العنوان الاستراتيجيات الإعلامية الساقطة
الكاتب منال أبو الحسن
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009
مشاهدات 81
نشر في العدد 1837
نشر في الصفحة 28
السبت 31-يناير-2009
- الاستخفاف بالجمهور والعبث بعقول الجهلاء والاعتماد على المصادر الزائفة.. من طرق الإعلام الساقط لتحقيق أهدافه.
- حكومة حماس شرعية بكل المقاييس الأمريكية و «الإسرائيلية»لكن الإعلام المضلل لا يرى ذلك.
- الوسائل الإعلامية التي حمّلت حماس مسؤولية الحرب على «غزة» كشفت عن استراتيجيتها الساقطة.
لا أقصد سقوط الصحافة الصفراء التي ظهرت لتلهي الشعوب بما حوت من أحاديث فاضحة، وإشاعة للفاحشة والمنكرات؛ ولكن ما أعنيه من السقوط هو اتباع استراتيجيات سطحية مأجورة بثمن بخس، ترمي بأصحابها في الهاوية وترجعهم إلى العصور الوسطى باستخفاف الجمهور، واللعب في عقول الجهلاء.
تقوم الاستراتيجية الساقطة علي عناصر أساسية تحوي مصدرًا زائفًا للمعلومات غير قادر على توضيح حجته وبراهينه في القضية فيبدو للجاهل والعالم سيئًا على السواء، ويظهر متناقضًا في حديثه شكلًا ومضمونًا، فهو يريد أن يعبر بصدق عن الموالي لهم والمستنفع منهم ماديًا وأدبيًا، في الوقت الذي يريد فيه حفظ ماء الوجه أمام جمهوره، فيقع دون أن يشعر في التناقض الذاتي ليسقط في الهاوية..هاوية الكذب وفقدان المصداقية!
ومما يسقط المصدر: إعطاؤه المعلومة منقوصة على غرار(لا تقربوا الصلاة) فعندما يتحدث عن المقاومة في«غزة»، يتناولهم كجماعة تقف ضد الحق حتى أنها تمنع من يريد قضاء مناسك الحج(!) ويسكت، وأن حكومة حماس ضيعت شعبها وأوقعتهم في الهلاك(!) ويسكت مع العلم أنها حازت على أعلى درجات التأييد الداخلي والخارجي على السواء، في وقت ارتفعت فيه أعداد الشهداء والجرحى.
وأن هناك حربًا بين متصارعين على السلطة! مع العلم بأنها حكومة شرعية بكل المقاييس الأمريكية والإسرائيلية، جاءت بانتخابات حرة نزيهة، ولكنهم يتباهون بالديمقراطية ويسألون المسلمين عن إمكانيات تطبيقهم لها داخل البلاد العربية باعتبارهم دولًا نامية لا تقدر عليها، وأنهم غير مؤهلين لها مع العلم بأنهم هم الذين لا يرضون بتطبيقها في الدول الإسلامية!! ومن العجب أنها طبقت في«إيران»، و«لبنان» و«غزة»، و«السودان»، فوصفوا جميعًا بالإرهابيين، فهل هي مذهب ديمقراطي، أم هي مذهب إرهابي!
لقد اعترف أحد الحكام العرب أنه إذا طبق الديمقراطية فسيخسر الانتخابات ويفوز الإسلاميون المعارضون لسياساته، وبذلك وجد الحجة لعدم تطبيقها، واستخدم لذلك كل السبل غير الدستورية وغير القانونية، وغير الشرعية، لإسقاط الديمقراطية التي ما زالوا يتباهون بها.
يتحدث المصدر عن المآسي التي واجهت البلاد في الحروب ضد الصهيونية، ويجعل ذلك حجة للسكوت عن القضية، ويرمي الآخرين بالتقاعس، وأن على الباقي أن يتحرك وأن يدعنا وشأننا، في الوقت الذي يحاول فيه إقناع الناس بأننا قلبهم، وعقولهم! فيسقط في تناقضات بين القومية العربية والمواقف المخزية.
ويأتي الشريط الإخباري المتحرك على شاشة الفضائيات ليزيد الطين بلة فيتحدث المصدر عن الخلاف بين الفصائل الفلسطينية، و«حماس» وأنه سبب للمصيبة في الوقت الذي يكتب على الشريط موافقة جميع الفصائل الفلسطينية على موقف«حماس»!
إن هذه التكنولوجيا فرضت أشياء يصعب مراقبتها جميعًا، ويصعب سرعة تشكيلها بما يتفق مع رأي المصدر المتناقض والمصنوع بما يحمله هذا الشريط من أخبار حديثة يتم نقلها في وقت قريب من حدوثها إن لم تكن مباشرة وسريعة، فجاءت هذه التكنولوجيا لتفضح المصدر أمام الجمهور.
وعندما يتحدث المصدر عن عدم شرعية المظاهرات، وعدم جدواها، والوقوف أمام الجماهير المتظاهرة، واعتقال منظميها وحاملي راياتها ومن يقومون بها، وحشد عسكري لكل متظاهر، وأن هؤلاء المتظاهرين يسببون الفوضى وعدم النظام، يقعون في التناقضات عندما يضطر الإعلام-آسفًا- لنقل المظاهرات في الدول العربية وغير العربية، فيقع في السقوط؛ فلا يستطيع إقناع الناس برسالته، ولا يستطيع تقديم الحجة المصورة لذلك.
