العنوان قيمة التاريخ (5 من 7).. الإسلام والتعامل مع الآخر
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1695
نشر في الصفحة 66
السبت 01-أبريل-2006
وأريد الآن أن أقف قليلًا عند قضية التعامل مع الآخر التي تشكل اليوم كما شهدت التجربة البوسنوية مؤخرًا واحدة من المعضلات الأكثر حضورًا في اللحظات الراهنة.
سأختار واقعة فحسب من عصر النبوة وأخرى من عصر الراشدين، وثلاث وقائع من عصر الحروب الصليبية.
في أعقاب فتح خيبر من العام السابع للهجرة وضع الفاتحون أيديهم على ملفات من أسفار العهد القديم.. جاءوا بها إلى رسول الله ﷺ. كان بمقدوره وهو المنتصر على فئة الخصوم ما وجدت فرصة مشروعة أو غير مشروعة إلا سخرتها لتدمير الإسلام والمسلمين والقضاء على رسولهم ودولتهم.. لكنه ﷺ ما لبث أن أعاد إلى اليهود أسفارهم دون أن يمسها بأذى.
إسرائيل ولفنسون، الباحث اليهودي المصري يشير في رسالة للماجستير عن تاريخ العلاقات اليهودية الإسلامية في جزيرة العرب إلى هذه الواقعة بإعجاب، ويقول: إن اليهود لا يزالون يشيرون بالبنان إلى سماحة نبي الإسلام وتفوقه على كل إغراءات التعصب فيما لم تفعله النصرانية في تاريخها كله وهي تكتسح خصومها (۱).
نقارن هذا بما فعلته محاكم التحقيق والكنيسة الكاثوليكية في الساحة الأندلسية إزاء التراث الإسلامي زمن انتصار فرديناند وإيزابيلا وسقوط غرناطة، آخر المواقع الإسلامية هناك.. لقد كانوا يصدرون أوامرهم بجمع هذا التراث، دينيًا أو غير ديني، ويركمونه أكداسًا في الساحات العامة في قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة لكي يشعلوا فيه النار قبالة جماهير المسيحيين التي كانت تستدعى لمشاهدة واحد من أعمال الإيمان.
وثمة إحصائية تشير إلى أنه لم يتبق من هذا التراث الذي بلغ ما يقرب من ثمانمائة ألف سفر، سوى ثمانية آلاف وضعت في أقبية الأسكوريال في مدريد، وهناك لاحقتها النار فأحرقت منها ستة آلاف أخرى ولم يتبق اليوم سوى ألفي مخطوط من ذلك التراث الخصب الذي غطى سائر فروع المعرفة الإنسانية والعلمية (٢).
واليوم فإن الباحثين الإسبان يعضون أصابع الندم على ما فعله الأجداد، ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن ضيع الأجداد على أنفسهم باندفاعة التعصب الأعمى، فرصة الإفادة من هذا التراث وأخذ زمام المبادرة في حركة التقدم العلمي والتطبيقي قبل الإنجليز والفرنسيين والألمان.
في عصر الراشدين- رضي الله عنهم- كانت قوات الفتح تنطلق إلى جبهات القتال وهي تحمل أوامر صارمة من خليفة رسول الله ﷺ بألا تغدر أو تحرق أو تخرب، وبأنها ستمر على رهبان قد انعزلوا في صوامعهم فلا تروعهم أو تعتدي عليهم.. أوامر حذرتها من قتل المسالمين، وإرهاب النساء والشيوخ والأطفال.. حذرتها حتى من قطع الأشجار وإتلاف الزرع والضرع.. إنه قتال متحضر بمعنى الكلمة.. قتال تضبطه قيم الدين الآتي من عند الله، فلا ترفع السيف وهي تلاحق السلطات الباغية قبالة كل الذين لم يمارسوا العدوان.. لقد جاء المسلمون لتحريرهم لا لقتلهم.. ونحن نجد في مقابل هذا التعامل الإنساني العادل والصارم، تجاوزًا لكل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية في الممارسات القتالية الغربية، فهي من أجل أن تحقق الانتصار تبيح لنفسها كل أسلوب.. وتذكرون ما فعلته أمريكا باليابان بعد أن أدركت قدرة الأخيرة واستعدادها لإدامة الحرب العالمية الثانية لعدة سنوات أخرى بسبب إمكاناتها القتالية والتكوين الأرخبيلي لمستعمراتها. فما كان من أمريكا إلا أن تضرب اثنتين من أكبر المدن اليابانية: هيروشيما وناجازاكي بقنبلتين ذريتين دونما أي تمييز بين مقاتل ومسالم.. بين رجل أو شيخ أو طفل أو امرأة.. ودونما أي اعتبار للمظاهر الحضارية.. وها هي بقايا أجيال المدينتين تئن حتى اللحظة الراهنة من آثار الضربة الموجعة تلك.. وما هو إلا شاهد من عشرات الشواهد في هذا السياق...
الهوامش
(1) تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة الاعتماد القاهرة- ۱۹۲۷ م، ص ۱۷۰ (۲) للاستزادة ينظر: محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام، الطبعة الرابعة، مؤسسة الخانجي القاهرة. ١٩٦٢ م، ص ٣٢٦- ٣٢٩.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل