العنوان الإسلامي أقرب من العلماني.. فلماذا التواصل مع الثاني وهجر الأول؟ الحاجة إلى لجنة لتنسيق المواقف في كردستان العراق
الكاتب سعد أبو مصطفى
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
إن معالجة الاختلال في مسيرة العمل الإسلامي في كردستان العراق، بات مطلوباً ولاسيما أن المتغيرات قد ادخلت كردستان منعطفًا سياسيًا خطيرًا «وبخاصة بعد حرب الخليج»، لذا يتوجب على أبناء كردستان الغيورين على دينهم أن يقفوا بحزم ضد من يحاول المساس بعقيدة الأمة ودينها.
ولما كانت معالجة تلك الاختلالات من أوجب الواجبات، والزم اللوازم على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، حتى يعوا حقيقة وطبيعة المرحلة القادمة وابعادها، فإن تسليط الضوء على هذه القضية ضرورة شرعية تتطلبها المرحلة.
كان لسقوط الخلافة العثمانية وتجزئة البلاد الإسلامية إلى دويلات تحت ما يسمى «بالاستقلال الوطني»، النصيب الأوفر في إضعاف الأمة الإسلامية، وتغذية النعرة القومية بين الأجناس في بلاد شتى، ومنهم الأكراد الذين كانوا يحبون الإسلام ويتفانون من أجله ويقدمونه على الأفكار القومية والأنظمة الوضعية، والدليل أنهم رفضوا معاهدة سيفر بعد الحرب العالمية الأولى التي طرحت عليهم منحهم دولة مستقلة، فقد أدركوا حينئذ خطورة اللعبة السياسية التي ترمي إلى تمزيق الأمة، فنادوا باتحاد إسلامي شامل، ولكن الآن تغيرت المنحنيات والاتجاهات إلى شعب وطرائق عدة، وازداد الحال سوءًا.
وفي كردستان كان لدور صعاليك المستعمر وعيال أمريكا البررة وفراعنة الباطل الفجرة أثر كبير في تنفيذ وترسيخ الخطط الماكرة لمسح الوجود الإسلامي في المنطقة من خلال سياسة التجويع والتطويع والتدمير وإخضاع الشرفاء الكرماء وبهذا أصبحت كردستان أرضًا لزرع الأفكار الهدامة، وبث سموم الرذيلة، ومسرحًا تتوالى عليه العمليات العسكرية لتصفية حسابات القوى الإقليمية على حساب الشعب الكردي.
وقبل أن نلج في استعراض بقية الأمور، نلقي نظرة فيما سجله التاريخ بحق مسلمي الأناضول:
يعتقد الكثير أن القائد محمد الفاتح وحده الذي فتح القسطنطينية، والحقيقة ليست هكذا. فجيش وشعب هذا القائد هم الذين كانوا وراء هذا الفتح المبين بصغار عرفوا الله ورجال باعوا العمر. وشيوخ كانوا شعلة، وقصة محمد الفاتح الشهيرة حين نزل في يوم من الأيام إلى أسواق اسطنبول خلسة بحجة شراء بعض احتياجاته من أحد الباعة، دليل ساطع على ذلك، فلما اشترى قسمًا منها، طلب حاجة أخرى، غير أنه تفاجأ بالبائع يقول له: اشتري من جاري ليستفتح هو أيضًا عندها ردد محمد الفاتح مع نفسه، بأن هذا الشعب جدير أن يفتح الدنيا.
فحري بالمسلمين في كردستان العراق، أن يسع أحدهم الآخر قولًا وفعلًا.
والمستعرض لمجريات الأمور على الساحة الكردية، ستتجلى له حقائق كثيرة ومؤلمة، فعندما بادرنا بالعمل أخطأنا الطريق، وعملنا دون نظام ودون مقياس صحيح، أو مرجع صالح يتخذ كإطار عمل، وبالتالي فالقوم يغيب عنهم أن الأخطاء المتراكمة والمتتالية ستصب في تقوية خانة الأعداء. ونسوا أننا كنا أمة واحدة، فأصبحنا أمما وجماعات شتى يعادي بعضها بعضًا، إلا من رحم الله، فضاعت الوحدة، وانعدمت الأخوة، حتى نجد بعض المسلمين في كردستان يعملون على إلغاء الكل دون البحث عن أرضيات مشتركة، وقواسم جامعة يمكن أن يلتقي عليها الكل لما فيه خير البلاد والعباد، إن من الخذلان وعدم التوفيق، أن نلغي الآخر الإسلامي، بينما نمد جسور التواصل مع الآخر العلماني، فمثل هذا التواصل أولى أن يكون مع إخواننا الذين يقفون في معسكرنا، ويستظلون بلواتنا، ويستهدفون غاياتنا وأهدافنا، بالإضافة إلى ظاهرة أخرى هي طامة الطامات، ألا وهي تقديم الولاء الحزبي، والولاء الشخصي على الولاء الحقيقي لله ولرسوله، وهذا الأمر جد خطير في حياة الأمة عموماً، وينبغي على الإسلاميين إعادة النظر في علاقاتهم الداخلية ضمن شرائحهم وفئاتهم، وأبناء الصحوة الإسلامية مدعوون لامتثال الإسلام ومبادئه وأحكامه، وأخلاقه، في تعاملهم بصرف النظر عن فكر وفئة كل منهم.
إن علينا أن نعرف موقعنا بعد مضي أكثر من خمس عشرة سنة على الصحوة الإسلامية في کردستان لنستشرف مستقبل هذه البقعة، ولنتذكر جهاد الرواد الذين سبقونا على هذا الدرب، ولنجد محطات توقظ الإيمان بالحق في القلوب، وتلهب منابع العطاء والتضحية في النفوس وتحرك الهمم والعزائم عند الرجال، وتربط بين دروس وتجارب الماضي وحقائق ووقائع الحاضر.
من الذي يعيد للدين حقه بعد أن تيتم؟!
ومن الذي يفك العجز واليأس الذي أحاط بنا إحاطة السوار بالمعصم؟
ومن الذي يعيد البسمة إلى أطفالنا المشردين المضطهدين؟
ومن الذي يهدئ الزفير والأنين والبكاء، في جبال کردستان؟
ومن الذي يطمئن النساء اللواتي وصل عويلهن عنان السماء؟ هل تعلمون أن ۳۰۰ مجاهد قدموا إلى البوسنة، غيروا المعادلة لصالح المسلمين، الأمر الذي أدى برئيس الولايات المتحدة إلى طلب عقد الهدنة والمصالحة، فبالله عليكم كم وكم مجاهد مقدام يحيا على أرض كردستان.
المشكلة التي نعاني منها إلى يومنا هذا، أن القوم اتفقوا في كردستان على باطلهم وتفرقنا عن حقنا، فإذا استطعنا أن نتحرك في خطة نملك فيها التقارب والتفاهم على الحق، بعدها لا وجود لهؤلاء الاقزام والدمى، وإذا كنا ننتظر خروج صلاح الدين الجديد وأعوانه، وأركان قيادته وإدارته، فلابد من توافر المنهاج التربوي المحكم، ووجود علماء الآخرة الذين يفقهون تزكية النفوس، ويحكمون صياغة التوقيت المناسب للرد على الطواغيت، بدلاً من علماء الدنيا، الذين يخطبون ويتكسبون ويتاجرون بقضايا الأمة المقهورة.
في هذا المقام، لابد من أن نطفق باحثين عن الطاقات المبدعة المخلصة المؤمنة لتحمل أعباء القضية الصامتة التي تناستها الأجيال، وطواها التاريخ، وتشبثتها الشبهات، وإلا فسوف ننساق في مخطط غربي ظالم يرمي لاستخدام الكارت الكردي لصالح اليهود الذين صرحوا مرات ومرات بأن الأكراد نعمة لا تتوافر دائماً لإسرائيل.
نرفد مشروعنا الحضاري بثلة مؤمنة، وأيد متوضئة عاهدت ربها أن تكون أرضاً دمثة لخدمة الإسلام، ورفع راية التوحيد والجهاد، والآن نطرح السؤال: كيف نعزز المشوار والمسير؟ وإلى أين ومن الدليل وأي أساليب وطرق نتوخى؟ وهل تكفي خبرة التجربة الماضية للتصدي لما ينتظرنا من الصعوبات والعراقيل؟
عالم المصالح
لابد من استئناف مشوار المسيرة بأكثر رشد وأعظم سداد، وعلينا أن نفهم جيداً، أن العالم ينطلق من خلال المصالح الاقتصادية، والأمنية والسياسية، وليس من الضروري أن تكون أمريكا هي التي تتجمع عندها مصالح العالم، والحق أن بلادنا الخيرة هي الساحة التي يمكن أن ينطلق منها كثير من المصالح، فضلاً عن ذلك، فمن حق المسلمين في كردستان العراق، أن يتنفسوا من أوكسجين المنطقة مباشرة، وليس عبر أنابيب تعبئها حفنة شاذة تتحكم فينا، وإلا سيطول ليل كردستان وسيبقى جاثماً على صدورنا، ونمضي أمواتاً في ذاكرة الزمان.
لابد من التأمل العميق حيال التعامل مع هذه المرحلة، بأن يبادر الإسلاميون جميعاً إلى تشكيل لجنة تنسيق المواقف، تضم مجموعة من العلماء والدعاة لجميع الأطراف يكون هدفها توحيد المواقف وتحرير محل النزاع في المواقف المختلف فيها، وتوحيد الجهود وتنسيقها وتكتيلها لجنة مهمتها رصد الحملات الإعلامية، والمواقف العملية التي يتخذها المعادون للحركات الإسلامية، والرد عليها ردوداً مناسبة متأنية، منضبطة بالشرع الحنيف، وكشف دور التيارات الخبيثة، وما ترمي إليه من تعميق الخلاف واستثماره لتحقيق أهداف ومصالح خاصة بها.
إن اختلال موازين القوى لصالح الأعداء، لايعني أنه ليس ثمة مجال الخيار الخلاص والمواجهة واسترداد الحقوق، نعم إن أمريكا وصعاليكها وعيالها، متفوقون، ولكن إيماننا بربنا وبحقنا وبعدالة قضيتنا أقوى في النهاية، الباقي فينا يكفينا، بل يحيينا، المهم أن يؤمن أصحاب القضية في كردستان المسلمة بهذه الحقيقة النابضة بالحياة المدعومة برصيد التاريخ والحاضر.