وعندما يريد الاستعانة بمصدر متخصص ليقوي حجته يقع في سقوط سذاجة التحليل العلمي والتطبيقي؛ فهذا محلل عسكري يصف عدم حكمة حماس بأنها لم تلجأ لوضع شريط لاصق على زجاج المنازل ودهان الزجاج باللون الأزرق، كما كنا نفعل في الستينيات! فهل هذا المحلل العسكري عرف نوعية السلاح المستخدم الحديث والمحرم دوليًا؟!
لكن المذيع تابعه بالرد الساقط أيضًا وأضاف رؤية فاسدة على تحليل فاسد بأن هذا الأمر إذن يعبر عن عدم قدرة حماس على حماية شعبها وضعف قدراتها القتالية، واستعان أحد المحاورين في الإعلام الساقط بإحدى الباحثات في العلوم الاجتماعية لتروي تأثيرات العنف التليفزيوني على الأطفال، مشيرًا بشكل غير مباشر إلى القنوات التي تعرض صور الأطفال الجرحى والشهداء على أنها تؤدي رسالة سلبية على المجتمع بكل المقاييس، في الوقت الذي لم يستطع عرض الفقرة إلا بالاستعانة بلقطات من هذا القبيل فتبدو الصورة أكثر حرجًا للكلمة، ويقع في المتناقضات الأبشع لأنها بين كلمات أقل قوة وتأثيرًا، وغير موضوعية، وبين صور أكثر قوة وتأثيرًا وصدقًا وواقعية.
ومن الاستراتيجيات الساقطة في التناول للرسالة الإعلامية سرعة تغيير وقلب توجهاتها، فمرة تتناول الرسالة الوطنية باعتبارها الحدود السياسية للبلد، وعليه تعرض القرارات السياسية بالاعتقال لكل من يرفع شعار نصرة غزة قرارات تستحق المساندة لما تمثله المظاهرات من تهديد الأمن البلد! ومرة أخرى يقع هذا الإعلام في مأزق نقل الرسالة السياسية الخبرية التي تؤكد على الدور الأساسي للبلد في حل الأزمة، وأنه لن يتم حلها بدون الجهود السياسية لمصر:
«سوف تنحاز في نهاية المطاف لهويتنا العربية وأهدافنا الواحدة»، «مصر ستظل في جانبكم في محنتكم».
أما أن تكون الدنيا في واد والإعلام في واد آخر فحدث ولا حرج؛ فهؤلاء الأطفال والنساء يقتلون والمنازل تهدم وتمتلئ المستشفيات بالجرحي وهذا الإعلام يتحدث عن الأصول الغربية في السلوكيات(الإتيكيت)، ويعرض الأفلام الدرامية القديمة الأبيض والأسود كـ«قنديل أم هاشم» وغيرها فيستخف بالرسالة الإعلامية، ويجني جمهورًا مستخفًا به مسقطًا له من أجندته الإعلامية.
أما الجمهور وهو العنصر الرئيس في الإعلام فتجده مستبعدًا عن الشاشة، ولا وجود له، أما الجمهور المستعان به فإما أنه جمهور متفق معه على المشاركة في الإطار المسموح به فقط، أو جمهور مضلل لا يرى ولا يسمع غير هذه الرسالة، وغير قادر على إعطاء معلومة سليمة أو حجة مقنعة، بينما جمهور الشارع الواعي والمثقف لا توجه له عدسات الإعلام لنقل انفعالاته، ومشاركاته الإيجابية مما يجعله في النهاية يعزف عن مشاركته في هذا الإعلام، ويفقد المصداقية فيه لعدم اعتباره إعلامًا جادًا، أو موضوعيًا، ولا يتقبل رسالته مما يفقد هذا الإعلام عنصرًا أساسيًا من عناصر الاتصال فتتفكك سلسلته، ويصبح كمن يؤذن في فلاة ولا يسمعه أحد.
أما تكنولوجيا الاتصال الحديثة في نقل الخبر وسرعته فلم يتم استخدامها ليس لعدم وجودها، ولكن الأمور أخرى منها: الظروف الأمنية، وعدم الحرية في نقل الخبر والرعب النفسي للإعلامي من حساسية الخبر للسياسية الإعلامية المؤسسته، وطول مدة الإجراءات التي تتخذ قبل نقل الخبر وعدم وجود مراسلين في مكان الحدث ومعاداة سياسات الإعلام الأخرى التي توجد في مكان الحدث، وتتمتع بقدرتها على المخاطرة، وحرية الكلمة وحرية نقل الصورة مما يحرم الإعلام من الاستفادة من التقنيات الحديثة لنقل الخبر فيفتقد سرعة النقل والموضوعية والحداثة والمصداقية والجدية ويضطر آسفًا إلى عرض الخبر متأخرًا مشوهًا من كثرة ما وقع عليه من تغييرات ويصبح إعلامًا ممسوخًا لا يرقى لرضاء حتى صاحبه، فلا يلومن إلا نفسه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل