; الإسلام أو الطوفان! | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام أو الطوفان!

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 568

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 27-أبريل-1982

لقد طوفت بالعديد من الدول العربية والإسلامية، فكنت أغادر الوطن في كل مرة بأوجاع وآلام معدودة، وأعود إليه من رحلتي وأنا مثقل بالأوجاع والآلام، والأحزان والهموم، لا أفكر في الأنين؛ لأنها أكبر من الأنين. ولا أفكر في الشكوى إلا إلى الله وحده؛ لأنه لم يعد هناك وجود لمن هو جدير بالشكوى إليه سوى الله وحده، فالجميع رعاة ورعية، هم مصدر الشكوى والبلوى معًا!

أجل، في كل مرة أعود من رحلتي تتجسد في ذهني كلمات تؤرق مضجعي، قالها منذ أكثر من ثمانين عامًا الحكيم الثائر جمال الدين الأفغاني:

«لقد جاهدت في المسلمين زهاء أربعين عامًا، فوجدتهم جميعًا مرضى لا علاج لهم إلا أن يقضى عليهم.. ثم نتعهد النشء الجديد فنربيه التربية الإسلامية الحقة، وعلى كواهله تقوم الدولة المسلمة الجديدة».

لقد كان الأفغاني يحلم بوجود الدولة الإسلامية التي ترد للإسلام اعتباره عن طريق الشعوب الحية، لا عن طريق الأنظمة التي هي مصدر الداء، وأصل البلاء، ومواطن الخيانة، ومواطن العمالة لأعدى أعداء الإسلام  والمسلمين.. لقد بلغ به إلى أس من هذه الأنظمة حدًّا لا يطاق، وأيضًا بالشعوب التي تنتمي  إلى الإسلام  شكلًا لا موضوعًا، وخيالًا لا حقيقة، وعرضًا لا جوهرًا، إنها شعوب قد استمرأت هامش الحياة، واسترخت للعبودية، واقتنعت بالمثل السلبي المتخاذل: ليس في الإمكان أبدع مما كان»، تصفق لمذليها ومستعبديها، وتهتف بحياة مرهقيها وقاتليها.

وكان الله أرحم بالحكيم الثائر، فلم يعمر طويلًا حتى يرى بعينيه، كيف أصبحت الأمة المسلمة مجرد حبر على ورق لا يقام لها وزن، لا يؤبه لها في موازين القوى العالمية، صارت تابعة بعد أن كانت متبوعة، وذنبًا بعد أن كانت رأسًا، أحنت هامتها لغيرها، بعد أن كان غيرها يحني هامته لها، دانت بالولاء المطلق الأعمى للغرب والشرق، بعد أن كان العالم بأسره يدين لها بالولاء..

أي وربي، كان الله أرحم بالحكيم الثائر، فلم يعمر طويلًا، حتى يرى بعيني رأسه، دويلة ولدت من سفاح، وقامت على عصابات كانت بالأمس القريب من شذاذ الآفاق، تغتصب فلسطين.. قلب العروبة والإسلام   موطن مقام إبراهيم الخليل، والمسجد الأقصى، وتخرج لسانها لأكثر من مائة مليون عربي، ولثمانمائة مليون مسلم أو يزيدون، تتحدى مشاعرهم، وتسخر من وجودهم، ولا تقيم وزنًا للأنظمة الدولية، ولا للرأي العالمي، وتمارس في اطمئنان تحقيق نزعتها التسلطية والتوسعية، وهي واثقة من أن العرب لن يواجهوها إلا بالكلام، وأن الشعوب المسلمة في شغل شاغل عنها؛ لأنها تعيش آلامها، وتعاني مشكلاتها.

لقد عقد العرب والمسلمون عشرات المؤتمرات، وعشرات الندوات، وأصدروا مئات القرارات، ومئات التوصيات، والنتيجة مجموعة من الأصفار، ولكن على الشمال، وقدموا مئات الشكاوى إلى هيئة الأمم ومجلس الأمن، وكانت النتيجة لا شيء على الإطلاق مجرد توصيات أو إدانات لإسرائيل لا تساوي، ثم المداد التي كتبت به، وهانت علينا أنفسنا، فمددنا أيدينا بالسلام  إلى المعتدي علينا، والمستخف بنا، وتجاهلنا أن هذا المعتدي المستخف يرفض السلام القائم - ولو على قليل من العدل- لأن السلام الذي يرضاه هو الذي يحقق له مزيدًا من التوسع والسيطرة والاحتواء.

وما أكثر ما يطفو على السطح الدعوة  إلى وحدة الصف، ولم الشمل، وجمع الكلمة، وتصفية النفوس، واتضح دائمًا أن هذه الدعوة ليست جادة، وإنما هي لمجرد الاستهلاك، ليس فيها صدق العزم ولا إخلاص النوايا، بل كل ما فيها ثرثرة وجعجعة لا أكثر، ويتمثل فيها رابع المستحيلات كما يقولون، ومثل هذه الدعوة  إلى وحدة الصف وما  إلى ذلك، ليست الشعوب طرفًا فيها، وقد أصبحت ملكًا لأنظمتها.

إذن فالمعول عليه أولًا وأخيرًا هي هذه الأنظمة، والأنظمة  اليوم قد فقدت إراداتها المستقلة، فبعضها يدين بالولاء المطلق للشرق الشيوعي، وبعضها الآخر للغرب الصليبي، فكيف إذن يتم الوفاق ويلتئم الشمل؟

كيف يتم الوفاق ويلتئم الشمل وقد طرحنا الإسلام   جانبًا، ويممنا وجوهنا نحو واشنطن، وتجاهلنا أن واشنطن هي قاعدة الحماية لعدونا، منها ينطلق ليتمادى في عدوانه علينا، وتحديه لنا واستخفافه بنا؟ ونحو موسكو، وتجاهلنا أن موسكو ما تزال تشن حرب الإبادة على إخوة لنا في أفغانستان، وفي أريتريا؟

كيف يتم الوفاق ويلتئم الشمل وقد رجعنا كفارًا يقتل بعضنا بعضًا، ويتآمر بعضنا على بعض، ويسلم بعضنا بعضًا لأعدى أعدائنا؟

كيف يتم الوفاق ويلتئم الشمل، وشعوبنا لا تملك من أمرها شيئًا، وعلماء الدين فينا يسخرون دين الله لأهواء السلطة وأطماعها ونزواتها، خانوا أمانة العلم الذي يحملونه، لم يعودوا ورثة الأنبياء، ولا أمناء الرسل على عباد الله، بل صاروا تسكتهم الرهبة أو تحركهم الرغبة؟ إنها معضلة.. ولا أبا الحسن لها، وحسبنا الله وحده. وللحديث بقية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

132

الثلاثاء 07-أبريل-1970

من أعماق الأفغاني

نشر في العدد 6

139

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 20

457

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)