفصل ما جرى ويجري في العراق عن إبادة المسلمين في وسط نيجيريا، وقتل مئات المسلمين في جنوب تايلاند، و حرمان شمال قبرص المسلم من دخول الاتحاد الأوروبي، مع أنه وافق على خطة الأمم المتحدة، والقتل اليومي لعشرات المسلمين في الهند وكشمير والشيشان وجنوب الفلبين، فضلًا عن قتل الفلسطينيين بيد الجيش النازي اليهودي الاستعماري في فلسطين على مدار الساعة؟
كلا، إنها حالة إذلال ممتدة ومترامية ومتنوعة، وسببها واضح معروف يتمثل في الاستبداد والمظالم التي يعيشها المسلمون ويصنعونها بأيديهم، وبمساعدة الاستعمار الصليبي، وأول خطوة في طريقة مقاومة الإذلال هي مقاومة الاستبداد والمظالم، والتوحد أمام العدو الاستعماري على قلب واحد، وعدم الوثوق في أكاذيبه وتصريحاته ودعواه، ومقاطعته اقتصاديًّا وتجاريًّا وسياحيًّا، والاكتفاء الذاتي بالمواد الأساسية للحياة اليومية، وخاصة القمح والغذاء... وبعدها سوف يعرف الصليبيون الاستعماريون أن إذلال المسلمين ليس أمرًا مقبولًا