; الإسلام منهج الشمول | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام منهج الشمول

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013

مشاهدات 76

نشر في العدد 2049

نشر في الصفحة 53

السبت 20-أبريل-2013

مع صعود التيار الإسلامي في عدد من دول «الربيع العربي» وطرح تصوراته صوب غلاة العلمانيين سهامهم المحمومة إلى الإسلام في محاولة يائسة إلى محاصرته وتسويق مفاهيمهم الضالة القائلة إن الإسلام رسالة روحية ولا شأن له بالسياسة أو غيرها، قد يكون هذا الفهم المتطرف عن جهل أو بسبب الحنق على الإسلام ومعاداته.

يا سادة, الإسلام منهج شامل ومتكامل في عقائده وعباداته وتشريعاته ونظمه وأحكامه، ففي الوقت الذي تعاني فيه الفلسفات والنظريات الوضعية من كل أشكال القصور والخلل، لكونها تحمل في طياتها بذور فنائها ، نرى أن الإسلام يتجلى في صفة الشمول والكمال كرسالة ربانية بعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم لإسعاد الناس كافة وإخراجهم من ظلمات الجاهلية وضيق الدنيا إلى سعة الإسلام وعدله.

ويتجلى شمول العقيدة الإسلامية من أي جانب نظرنا إليها، باعتبار أنها تفسّر كل القضايا الكبرى في هذا الوجود القضايا التي شغلت الفكر الإنساني، ولا تزال تشغله، وتلح عليه بالسؤال، وتتطلب الجواب الحاسم الذي يخرج الإنسان من الضياع والشك والحيرة، وينتشله من متاهات الفلسفات والنحل المتضاربة قديمًا وحديثًا، فهناك قضايا الألوهية والكون والإنسان والنبوة والمصير، وإذا كانت بعض العقائد تعنى بقضية الإنسان دون قضية الألوهية والتوحيد أو بقضية الألوهية دون قضيّة النبوة والرسالة، أو بقضية النبوة دون قضية الجزاء الأخروي، فإن عقيدة الإسلام قد عُنيت بهذه القضايا كلها، وقالت كلمتها فيها، بشمول واضح.

إن العقيدة في نظام الإسلام - كما يتجلى ذلك في القرآن والسنة النبوية - تتصل بجميع أجزاء النظام، فهى الأساس الذي تبنى عليه نظرته أو نظامه الخلقي، وهي التي تُكون الأساس الفكري لعقلية المسلم، والأساس النفسي لسلوكه, ومنها كذلك تنبثق نظرته إلى الحياة الاقتصادية والحياة السياسية، وعلى أساس فلسفتها يُبنى نظامه.

ومن ثم فإن مضمون العقيدة له تأثير كبير في الحياة الإسلامية، سواء الفردية أم الجماعية، ويلاحظ أنها تتخلل جميع سور القرآن بلا استثناء، وأنها تتخلل جميع أحكامه الأخلاقية والتشريعية، فلا تستطيع أن تعزل قواعد التنظيم الحقوقي الاجتماعي الموجودة في القرآن في هذا العنصر الإيماني الذي يتخللها ويحيط بها.

وعلى هذا الأساس، تعد العقيدة هي اللبنة الأساسية في بناء النظام الإسلامي، وهي التي تمد أجزاءه بالحياة وتحدد اتجاهاته ومعالمه، وتتضمن العقيدة الحقائق الكبرى التي دعا القرآن إلى الإيمان بها، أو التي وجه الإنسان وأرشده إليها، وهى تصوّر الوجود, وجود الله الخالق, ووجود الكون والإنسان, والصلة بين الله والكون والإنسان, وكذلك الحياة وما وراءها من حياة أخرى أو المصير والجزاء, والنبوة التي هي طريق معرفة هذه الحقائق الكبرى.

وإلى جانب العقيدة تأتي العبادة بمفهومها الشامل حيث تستوعب الكيان البشري كله فالمسلم لا يعبد الله بلسانه فحسب، أو ببدنه فقط، أو بقلبه منفردًا، أو بعقله مجردًا، أو بحواسه منفصلة، بل يعبد الله بهذه كلها، ومن هنا كان أثر الشمول في الحياة، باللسان ذاكرًا داعيًا ،تاليًا، وبالبدن مصليًا صائمًا مجاهدًا، وبالقلب خائفًا راجيًا محبًا متوكلًا، وبالعقل متفكرًا متأملًا، وبالحواس كلها مستعملًا لها في طاعته سبحانه، ومن ثم تتسع للحياة كلها، فلا تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة، بل تشمل كل حركة، وكل عمل ترتقي به الحياة، ويسعد الناس ويمنح العقل راحة والقلب طمأنينة، والنفس أنسًا، والروح سعادة. 

إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلًا، ولكنها تتناول «كل» حياة الإنسان العملية أيضًا، وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم «عبادة الله» فيلزمنا حينئذ ضرورة، أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية متعددة النواحي، وهكذا يجب أن تأتي أعمالنا كلها - حتى تلك التي تظهر تافهة - على أنها عبادات، وأن نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج الشامل الذي أبدعه الله، تلك حال ينظر إليها الرجل الاعتيادي على أنها مثل أعلى بعيد، ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟

ففي الإسلام - وحده - يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يحقق كماله الإنساني الذي يطلبه الدين، في مزاولة نشاطه اليومي في خلافة الأرض وفي تدبير أمر الرزق، ولا يتطلب منه هذا إلا أمرًا واحدًا: أن يخلص العبودية لله في الشعائر التعبدية وفي الحركة العملية على سواء، وأن يتوجه إلى الله بكل حركة وكل خالجة، وكل عمل، وكل نية، وكل نشاط، وكل اتجاه، مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة التي تشمل كل طيبات الحياة.

والله قد خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها ، وتعمل كلها، وتؤدي دورها، ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة، يحقق الإنسان غاية وجوده في راحة ويسر، وفي طمأنينة وسلام، وفي حرية كاملة منشؤها العبودية لله وحده.

وخلاصة القول: إن المعنى الحقيقي للحياة لا يكون إلا في ظل دين لا يعرف التجزئة بين حياة روحية وأخرى مادية والحياة الدنيا لا ينظر إليها في الإسلام على أنها صدفة اعتيادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة، التي هي آتية لا ريب فيها، من غير أن تكون منطوية على معنى ما ، ولكن على أنها «وحدة» إيجابية تامة في نفسها، والحق وحدة لا في جوهره فحسب، بل في الغاية أيضًا.

(*) أستاذ الحديث وعلومه

الرابط المختصر :