العنوان الإسلام والثقافة
الكاتب عثمان حسين عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
الإسلام رسالة ربانية شاملة تشمل العلم والمعرفة والثقافة؛ فالقرآن يتحدث عن العلم والفكر والتدبر والبصر والعقل في آيات كثيرة، ويربط بين ذلك وبين المعرفة بالله والإيمان به. ومدلول العلم في الإسلام لا يقتصر على العلوم الشرعية والدراسات الدينية، وإنما يشملها ويشمل غيرها، فهو يشمل العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، كما يشمل كل معرفة صحيحة ونافعة ومفيدة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
كما أن رسالة الإسلام دائمة لا تقتصر على عصر الصدر الأول للمسلمين، وإنما تبقى مصادرها وأصولها وثوابتها ما بقيت على الأرض الحياة.
ولئن كان ازدواج الثقافة في العالم العربي والإسلامي قد أعلى شأن العلوم الإنسانية على الدراسات الدينية، ولئن كان تقدم دول الغرب في الفكر الحديث، وفي الصناعة والاقتصاد والقوة العسكرية، قد بهر أبناء العالم الثالث، إلا أن الكويت قد عملت دائمًا على الحفاظ على أصول الحضارة العربية والإسلامية، وحرصت في جميع الأحوال على هويتها العربية الإسلامية، فنص دستورها على أن الإسلام عقيدتها الدينية، وعلى أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي الذي تستمد منه تشريعاتها، وعلى أن شعب الكويت جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية.
من أجل ذلك كان غريبًا أن أحد الباحثين في المؤتمر الثقافي، الذي عُقد الشهر الماضي تحت اسم أيام القرين الثقافية، يجهر بقوله في مطبوعات المؤتمر: إن الهوية الإسلامية مشكلة زائفة مغلوطة، فأي إسلام نقصد؟ وأي مقولات لأي مذهب إسلامي نلتزم بها دون سواها؟ ولأي مفكر أو فقيه أو إمام؟ وأضاف: «لقد استقينا مقولات مضى زمانها فأصبحت تهويمًا وتحليقًا في فراغ الزمان والمكان، إن الهوية هي الوجود الاجتماعي النشط المجدد الفعال المبدع».
وتناول العقيدة بقوله: «إذا قررنا أسبقية العقيدة على التاريخ الاجتماعي، فذلك يعني أننا نضع العقيدة خارج التاريخ، ونضحي بالتاريخ لحسابها، أي نضحي بالثقافة الاجتماعية بمعناها الأشمل والأوسع والأعرق، ونحل المقدس محل الطبيعي والتاريخي، إن نشأة الهوية الاجتماعية وتكوينها، يتجاوز حدود ونطاق ومعالم نشأة العقيدة وتكوينها».
وباحث آخر يردد في المؤتمر ذاته بالقول والكتابة إن الدعوة الإسلامية هي من قبيل «الوعي الاستلابي الذي يخترق الفكر القومي ويشير إلى الانشداد إلى الوراء عند الإسلاميين؟» ويهاجم ما يسميه «الوهم الماورائي والطوباوية الأسطورية»، وكأن الدعوة الرسالة الإسلام الربانية الدائمة الشاملة، هي في نظر هذا الباحث دعوة إلى التخلف، واعتناق الأساطير؟ ما الفرق بين كاتب هذه الإشارات وبين الذين قالوا عن القرآن أساطير الأولين؟ وأكثر المتحدثين في هذا المؤتمر كانوا يتخذون النظريات الفلسفية، والأفكار العلمانية، محورًا يديرون عليه تفكيرهم وبحثهم، ويعرضون تمامًا عن منهج القرآن الكريم وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم له ويتجنبون قضية الدين وأهميته قديمًا وحديثًا، وأثره في العلم والفكر والثقافة، فالدين عندهم في محاريب الصلاة لمن شاء، أما أن يكون دين الإسلام دعوة إلى العقيدة الصحيحة، والعلم النافع، والفكر السوي والسلوك المستقيم، والشريعة الحقة، فيبدو أن ذلك كله ليس من شأنهم، وهو لا يدخل في مجالات فكرهم واعتقادهم ذلك مع أنهم عرب ومسلمون يتحدثون في دولة عربية إسلامية!
كثير من الأساتذة الذين كتبوا وتحدثوا في المؤتمر الثقافي المذكور، كانوا يركزون على العروبة والقومية العربية فحسب.
فماذا كان أجدادهم العرب قبل أن يكرمهم الله بالإسلام؟ وهل كانوا إلا أصحاب عقائد وثنية، وعبادات متخلفة طوطمية؟
ولما جاء الإسلام أعلى من شأن العقل واحترم كرامة الإنسان، ودعا إلى الرقي والحضارة، على أساس من المعرفة النافعة والهدي المستقيم، وكان من شرف العرب وذكرهم، أن ذلك الكتاب السماوي المحفوظ بعناية الله قد نزل بلسان عربي مبين فشرف العرب بهذا الكتاب، وبقيت لغة العرب ببقائه إلى يوم القيامة.
ولئن كان بعض المفكرين قد احتج بكتابات قديمة لبعض الأدباء المصريين والعرب، وظن أنهم لم يكتبوا للإسلام إلا دفاعًا عن أنفسهم أو تغطية لسمعتهم، فهل كان الدكتور هيكل ضعيف الإيمان برسالة الإسلام حين كتب «حياة محمد» و«منزل الوحي»، و«الفاروق عمر» و«الصديق أبو بكر» و«الحكومة الإسلامية»؟ وهل كان العقاد كذلك حين كتب «التفكير فريضة إسلامية» و«حقائق الإسلام وأباطيل خصومه»، و«الإسلام والمسلمون في القرن العشرين»، و«عقيدة الألوهية»، و«سلسلة العبقريات»؟
وهل كان كذلك سائر رواد الحركة الإسلامية الحديثة والمعاصرة أم أنه يبدو أن الإنسان لا يسمى الآن مفكرًا أو مثقفًا، أو أكاديميًّا إلا إذا تنكر للفكر الإسلامي الصحيح؟! وإلا إذا أعرض عن الدعوة إلى النظر في كتاب الله؟! إن الفصل بين الدين والعلم والفكر والثقافة غريب على بلادنا، إنه فصام نكد نعرف ظروف نشأته وهيمنته على أهل القراءة والكتابة في أوروبا.
ولقد كنا نرغب لمؤتمر الثقافة العربي سالف الذكر أن يتناول بأبحاثه مشكلات الأمة العربية والإسلامية ويذكر الناس بما كان لهذه الأمة من حضارة علمية، وأمجاد فكرية وثقافية، في ظل ظليل من مصادر الإسلام الموثقة الحقة، وكنا نرجو أن يكون الباحثون العرب أكثر إنصافًا للإسلام واعتزازًا برسالته.