العنوان الإسلاميون والحراك السياسي الجاري في "سوريا"
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2001
مشاهدات 43
نشر في العدد 1444
نشر في الصفحة 36
السبت 31-مارس-2001
ليس منة من أحد أن تضفي صفة المواطنة على أي مواطن، أو أن يتمتع بحقوق هذه الصفة حدًا أدنى من الحرية والأمن بجميع أنواعه، فذاك حق له، وجدت الدول والحكومات – في الأصل – من أجل ضمانه والمحافظة عليه، ولقد ضمن الإسلام هذا الحق، ووضع مسؤولية تحقيقه في أعناق الحاكمين، والنصوص في ذلك كثيرة.
فقد جاء النص في القرآن بتكريم الإنسان من أي لون كان أو عرق أو جنس أو رأي: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠)، كما حدد القرآن جذرًا واحدًا للناس، وبيَّن أن اختلافهم فيما بعد في الأعراق والأجناس والألوان ليس إلا إثراء للوجود، ووسيلة للتعارف والتقارب، وصورة للتكريم الذي يعلو بقدر اقتراب هذا الإنسان من القيم العليا، التي تخدم وجوده في الدارين، وتغني عملية ارتقائه في علاقاته الوطنية والإنسانية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳)، وقد اتفق علماء الإسلام وفقهاؤه وأئمته على أن أهم أهداف الشريعة الإسلامية تتمثل في المحافظة على خمسة حقوق كبرى للمواطن، هي: «حفظ النفس، والعقل، والدين، والمال، والنسل».
والمتأمل في هذه الحقوق الكبرى يجدها شاملة لكل الحقوق الإنسانية، بدءًا من حق الحياة، وانتهاء بالاختيار الحر للدين والرأي، ومرورًا بحق التفكير وحفظ المال وحرية التداول فيه، وكل ذلك في حدود أمن الناس العام، والحفاظ على مجتمعهم، وما تواضعوا على احترامه من قيم ومبادئ دون إكراه، ولم يكن قول عمر -رضي الله عنه-: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، إلا قولًا منطلقًا من فهمه لمهمة الحاكم المسلم، ومن هنا جاء حكمه في قضية سباق القبطي مع ابن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – إذ قال للقبطي: «اضرب ابن الأكرمين»، ولم يكن ابن الأكرمين هذا إلا ابن حاكم مصر، ولم يكن صاحب الحق إلا شخصًا عاديًا من الشعب المصري، وبذلك وضع عمر – رضي الله عنه – أصل الأصول في حفاظ الحاكم على كرامة المواطن وحريته، كما أصلُ المهمة الحاكم الذي وكل إليه أمر القيام بها، بناء على عقد البيعة المستند إلى حرية الاختيار والعدل المستمد من قوله تعالى: (إِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ۚ) (النساء: ٥٨)، ومن قول رسوله ﷺ «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا الأبيض على أسود إلا بالتقوى»، أي أن المفاضلة قائمة في مجتمع الإسلام على السبق في خدمة المجتمع، وعلى التمسك بقيمه وأصوله، كما أن النصوص الوضعية العالمية اتخذت سبيلًا مشابهًا في المحافظة على حقوق الإنسان، وإن كان الإسلام قد سبقها إلى ذلك بأربعة عشر قرنًا. كما تضمنت دساتير معظم الدول نصوصًا تشير إلى الالتزام بهذه الحقوق – نظريًا على الأقل – إذ إن التطبيق العملي لهذه النصوص – الإسلامية منها والوضعية – لم يكن دائمًا على ما يرام، بل كثيرًا ما وقع الحاكم في عملية اختراق واعتداء عليها، وهو ما كان يدخل الدول والمجتمعات في حالة من الفصام بين الحاكم والمحكوم، وقد ازداد اختراق هذه الحقوق، وبرزت عوراته بشكل فاضح منذ قيام الدول القطرية في بلاد العرب والمسلمين، إذ أصبحت صلاحيات الدولة وقواها طاغية، وأصبحت منظمات المجتمع الأهلية تابعة للدولة، فلا دور لها إلا تسويغ ما تقوم به من إلغاء الحراك المجتمعي السياسي والاقتصادي الحر.
تساؤل ورد
حدث أحيانًا أن اخترق الحاكم في الدولة الإسلامية التاريخية حقوق الإنسان، غير أن المنظمات الأهلية الكثيرة كانت تقوم بدور كبير مؤثر، يخفف من آثار تلك الاختراقات، في حين
أصبح هذا الاختراق رهيبًا في عهد ما يسمى «بعصر النهضة وقيام الدولة القطرية» بديلًا عن الخلافة، بسبب طغيان السلطة وغياب المؤسسات الأهلية، أي ما يدعونه اليوم «منظمات المجتمع المدني»، وأصبحنا نسمع ونقرأ – آسفين – تساؤل المتسائلين: "هل يعود الإسلاميون السوريون إلى بلادهم؟» كما أصبحنا نسمع ونقرأ على لسان المسؤولين السوريين قولهم: «إن الاعتراف بحق المواطنة وحرية المواطن يحتاجان إلى دراسة متأنية وتطوير على مهل وحرص أمني شديد»، مع أن هذا الحق هو أصل وجود الحاكم وأساسه، وأصل مهمته وأساسها، وسبب نجاحه ونجاح مجتمعه وتقدمهما، إذ بدونه لن تكون دولة ولا مجتمع، بل إنها تتحول إلى فئوية وفردية أو حكم الحزب الواحد سيئ السمعة، الذي مهما حاول المحاولون تزيين واجهاته، فإنهم لن يفلحوا في النهاية إلا في تمديد أمد الأزمة الوطنية، وتعميق أزمة المواطن ومعاناته اللتين لا تؤديان إلا إلى اللامبالاة والتخلي عن الواجبات، وفي النهاية إلى التخلف والفساد والبوار. فهل تساؤل أحدهم البريء: هل يعود الإسلاميون السوريون إلى بلادهم في محله؟ وهل التوجه الرسمي القائل به بحاجة الحرية والمواطنة الحقة والحراك المجتمعي إلى دراسات عميقة ومتأنية وبطء» توجه منطلق من الشعور بالمسؤولية تجاه قضية حق المواطنة ومبني على أساس القناعة بها، أم هو تعلل يبتغي التخلي ببطء عن الوعود ومقولات البداية؟
لابد من تأكيد بدهيتين
أولاهما: تقول إن وجود الإسلاميين القسري خارج وطنهم ناتج أصلًا عن خروق بالغة ألمت بحق الإنسان السوري عامة، والإسلامي خاصة، وكانت هذه الخروق نابعة أصلًا من نظرة رسمية غير معترفة بحرية الحراك، أو حق المواطنة، أو تعددية الرأي، أو حرية الفكر والتفكير المثري المسيرة الوطن.
وأما البدهية الثانية فهي تبين: أن سؤال المتسائل يجب أن يكون بالصيغة التالية: هل عودة – المواطن إسلاميًا كان أم غير إسلامي – إلى وطنه محتاجة لكل الزمن الذي مضى منذ القول بحركة التغيير، ثم هل هي محتاجة لكل تلك الأسئلة المبتدئة به كيف أو لماذا أو متى»، أو محتاجة فعلًا إلى الدراسات المتعمقة والمتأنية والتأمل البطيء بحيث يكون المواطن بحاجة إلى قرار من فوق الممارسة المواطنة التي هي حق طبيعي للإنسان؟
في ضوء هذا الفهم للنص الرسمي القائل بالحاجة إلى التأني والتأمل أو الدراسة قبل الاعتراف بممارسة حق المواطنة للمواطن نستطيع فهم المفارقة العصية على التفسير والقائمة بين النص الرسمي للرئيس بشار القائل «إن سورية مفتوحة أمام أي عربي»، وبين الواقع العملي حيث الأبواب مغلقة أمام عشرات الألوف من أبناء "سورية" ومواطنيها وأهلها.
لقد وضع الإسلاميون السوريون الكرة في مرمى الرئيس بشار، الذي ابتدأ عهده بوعود التغيير، فعرَف الديمقراطية بأنها تنبع من الاعتراف بالآخر، ذلك الاعتراف الذي يعطي المعترف حق المطالبة بالاعتراف به أيضًا فلقد اعترف الإسلاميون بالآخر من خلال خطابهم السياسي والإعلامي، فأعلنوا وكرروا الإعلان في بياناتهم وتصريحاتهم عن رغبتهم التعامل معه ومع توجهاته الديمقراطية، التي تكلم عنها في خطاب القسم أمام مجلس الشعب السوري، وتعهدوا من خلال الإعلان المتكرر بالالتزام بمبادئ أساسية، تعود إلى أصل قضية المواطنة، معتمدين في ذلك على نصوص الشريعة السمحة، ثم على نصوص حقوق الإنسان الدولية، وبعض مواد الدستور السوري، آملين في التعاون البناء مع كل من عنده الإرادة والتصميم على إنفاذ وثيقة شرف وطنية، تتجاوز إحن الماضي وخطاياه، وكل ما تحمله المواطن من معاناة، وتتبنى سبيل الحوار، ونبذ العنف من «أجندات» التعامل الوطني، وتعترف بالآخر أيًا كان موقعه ومشربه شريكًا في صنع الوطن وتقدمه وحماية وحدته الوطنية وحدوده الجغرافية.
أولوية عملية
إن صنع صيغة مناسبة لسورية الحاضر والمستقبل يحتاج إلى بعض التأمل والتأني والمشاركة الوطنية العامة في النقاش، لكن إعادة حق مهم من حقوق الإنسان إلى مواطن – مثل عودته إلى حضن وطنه، ومشاركته المثمرة في الصياغة الجديدة – هي أولوية عملية لا تحتاج إلى تساؤل أو أكثر يطرح في مقدمة القضية، ليضفي مزيدًا من التعقيد عليها، أو ليعطي مسوغًا أو أكثر المقولة التباطؤ، التي يروج لها بشكل أو بآخر، كما لا تحتاج أبدًا إلى مزيد من التنظير أو انتظار حلول ذكرى أو مناسبة، لأن كل لحظة انتظار تمر على المواطن مبعدًا أو مأسورًا أو ممنوعًا من المشاركة، إنما هي لحظة محسوبة لصالح التراجع عن إشارات التغيير.
إن الإسلاميين لم يكونوا يومًا بعيدين عن فهم وتحليل الواقع والظروف وما يتحكم فيه وفيها، إذ إنهم عاشوا ويعيشون في لجته وتياراته وعانوا نتيجة تمسكهم بممارسة حقوق المواطنة والمشاركة والحرية، فهل ينتظر الناس في سورية رحى التغيير تدور لتضع الجميع على بوابات مسؤولياتهم تجاه وطنهم الذي أحبوه وأحبوا أن يكون وطن الأمن والحرية والمشاركة المتعددة المثرية؟ أم أن ما يجري الآن هو بداية محاولة لكبت الكلمة الحرة، التي سمع صوتها مؤخرًا خارج "سورية" وداخلها، ولإعادة إنتاج القمع بثوب جديد، وذلك عن طريق الاتهام بالعمالة لمن يطالبون بالتغيير، ثم لتوقف منتدياتهم، باعتبار أن أي حرية متحركة لابد أن تكون مصادمة لحراك وفكر الحزب المحتكر للكلمة والقرار في "سورية" منذ ثمانية وثلاثين عامًا وحتى اللحظة؟
المثقفون السوريون يجرَّدون من الثقافة والوطنية لماذا؟
بقلم: محمد الحسناوي
لماذا يستنفر الحزب الحاكم في "سورية" وتستنفر قيادته القطرية ووزير الإعلام ورئيس الجمهورية فضلًا عن أجهزة الإعلام المؤممة وكتاب السلطة لتسفيه المثقفين وإعلان الحجر عليهم، بل تجريدهم من صفتهم الثقافية، ثم الطعن بوطنيتهم أيضًا، تحت ستار التمييز بين المثقف حسن النية وسيئ النية، بين المثقف (الجاهل) وغير الجاهل، بين المثقف الوطني والمثقف العميل (!).
إن نهضتنا الحديثة بكل جوانبها السياسية والأدبية والاجتماعية كانت إحدى ثمار الجيل المثقف من طلاب وزعماء أحزاب ومناضلين ومجاهدين وشهداء من "سليمان الحلبي" إلى "إبراهيم هنانو" إلى "سعد الله الجابري" إلى "فارس الخوري" إلى الشيخ "عز الدين القسام" و"عبد الرحمن الكواكبي" و"محمد كرد علي" و"بدوي الجبل".
وإن الإقطاع أو ما يسمى بالعهد الإقطاعي كان عدوًا للعلم والتعلم والثقافة والمثقفين، ومع ذلك لم يحجروا كل هذا الحجر على النخبة السورية المثقفة، كما يحجر نائب رئيس الجمهورية حين يضع شروطًا خمسة للمنتديات الوطنية للحوار، وهي شروط تعجيزية، ولا كما رماهم به وزير الإعلام عدنان عمران من عمالة للأجنبي وقبض الرواتب من السفارات.
نقد كانت مأساة شهداء السادس من "مايو" معلمًا بارزًا في تاريخنا الحديث، فهل هناك تحضير المجزرة جديدة للمثقفين على هذا الطراز بعد انسلاخ قرن كامل، تقدمت فيه الأمم، وسقطت امبراطوريات شمولية، وأصبحنا في عصر انفجار المعلومات، وتحولت الدنيا كلها إلى قرية صغيرة؟
من مظاهر الاستنفار الحزبي الحكومي ادعاء بعضهم أن مثقفي سورية كانوا غائبين مثل أهل الكهف في الماضي، فهل يحق لهم الظهور الآن؟ إن تهمة الغياب ساقطة، إلا إذا اعتبرنا التغييب في السجون غيابًا، وتكميم الأفواه غيابًا، وهجرة العقول والأدمغة غيابًا، واحتكار الإعلام والطبع والنشر غيابًا للآخر.
ومن الدعاوي الساقطة ضد مثقفي سورية أن يُعتدى على الأديب "نبيل سليمان" بسبب إقدامه على افتتاح منتدى الحوار في "اللاذقية"، ثم يتهم الإسلاميون بالعدوان عليه، رمتني بدائها وانسلت» وهي لعبة مكشوفة ضمن الحملة الأمنية الاستنفارية، ومن هذا القبيل أن يحتج أحد المستنفرين بالإسلام وبأقوال الخلفاء الأربعة ضد مثقفي "سورية"، فيلوي أعناق النصوص، ولا يذكر كلام عمر بن الخطاب الجامع المانع: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».
فالحزب الحاكم حزب علماني حين يريد، وحزب إسلامي أصولي حين يريد، وعلى الطريقة التي يريدها أيضًا، لأن الغاية ليست هي الحقيقة أو الحرية أو الديموقراطية، بل احتكار الرأي، والقرار، والفساد، والإفساد.
إن الحزب الحاكم بقيادته ومراكز قواه يعلم حق العلم أن مثقفي "سورية" ليسوا جهلة وليسوا خونة فضلًا عن معرفة الشعب بهم بشرائحه كلها، فلماذا هذه الغضبة غير المضرية وغير الحضارية؟
من مصلحة الحزب الحاكم ومراكز قواه أن يعترفوا بنقاط الخلاف موضوعيًا إذا كانوا يريدون شيئًا من احترام العقول أو النفوس، وهي التي صرحت بها وثيقة المثقفين الأولى والثانية: (وثيقة الـ ۹۹ ووثيقة الـ ۱۰۰۰) مثل: التخلي عن حكم الحزب الواحد وتعديل الدستور، والفصل بين السلطات، والقضاء المستقل والحريات العامة واحترام حقوق الإنسان وبمعنى آخر إنهاء استغلال المستغلين وفساد المفسدين واحتكار المحتكرين والشفافية ثم الشفافية.
من العدل أن نحدد نقطة الخلاف حول حكم نيابي يمثل الشعب تمثيلًا حقيقيًا بكل أحزابه السياسية وشرائحه الاجتماعية ونخبه الثقافية وغير الثقافية، ونعتقد أن تضليل الناس عن حقيقة مواطن الخلاف ضعف في أدمغة الحزب الحاكم، وخوف متأصل في نفوس الأباطرة الأمنيين، ورهاب في قلوب اللصوص الكبار باسم الحزب والنظام والاستقرار المزعوم المظلوم.
ليطرح الحزب الحاكم رؤيته الأحادية في السياسة والاجتماع، كما يطرح الآخرون التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، وإذا كان الحزب يعلم حق العلم ضعف طرحه.
فضلًا عن ضعف تطبيقه، بل إخفاق تطبيقه وتنظيره في آن واحد، فالذنب ذنبه هو وليس ذنب المنادين بالانتخاب الحر وبالديموقراطية والمجتمع المدني.
إن الحزب الحاكم ومراكز قواه يعلمون حق العلم أن مثقفي "سورية" – ومعهم المعارضة – حين يذكرون التراث الديموقراطي السوري قبل ثلاثة عقود إنما يشيرون إلى الفترات المشرقة في تلك العهود، وليس للانتداب والانقلابات العسكرية، فلماذا التمويه، وتحميل المثقفين ما لم يقولوه وما لا يؤمنون به أصلًا، إن كانت الغاية التعاون على الإصلاح والتطوير والتحديث؟ نعم كانت في سورية أحزاب متعددة، وانتخابات برلمانية وقضاء حر نزيه، كما ان استذكارهم لتلك الفترات ليس لاستنساخها، بل لاستكمالها والانطلاق منها والتأسيس عليها، شأن الذين يعتزون بصدر الإسلام أو بالعصور الذهبية في صدر الخلافة، لأن التاريخ لا يستنسخ، وإنما القيم تبعث، ويتم استلهامها والتعامل معها من خلال الواقع الحي المتجدد المتطور، كل المثقفين ورجال المعارضة يفهمون ذلك ويعرفونه، فهل يجهله قادة الحزب ومراكز قواه؟
من العدل والإنصاف أيضًا أن حزب البعث في سورية كان حزبًا من الأحزاب، ولم يكن، ولن يكون كل الأحزاب ولا كل "سورية"، وقد جرب حظه وكل ما وسعه من قوة طوال أربعة عقود، فماذا أعقب؟
نصارحكم: أن أسطوانة التخوين، وتعميم النوايا السيئة على طليعة الشعب ونخبته المثقفة لم تعد تجدي، بل هي «عملة» قديمة بطل تداولها، ولاسيما حين ينقلب الحاكم وحزبه من اليمين إلى اليسار وبالعكس وإلى كل الجهات، ولا يحسب الشعبه ولا للتاريخ حسابًا، وحين يصبح الحزب والحكم مزرعة للمنتفعين غير الشرعيين، الذين هم فوق القانون والمسالمة.
هل يخطيء المثقفون والمعارضة حين يدعون الحزب الحاكم إلى كلمة سواء، إلى إعادة نظر موضوعية بالأوضاع، حين يتبعون الوسائل السلمية، حين يعطون عهد الرئيس الجديد مهلة أولى وثانية للإصلاح، وحين يقترحون – مخلصين – طرق الإصلاح، وتدرجه وأنواعه وأولوياته.
إذا صبر المثقفون والمواطنون طوال ثلاثة عقود، وأصروا على اتباع الوسائل السلمية: الكلمة المعلنة، والرأي المكشوف تحت الشمس، فهل جزاؤهم التهم الباطلة، والظلم السافر، وإغلاق المنتديات، وحرمانهم من منابر داخل البلد، في الوقت الذي تدان فيه الكتابات حين تنشر خارج البلد؟ هذا وضع يخالف سنن التاريخ والاجتماع والسياسة، ولا يمكن أن يدوم بحال من الأحوال، فلينظر المتخندقون وراء التعصب والأقفال والقضبان الحديدية والجهل والجاهلية والنظرة الأحادية والاحتكارية ماذا هم فاعلون، لأن السنن ماضية شاؤوا أم أبوا.
أيها السوريون: عظم الله أجركم في المجتمع المدني
محمد صالح الشمري
«نحن نعمل ما نريد ونحن كحزب بعث فإننا أكثرية ومن يقف أمامنا فإن مصيره قطع الرقاب» بهذه الكلمات التي تفوح منها رائحة الدم والذبح ومسح الأعناق يحاور رئيس «مجلس الشعب» جمهرة المثقفين الذين ظنوا أن شعاع شمس قد نفذ من جدار الظلمات التي أقامتها ثلاثة عقود من الرعب القاتل.
وعلى الوتر نفسه يعرف النغمة ذاتها وزير الإعلام عدنان عمران وهو يهز العصا الغليظة في الوجوه الشاحبة التي حُرمت من النور كل تلك السنوات العجاف مستخرجًا من الصندوق الصدئ العبارات المهترئة الممجوجة المكرورة التي نسيت معانيها ويهتت ألوانها من مثل: مرتزقة عملاء للغرب يقبضون من السفارات الأجنبية. يريدون الإساءة للوطن.. إلخ. ويزيد "عبد الحليم خدام" في الطنبور نغمًا، بل أنغامًا لتكتمل سيمفونية الموت وهو يحذر المثقفين من الجزأرة و«اليوغسلافية» بكل ما تحمله هاتان الحالتان من روائح الموت والقبور الجماعية ثم يستل قائمة الشروط التعجيزية الشايلوكية لكل من تسوَل له نفسه أن يعقد منتدى أو يذكر اسم الحرية أو يتحدث عن مجتمع مدني ونظرة خاطفة إلى تلك القائمة السوداء المطرزة بلون الدم التي تستحضر من رفوف التاريخ أجواء غورو وإنذاره إلى أبناء الشام أنفسهم حيث يقول في إنذاره:
-يجب أن يتقدم صاحب المنتدى بطلب رسمي إلى المحافظ قبل أسبوعين «على الأقل»، تأمل جمال هذه الـ «على الأقل» في سياقها المأساوي، قبل افتتاح المنتدى.
«وأن يحصل على موافقة رسمية على أسماء الأشخاص الذين سيلقون محاضراتهم وأولئك الذين سيشاركون بمداخلات أو ملاحظات»
و«أن يقدم، صاحب المنتدى «ما غيره»، لائحة بأسماء الذين سيحضرون الجلسة»، ومن العسير على العقل السوي أن يفهم كيف يتمكن المسكين صاحب المنتدى من الحصول على أسماء الذين سيحضرون إذا كان المنتدى عامًا وليس خلية حزبية أو مجلس إدارة، أو صفًا في مدرسة ابتدائية؟
- «أن يعطي فكرة مسبقة عن النقاش الذي سيدور في المنتدى».
- «وأن يحدد زمان انعقاد المنتدى ومكانه»
- «وأن يأخذ موافقة الأمن السياسي على عقد المنتدى»، مع ملاحظة أن القرار بالموافقة على المنتدى سيكون مركزيًا أي أن المنتدى الذي ينوي أحد عقده في القامشلي مثلًا في أقصى الشمال الشرقي من "سورية" عليه أن يحصل على موافقة له من "دمشق" العاصمة.
فهل يصدق عاقل أن هذه القائمة من الطلبات التعجيزية تصدر من أجل جلسة حوار لا من أجل مناورة بالذخيرة الحية أو مظاهرة احتجاجية أو ما شابه ذلك؟
أما الحزب الذي نُفض عنه الغبار بعد طول سبات نسي خلالها حالة تدعى الانتخابات وأدمن سكونية التعيين ورتابته ووصوليته هذا الحزب بعينه أعلن فجأة حالة «الاستنفار» ونشطت المومياءات المحنطة لتطوف الفروع المرسومة على جدران المدن والقرى والأنحاء تنوح بكاريكاتورية متهافتة تبكي الاستقرار ومصلحة الوطن والمواطن.
والمواطن المذهول المجرد من الحول والقوة يتلفت حوله باندهاش فهو لا يدري من سمح الشعاع الشمس الواهن هذا أن ينفذ إلى القبو الرطب المظلم فينغَص على نسيج العفونة حالة «السلطنة» التي ينعم بها منذ ما يزيد على ثلاثين عامًا من الهدوء والسكون وصمت القبور.
المواطن المذهول لم يستطع تمييز الوجوه أو المواقع، فالذين خلعت عليهم ألقاب الثقافة هم من جسم النظام ومن أحاده الذين كانوا حتى الأمس القريب يلبسون اللباس الموحد ذاته الذي فُصَل منذ ثلاثين عامًا وارتداه الجميع دون استثناء مرددین ترنيمة الاستبداد والخنوع. وها هو اليوم يراهم يتمايزون إلى: مثقفين يطالبون بحقوق الإنسان وبالحرية. وبالتعددية السياسية وحتى بالتداول السلمي للسلطة «تصور» وإلى حرس قديم يمجد الاستقرار مستعيرًا المارشات العسكرية والألفاظ المعلبة الجاهزة للاستعمال في المناسبات الرسمية من مثل: المواجهة مع العدو الصهيوني والتهديدات الخارجية والخوف على الجبهة الداخلية... إلخ.
إن المرء ليعجب من قدرة ندوتين أو ثلاث، عدتها الكلام ومعظم فرسانها من الوجوه المألوفة في المؤسسات الرسمية المؤممة، على تحريك كل تلك الديناصورات وبكل هذه الشراسة التي تتوعد وتنذر وتهدد بمسح الأعناق. ومن السذاجة أن تُفسر ردةُ الفعل هذه بالقدرة الجبارة للندوات الآنفة فلابد إذن من محرك «سوبر»، آخر لهذه الحركة الزلزلة يمكن تلخيصه بعناوين موجزة، أما التفصيلات فتحتاج إلى مقالات، من هذه العناوين: الخوف على المصالح، وهي مصالح «محرزة»، تتقلب في نعماء الآلاف من ملايين الدولارات والمناصب الرفيعة والسلطة المغرية وهذه كلها، على حلاوتها، تهون أمام الرعب من دنو ساعة الحساب على ما فرطوا في جنب الوطن والمواطن.
وعظم الله أجركم في المجتمع المدني الذي صحا صحوة الموت ثم أعيد إلى نعشه وسجي ثانية تحت حراسة الديناصورات التي ظن المجتمع البشري الساذج أنها انقرضت منذ قرون طوال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل