العنوان الإسلام في اليابان.. وقصة عمرها أكثر من قرن
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 44
السبت 17-أغسطس-2002
إعصار مدمر خلف أول بذرة للوجود الإسلامي في اليابان
أحزنني صديقي عندما عاد من اليابان قبل خمس سنوات مضت فسألته. كيف حال الدعوة الإسلامية باليابان. فقال: الشعب الياباني رافض للعقائد بطبعه!
دفعني ذلك النبأ الموجع لأن استقصي أنباء الإسلام والمسلمين في اليابان. ذلك البلد العجيب في كل شيء.
ثم التقيته بعد عام وسألته السؤال السابق نفسه. فأجاب: اليابان كالبستان. فيه لكل عين ما تحب أن ترى. ولكل قلب ما يود أن يشتهي. ثم تتوالى البشريات إذا التقيت الداعية الدكتور صالح مهدي السامرائي رئيس المركز الإسلامي في اليابان. فإذا أنا قد وقعت على الخبير. وتلاقى ما عندي من شؤون وشجون، وما عند السامرائي من معلومات وبشريات. وإذا بنا نقف معًا على قصة أكثر من مائة عام من الإسلام في اليابان.
شهداء مسلمون
في بداية عصر النهضة اليابانية ويدعى «عصر ميجي» «MEDI» والذي بدأ عام ١٨٦٨ م حرصت الإمبراطوريتان اليابانية والعثمانية على إقامة علاقات ودية بينهما لمواجهة الدول الأوروبية، ومن ثم تبادل الزيارات التي كان أهمها تلك البعثة التي أرسلها السلطان عبد الحميد الثاني إلى اليابان على الباخرة «آل طغرل»، وعلى ظهرها أكثر من ستمائة ضابط وجندي عثماني «ترك وعرب وألبان وبوسنيون... إلخ» يقودهم الأميرال عثمان باشا وذلك عام ۱۸۹۰م، وبعد أن أدت البعثة مهمتها تهيأت للعودة، إلا أنها وهي لا تزال على الشواطئ اليابانية، ليست بعيدًا عن «أوساكا» هب عليها إعصار شديد، أدى إلى تحطمها واستشهد أكثر من خمسمائة وخمسين شخصًا بما فيهم أخو السلطان عبد الحميد وعثمان باشا أمير البعثة.
هو ذلك الحادث الطرفين، ونقل الناجون على باخرتين يابانيتين إلى إسطنبول، ودفن الشهداء عند الموقع، وأقيم لهم متحف رائع.
بعد سنة من الحادث، تصدى صحفي ياباني شاب أوشاتارو نوداء لجمع تبرعات من اليابان لعوائل الشهداء، وذهب إلى إسطنبول عام ١٨٩١م، وسلم التبرعات للسلطات العثمانية وقابل السلطان عبد الحميد. وأثناء إقامته في إسطنبول التقاه رئيس المسلمين في «ليفربول» الذي كان موجودًا إسطنبول قدرًا في تلك الآونة وبعد مناقشات ومجادلات أسلم «أوشاتارو» وتسمى باسم «عبد الحميد نودا» وهو أول مسلم ياباني، ثم تبعه بعد ذلك «يامادا» الذي وصل إلى إسطنبول عام ۱۸۹۳م يحمل التبرعات العوائل الشهداء وتسمى باسم «خليل»، وطلب إليه السلطان تدريس اللغة اليابانية للضباط العثمانيين. ثم كان «أحمد أريجا» ثالث ياباني مسلم، وحسن إسلامه وشارك في إحدى ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية. ثم تكونت من بعض تجار الهند المسلمين في طوكيو ويوكوهوما وكوبي أول جالية إسلامية تقيم في اليابان.
مسلمو اليابان في القرن العشرين
بعد الحرب اليابانية الروسية (١٩٠٤-١٩٠٥م) زاد اهتمام اليابانيين بالإسلام؛ حيث أقيم أول مسجد في «أوساكا»للأسرى المسلمين الروس بعد أن وضعت الحرب أوزارها، كما زار الداعية الهندي «سرفراز حسين» اليابان أواخر عام 1905م. والقى محاضرات عن الإسلام في ناجازاكي وطوكيو، بعد أن مهد الاختلاط والتفاعل بين جنود اليابان والمسلمين من جنود الروس المعرفة واسعة بالإسلام.
ثم تعددت زيارات الدعاة المسلمين لليابان ولعل أهمها زيارة الرحالة الداعية الروسي عبد الرشيد إبراهيم عام ١٩٠٩م. حيث مكث باليابان ستة أشهر أسلم على يديه فيها العديد من نخبة المفكرين والصحفيين والضباط الشباب ويعتبر المؤرخون الإسلاميون رحلة عبد الرشيد أهم من «رحلة ابن بطوطة»، كما يرى ذلك د عبد الوهاب عزام ود. محمد رجب البيومي.
بين أعوام (۱۹۱۰ -۱۹۱۲م) صدرت باليابان أول مطبوعة إسلامية باسم مجلة الأخوة الإسلامية -«Islamic fraternity»، أصدرها محمد بركة الله القادم من بهوبال في الهند، وهو أول من علم الأردية في جامعات طوكيو واستمرت المجلة لثلاث سنوات. وعلى يد محمد بركة الله أسلم المئات من اليابانيين.
كما أن هناك عددًا من الضباط المصريين بهرتهم انتصارات اليابان على روسيا فتطوعوا في الجيش الياباني وتزوجوا يابانيات، وأنجبوا أولادًا مسلمين ومنهم من عاد إلى مصر، ومنهم من بقي باليابان كالضابط أحمد فضلي، الذي التقى الداعية عبد الرشيد وتعاون معه، كما تعاون مع بركة الله لستة شهور في إصدار مجلة «الأخوة الإسلامية».
وألف فضلي -رحمه الله -كتاب «سر تقدم اليابان» عام ۱۹۱۱م بالعربية، كما ترجم من اليابانية كتاب النفس اليابانية التي توضح الشخصية اليابانية، وزار جامعة واسيدا اليابانية بصحبة عبد الرشيد وترجم له محاضرة عن الإسلام بالجامعة استمرت ثلاث ساعات.
وذكر عبد الرشيد أنه كان بجامعة واسيدا حوالي الألف صيني من بينهم تسعة وثلاثون مسلما، وقد أصدروا فيما بعد صحيفة إسلامية باللغة الصينية، عنوانها «الاستيقاظ الإسلامي» كما أصدر «حسن هاتانو»، الذي أسلم على يد بركة الله مجلة شهرية مصورة باللغة الإنجليزية أسماها أيضًا الأخوة الإسلامية واسمها بالإنجليزية Islamic Brotherhood عام ۱۹١٨م وكان قد أصدر قبلها مجلة Islam باليابانية والإنجليزية. وقد أدى هذا الرجل دورًا بارزا في الدعوة الإسلامية كأول ياباني يمارس الدعوة على هذا النطاق داخل اليابان.
وفي عام ١٩٠٩م كان عمر ياما أوكا اول ياباني يؤدي فريضة الحج حيث صحب عبد الرشيد إبراهيم إلى الديار المقدسة، ثم إلى إسطنبول، فيما أدى ثاني ياباني فريضة الحج عام ۱۹۲۰م، وهو «نور أبي تاناكا» الذي أسلم في الصين. كما أسلم في الصين أيضًا «عمر مينا» مترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية.
وزار «عمر ياما أوكا» مصر وزار الأزهر ١٩٢٤م، وله صورة تذكارية بالزي الأزهري.
وبرز في هذه الآونة اسم «عبد الحي قربان» كزعيم ديني للمسلمين التتار، وأصدر مجلة باللغة التتارية «جابان مخبري» توزع في اليابان وخارجه، وأنشأ أول مطبعة بالحروف العربية طبع فيها الكتب الإسلامية باللغة التتارية، وطبع القرآن الكريم وقويت علاقاته بالسلطات اليابانية مما دفعها المساعدة المسلمين في بناء أول مسجد في «طوكيو»، عام ١٩٣٨م.
وفي عام ١٩٣٣م عاد عبد الرشيد إبراهيم إلى اليابان وتعاون مع قربان في قيادة الجالية الإسلامية، إضافة إلى نور الحسن برلاس الذي تولى تدريس الأردية باليابان من ۱۹۳۲م. ١٩٤٩م، وكان له نشاط واسع مع المسلمين وكتب الكثير عن الإسلام في اليابان، وقد تم تأسيس كوبي عام ١٩٣٥ م من مسجد قبل المسلمين الهنود. كما بني المسلمون التتار مسجدًا في مدينة ناجويا.
حروب وهدايات
دخلت اليابان الحرب العالمية الثانية، واحتلت أجزاء من اسيا. واحتك اليابانيون بمسلمي الصين وماليزيا وإندونيسيا والفلبين وبورما وظهرت اسماء عمر يوكيبا الذي أسلم في ماليزيا وعبد المنير واثنابا الذي أسلم في إندونيسيا وصادق إيمازومي وفاروق ناغاسي وسودا. وماتسو باياشي وغيرهم وبعد الحرب اجتمع أولئك وشكلوا عام ١٩٥٣م أول جمعية للمسلمين في اليابان وبدأوا بإرسال عشرات الطلاب إلى باكستان، وماليزيا، ومصر والسعودية، وشرع عمر ميتا في ترجمة معاني القرآن الكريم في مكة المكرمة، وألف موسوعة ضخمة عن تاريخ الإسلام في اليابان باللغة اليابانية ترجمها. السامرائي إلى اللغة الإنجليزية
ثم لعب خالد كيبا دورًا أساسيًا في الدعوة الإسلامية في جزيرة شكوكو وهو تلميذ نجيب للعلامة أبي الحسن الندوي، أسلم على يد الداعية الباكستاني عبد الرشيد أرشد الذي خلف عبد الرشيد إبراهيم بعد وفاته عام ١٩٤٤م يقول الدكتور السامرائي كنت أسكن مع عمر ميتا في غرفة واحدة لمدة سنة تقريبًا وهو يترجم معاني القرآن الكريم إلى اليابانية بالاشتراك مع مصطفى كومورا وعبد الرشيد أرشد الذي توفي في حادث سيارة بين مكة والمدينة عام ١٩٦٤م وكان معه في السيارة مصطفى كومورا وعمر ميتا فنجاهما الله ليتما نشر ترجمة معاني القرآن الكريم باليابانية.
وفي عام ١٩٦١م تشكلت باليابان أول جمعية للطلبة المسلمين، ومن مؤسيسها د زحل من إندونيسيا وهو بورفيسور في جامعة جاكرتا ووزير سابق، ومظفر أوزي «تركي» وأحمد سوزوكي «ياباني أزهري».
وعبد الرحمن صديقي «باكستاني» وصالح السامرائي «عربي». وشكل هؤلاء الطلبة المسلمون مع جمعية مسلمي اليابان مجلسًا مشتركًا للدعوة كان فيه من الجانب الياباني عمر ميتا وعبد المنير واتنابا وعبد الكريم سانيو، وكان لهذا المجلس نشاطه الواسع في إصدار الكتب عن الإسلام وإصدار جريدة صوت الإسلام في اليابان، وإرسال الطلاب إلى الأزهر وزيارة الأقطار الإسلامية، وإنشاء أول مركز إسلامي بطوكيو عام ١٩٦٥م، وبناء المقابر للمسلمين وتأسيس جمعيات تحفيظ القرآن الكريم.
وفي عام ١٩٦٣م قدم إلى اليابان الداعية المصري علي حسن السمني، أستاذ اللغة العربية، فعمل في جامعة اللغات الأجنبية والمعاهد اليابانية الأخرى حتى عام ۱۹۷۸م. وتخرج وأسلم على يديه المئات من اليابانيين، وراجعه كبار الأساتذة واستفادوا منه، وكان له مجلس إفتاء بمسجد طوكيو بعد عصر كل يوم أحد. ومعه عبد الكريم سايتو ود. صالح السامرائي.
الوجود الإسلامي الحالي
ليس هناك إحصاء دقيق لعدد المسلمين باليابان، لكن يمكن تقدير أعداد المسلمين اليابانيين بمائة ألف والأجانب بحوالي ثلاثمائة ألف أو يزيدون وهناك أكثر من مائة تجمع وجمعية إسلامية، وعشرات إن لم يكن المئات من المساجد والمصليات المملوكة والمستأجرة، ويدخل يوميًا عن طريق هذه الجمعيات والمساجد والمصليات العشرات إلى الإسلام، حيث ينتشر نوره في هذا البلد المتقدم بصورة أكثر تقدمًا. ويمكن تصنيف المسلمين في اليابان إلى الفئات التالية:
أولًا: جمعيات المسلمين اليابانيين مثل:
أ - جمعية مسلمي اليابان.
ب - الجمعية الإسلامية هو كايدو «عبد الله آراي».
ج - جمعية الصداقة الإسلامية في كيوتو «على كوباياشي».
د - جمعية الدعوة الإسلامية في أوساكا «عبد الرحيم ياما كوجي».
هـ - الجمعية الإسلامية في نارا «مسجد ناکامورا».
و- جمعية المرأة المسلمة. أوساكا وكيوتو «الأخت زيباكومي».
ز- جمعية الثقافة العربية في طوكيو «الأخت جميلة تاكاهاشي».
ثانيًا: الدعاة البارزون ومنهم
أ - سليمان هاماناكا في جزيرة شكوكوا «له صفحة اليكترونية».
ب - البروفيسور كوسوجي في جامعة كيوتو وهو الداعية المشهور بجولاته وصولاته في التليفزيون الوطني الرئيس باليابان وفي قاعات المحاضرات والمؤتمرات والمناظرات
ج- البروفيسور شيروتاناكا «حافظ القرآن والأستاذ الجامعي المتفرغ للدعوة الإسلامية».
د. البروفيسور أونامي أستاذ الهندسة المتطورة بجامعة كيوتوا ويقوم بشرع وترجمة معاني القرآن الكريم باليابانية مع صفحته الإليكترونية.
هـ- البروفيسور هشام كورودا الأستاذ بالجامعة الدولية في نيجاتا وصاحب المؤلفات العديدة، وتلميذ العالم الراحل المشهور جعفر ايزينسو
و - أشرف ياسوي أستاذ اللغة العربية.
ثالثًا: المسلمون المهاجرون: من شبه القارة الهندية ومعظمهم يعمل بالتجارة في تدفقهم الأول، ومن المسلمين الكنار والقازان في تدفقهم الثاني إبان الحكم الشيوعي. وكان قائدهم عبد الحر قربان يرحمه الله واليوم قائدهم تمیم دار محیط.
ثم تدفقت الهجرات الإندونيسية والماليزية هذا إلى جانب بعض التجمعات الخاصة بالطلبة.
ومن هذه الهجرات هجرات مؤقتة للتدريب الفني والتكنولوجي الذي يستمر لأسابيع وأشهر وسنوات، ويكون له أثره البالغ في نشر الإسلام والدعوة إليه، كما أن زيارات والجار والسياح المسلمين تؤتي أثارها في مجالات الأخلاق والمعاملات.
الجيل الثاني.. مشكلاته ومستقبله
وككل جالية إسلامية بالخارج يتعرض أبناء الجيل الثاني المشكلات الزواج واللغة والتربية والإعداد والتعليم والعلاقات الاجتماعية. وكما أخبرنا الداعية المتجرد الشيخ نعمة الله تحاول التغلب على هذه العقبات قدر الإمكان بإقامة شبكات واسعة من العلاقات الاجتماعية بين المسلمين من خلال النشاط المادي والأدبي والثقافي؛ حيث تعتبر أوائل الثمانينيات هي أكبر فترة تطور في تاريخ الوجود الإسلامي باليابان بسبب هجرات المسلمين من إندونيسيا وباكستان وبنجلاديش والهند وسيرلانكا وافغانستان، ثم هجرات المسلمين الأفارقة والأتراك والعرب.
ولقد جاء الجميع إلى اليابان طلبًا للرزق فتزوجوا وتناسلوا، وحصل معظمهم على الجنسية والإقامة الدائمة وبني هؤلاء المساجد وأسسوا المقرات وامتلكوا المطاعم، والمحلات لبيع المواد الغذائية الحلال. وأعادوا بناء مسجد طوكيو عام ٢٠٠٠م ليكون صرحًا شامخًا على الطراز المعماري العثماني.
ونحن اليوم بصدد إنشاء أول مدرسة إسلامية في اليابان ضمن مشروع ضخم بإشراف المركز الإسلامي في اليابان، لتوطين الإسلام هناك، بعد أن أصبح واقعًا ملموسًا. ويشهد اليوم إقبالًا منقطع النظير؛ حيث يتوافق الشعب الياباني في فطرته الأولى مع الإسلام. ويعتبر أكثر شعوب الأرض تقبلًا له التوافق عاداته وتعاليمه وأخلاقياته وعاداته السلمية مع أسسه ومبادئه.