العنوان الإسلام والغرب.. محاولة أخرى للاقتراب «1 من 4»
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-1995
مشاهدات 100
نشر في العدد 1147
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 25-أبريل-1995
▪ خريطة تبيِّن موقع هولندا.
في قلعة أودبولخست «عرين الشبح» قرب ليدن بهولندا، وفي الفترة من ٢٢ - ٢٥ أكتوبر ١٩٩٤م الموافق ۱۷ جمادى الأولى إلى ٢٠ منها ١٤١٥ من الهجرة النبوية الشريفة، وبدعوة من مؤسسة الحوارات الدولية في لاهاي «دين هاج» العاصمة السياسية لهولندا، وبحضور أكثر من أربعين شخصية نصفهم تقريبًا من المسلمين من أقطار مختلفة أهمها: مصر، فلسطين، تركيا، إندونيسيا، الأردن، انعقدت ندوة للحوار بين مفكرين وسياسيين مسلمين وأوربيين لمدة 4 أيام من العمل الشاق، واختتمت ببرلمان للشباب حضره عدد من شباب الجالية المغتربة المقيمة في هولندا وكلهم من الجيل الثاني والثالث، والشباب الهولندي الذي يمثل كافة الأحزاب السياسية في ذلك البلد.
كانت الزيارة الأولى لهولندا، البلاد الواطئة، التي ألهم الله -عز وجل- أهلها بردم المحيط؛ لكي تتسع رقعة بلادهم، التي كانت تغمرها المياه، وما زالت تهددها، بلاد الطواحين الهوائية، والتي ما زالت قائمة ولا يعمل منها إلا حوالي 10% فقط، العاصمة الرسمية والتجارية أمستردام، والعاصمة السياسية؛ حيث الحكومة والبرلمان وقصر الملكة - لاهاي «دين هاج».
البلاد التي كانت من أوائل الدول التي أقرت الشذوذ الجنسي بقانون في البرلمان، والتي يسمح فيها قانون بتعاطي الحشيش والمارجوانا والمخدرات باستثناء الهيروين والسموم البيضاء، وبالتالي يُسمح ببيعها وتداولها للتعاطي، ويُذكر هنا أن القادمين من هولندا إلى بقية الدول الأوروبية، التي تمنع تداول المخدرات يتعرضون لتفتيش أمتعتهم للكشف عنها، ولفت ذلك نظري في المطار.
هولندا.. التي يتمتع فيها اليهود بنفوذ كبير مثل نفوذهم في الولايات المتحدة إن لم يكن أكثر رغم قلة عددهم ونسبتهم إلى السكان بشكل عام، فمنهم النواب في البرلمان والوزراء والقادة والمفكرون ورجال الصحافة والإعلام.
هولندا.. التي تذيع قنواتها التلفزيونية العادية أفلام العربي والجنس؛ حتى إن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر أمرت بالتشويش عليها حتى لا يشاهدها البريطانيون.
هولندا التي يبلغ عدد سكانها ١٦ مليون نَسَمة، يتكلمون لغة هي خليط من الإنجليزية والفرنسية والألمانية، تعرضت للاحتلال من قوى أوروبية عديدة منها الرومان والأسبان والإنجليز، وكان آخرها الألمان النازيون الذين ما زالت كراهية الهولنديين لهم شديدة وغيرتهم منهم أشد.
هولندا.. التي ينقسم سكانها بين الكاثوليكية والبروتستانتية واللادينية، ونسبة اللادينية ترتفع باستمرار حتى وصلت إلى قرابة نصف عدد السكان ومع ذلك ترسل وتشجع الحملات التبشيرية إلى بلاد المسلمين.
هولندا.. التي كان من نصيبها عند اقتسام المستعمرات أن تحتل أكبر بلد إسلامي وهو إندونيسيا لقرابة ثلاثمائة سنة، وأن تحتل سورينام في أمريكا الجنوبية، وأن تستوطن في جنوب أفريقيا عندما طردها المسلمون من أندونيسيا.
هولندا.. التي بها الآن جالية إسلامية كبيرة يبلغ تعدادها نصف مليون نَسَمة، غالبيتها من الأتراك والمغاربة، وقليل من المصريين والفلسطينيين.
(●) قام الدكتور عصام العريان بتغطية الندوة في حينها لــ «المجتمع» إلا أنه تم تأخير نشرها لاعتبارات فنية، علمًا بأن تأخير النشر ليس له أدنى تأثير على أهمية الموضوع.
الجالية الإسلامية
تتوزع الجالية الإسلامية في هولندا على معظم المدن، وهم أتراك ومغاربة ومصريون، ومعظمهم يعملون في أعمال شاقة، وقد جاء الأتراك إلى هذه البلاد أولًا منذ أكثر من نصف قرن، أما المغاربة فغالبيتهم حضر حديثًا، وهناك الآن عدد كبير من الجيل الثاني، ولعل الجيل الثالث أيضًا ممن يحملون الجنسية الهولندية وولدوا ونشئوا وتعلموا في هولندا، أما المصريون فهم أقلية.
أما أبناء البلاد فقليل منهم أسلم، والتقيت بشاب منهم سمى نفسه «ياسين»، وهناك سيدة تحدثت في اللقاء المفتوح واسمها ساجدة عبد الستار، وقد أسلمت منذ أكثر من ٤٠ سنة، وكان عمرها آنذاك ١٦ سنة، وألفت كتابًا عن المرأة في الإسلام، وغالبية المسلمين الهولنديين من النساء، ويتراوح عددهم بين بضع مئات إلى بضعة آلاف.
وقد صليت الجمعة في مسجد المحسنين في لاهاي بجوار محطة السكك الحديدية في مبنى من 3 طوابق، وكان المسجد ممتلئًا تقريبًا، ورأيت ٣ أجيال على الأقل، ومررت بمسجد الأتراك، وكان في أصله معبدًا يهوديًّا اشترته الجالية منذ عدة سنوات وحولته إلى مسجد رائع، له مئذنتان، وسموه «المسجد الأقصى»، وللجالية الحق في إنشاء مدارسها الخاصة تحت إشراف الحكومة وبدعمها، ولا تعاني إلا من مشاكلها الداخلية التي تتعلق بعدم التنظيم، وغيبة القيادة الواعية الحكيمة، ولعل الأمل كبير في الجيل الثاني الذي استفزه التحدي الغربي الآن للإسلام، فبدأ يعود إلى هويته، ولقد رأيتهم في برلمان الشباب يعبرون عن وجهات نظرهم بقوة ويتمسكون بدينهم وحضارتهم الأصلية.
ولم تظهر حتى الآن المشاكل العنصرية التي ظهرت ضد الجاليات الإسلامية في بلاد أوروبية أخرى خاصة فرنسا.
كانت الدعوة للحوار قبل عشرة شهور من تاريخ الندوة أو تزيد، وكانت تعتبر مفاجأة أن تأتي من هولندا، ولكن لماذا العجب، وقد مرت أخطر الحوارات بين الفلسطينيين وعدوهم اللدود في أوسلو بالنرويج، وهي لا تمر على ذهن القارئ أو المفكر أو السياسي، إلا مرورًا عابرًا، ولا ترتبط بذهنه.
وقضية الحوار بين الإسلام والغرب، أو ما يطلق عليه الإحياء الإسلامي عند الأكاديميين الغربيين، الذي يثير القلق بعد الظن بجموده، وقد ظهرت إلى الوجود منذ انطلاق الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۹م، ثم تأكدت أكثر وأكثر بعد ثورة الإنقاذ في السودان، ثم فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وتصاعد المواجهات السياسية، وأعمال العنف السياسي في أكثر من بلد من بلدان المنطقة الإسلامية، وتخبط الحكومات المدعومة من الغرب في كيفية التعامل مع الظاهرة، مما أدى إلى بليلة في صفوف المفكرين وصانعي القرار في الغرب، وظهور أكثر من رأي في كيفية التعامل مع الظاهرة الإسلامية، بخلاف حركة الاستشراق القديمة التي مهدت للاحتلال العسكري، ثم دعمته بعد ذلك.
وهذه الظاهرة متنوعة، فبينما نرى أن هناك نوعًا من المشاركة النشيطة والسليمة للتيار الإسلامي في بلاد مثل تركيا، والأردن، والكويت، واليمن، وباكستان، وماليزيا، وغيرها، نلاحظ أيضًا أن هناك مصادمات تتراوح في شدتها بين ما يشبه الحرب الأهلية إلى القمع إلى الالتهاب والاحتقان من الجزائر إلى تونس إلى مصر وغيرها. وكل هذه الحكومات المتصدية بعنف أو المهددة بالخطر مؤيدة ومدعومة غربيًّا بحبل سري من المعونات، التي لا تستطيع أن تستغني عنها، ولا يمكن أن تعيش بدونها وتتعرض لخطر شديد من إمكانية البديل الإسلامي، الذي يتمتع دائمًا بالموقع الثاني أو الثالث بعد الحكومة وحزبها.
▪ في المؤتمر من اليمين: د. عبد الرحمن وحيد «إندونيسيا»، ود. مولدر «رئيس مجلس الكنائس الهولندي السابق ورئيس المؤتمر»، ود. بيتر إيدنبرغ «مدير المؤسسة ومنظم المؤتمر».
لماذا كثافة الحوار في هذا الوقت؟
لاحظنا نحن مجموعة المشاركين في الندوة، وغالبيتنا تشارك في هولندا للمرة الأولى، وكثير منا دُعي من قبل إلى حوارات أخرى في أمريكا ولندن وأسبانيا، أن هناك تكثيفًا كبيرًا للندوات والحوارات بين ممثلي الإحياء الإسلامي من مفكرين أو سياسيين - ومنهم ممثلون الحركات إسلامية قوية - وبين ممثلي الغرب، منهم ممثلون للكنيسة وآخرون لما يُسمى بصانعي القرار، ومنهم ممثلون للحكومات، ومنهم ما يُسمى مراكز التفكير (Think Tankers)، وغالبيتهم أكاديميون جامعيون أو مراكز بحوث ودراسات. وعندما نبحث عن الأسباب التي دعت إلى هذه الندوات يمكن أن نجملها في التالي:
أولًا: تسلّم الحركات الإسلامية للسلطة: في أكثر من موقع في البلاد الإسلامية ومعظمها جاء بصورة مفاجئة للغرب وبصور مختلفة:
إیران: بثورة شعبية جارفة أخرجت أمريكا والعدو الصهيوني من دولة كانت تعتبر مركزًا رئيسيًّا للغرب ونموذجًا للتحديث على النمط الغربي، الذي يقطع أية علاقة مع الإسلام.
السودان: بانقلاب عسكري يهدد النفوذ التبشيري في قارة إفريقيا؛ لأنه يمسك ببوابة أفريقيا، ويمثل الإسلام السُني في منطقة نفوذ خطيرة كالقرن الأفريقي.
الجزائر: بانتخابات ديمقراطية لا مثيل لها، ولا شك في نزاهتها، ومن حركة لم يتوفر وقت لمجرد دراستها فضلًا عن إنشاء علاقات مصالح متبادلة معها، مما وضع الحكومات الغربية في موقف لا تحسد عليه، فإما أن تؤيد دعوة الديمقراطية أو تتخلى عن المبادئ، التي تبشر بها في العالم كله، فتتهم بالنفاق، وهذه الحكومات المتمسكة بمبادئ الإسلام هددت المصالح الأمريكية والغربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ثانيًا: التهديد الواضح للمصالح الغربية: في المنطقة والتي هي محل لصراع النفوذ منذ زمن طويل بدءًا بالاحتلال العسكري، ونهب الموارد، ثم الهيمنة السياسية، ثم الهيمنة الاقتصادية، وهذه المصالح الآن تتمثل في عنصرين رئيسيين:
الأول: استمرار تدفق النفط إلى الغرب بأسعار مناسبة من وجهة النظر الغربية، وهنا يمكن فهم أسباب الحشد العسكري في حرب الخليج الثانية، والتأييد الواضح لنظم تخالف المبادئ الأساسية، التي ينادي بها الغرب مخالفة تامة.
الثاني: بقاء الكيان الصهيوني واستمرارية تفوقه على الدول العربية مجتمعة، وهنا نفهم الخوف الشديد من الصعود الإسلامي في المنطقة كلها، والنفاق الغربي تجاه قضيتي الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما نفهم محاولات الاقتراب المكثفة لفهم ودراسة الإحياء الإسلامي عامة والحركات الإسلامية خاصة، والإسلام كدين وشريعة أيضًا.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن حركات الاستشراق والتبشير والرحلات إلى البلاد الإسلامية سبقت مرحلة الاحتلال العسكري المباشر، ومهدت لها بوضوح، كما دلت على ذلك الدراسات الأكاديمية المحايدة، ثم ساعدت على بقائه، وفي هذا الصدد يمكن القول: إن الحوارات والندوات والدراسات التي ينفق عليها الآن بسخاء شديد يتجاوز عشرات الملايين إلى مئات الملايين من الدولارات، وتنعقد في كل العواصم الغربية بلا استثناء بمعدل ندوة شهرية أو أكثر في أوروبا، وندوة أسبوعية أو أكثر في أمريكا، تهدف إلى هدفين أساسيين:
1- محاولة الاحتواء للحركة الإسلامية؛ مما يؤدي إلى تهميشها في المجتمع أو حرفها عن خطها المستقل المتميز، ونزع أسلحتها الرئيسية في صراعها مع النظم والحكومات أو تشويهها.
2- التفاهم معها إن فشل الاحتواء من أجل ضمان المصالح الرئيسية، التي سبق الحديث عنها خاصة ضمان سلامة الكيان الصهيوني، وهو العقبة الكؤود في أي محاولة للتفاهم.
ثالثًا: عملية التسوية: تلقي أمريكا بكل ثقلها خلف عملية التسوية الحالية، والتي بدأت في مدريد عقب حرب الخليج الثانية مباشرة تحت رعاية إدارة الرئيس بوش، ثم استكملتها الإدارة الحالية للرئيس كلينتون، والتي تتم في ظروف سيئة جدًّا للعالم العربي؛ حيث مزق صدام أي فرصة لتضامن عربي بحرية الجنونية وتهديداته المستمرة، كما رضخت منظمة التحرير الفلسطينية للحلول المنفردة، وخرجت مصر من ساحة المواجهة إلى ساحة تسويق عمليات التسوية؛ حتى أدركت الآن خطورة ما أقدمت عليه، وأصبح التراجع عسيرًا، وهرولت الحكومات والنظم العربية إلى أحضان اليهود في عملية غريبة مريبة تهدد كامل المصالح العربية بالخطر الشديد، ولم يبق هناك خطر يهدد العملية برمتها إلا الشعوب العربية المسلمة، التي لا تفهم ما يجري الآن، فضلًا عن أن تهضمه، وهي التي تغذت على العداء للصهيونية والكيان اليهودي الاستيطاني الغريب طوال قرابة نصف قرن من الزمان، فكيف يأتي التهديد؟.
يأتي أولًا وأساسًا من المد الإسلامي السلمي الهادئ المتدرج، الذي يتضح في عملية إحياء إسلامي شاملة تشمل العبادات والإيمان والسلوكيات، ثم يدخل في النشاط الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك الحياة الثقافية والفكرية، ثم الخطورة الأكبر في ترجمة ذلك كله إلى رصيد سیاسي واضح تحصل عليه الحركات الإسلامية، التي تمارس النشاط السياسي، مثل: الإخوان المسلمون في الوطن العربي، وحزب الرفاة في تركيا، والجماعة الإسلامية في باكستان، والإنقاذ في الجزائر، والجبهة الإسلامية في السودان.
وهنا تكمن خطورة تطبيق المعايير الديمقراطية الغربية المحايدة، فوفقًا لها ستصل هذه الحركات حتمًا عبر صناديق الانتخاب إلى السلطة، وحينئذ ستتكرس عملية الإحياء الإسلامي بصورة أكبر وأكثر كثافة، وسيتم وصل ما انقطع في تاريخنا الحديث من بناء مشروع للنهضة، يتم فيه عاملان مهمان جدًّا:
الأول: تضافر جهود الشعب مع الحكومات بدلًا من الصراع الشديد بينهما منذ عصر الاحتلال، وعقب الاستقلال الزائف، الذي أتى بحكومات موالية للغرب، وتعمل لضمان مصالحه، وكرست الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وضمنت المصالح الاقتصادية له.
الثاني: التعبير الصادق عن هوية الأمة وعقيدتها وحضارتها؛ مما يؤدي خلال مدة زمنية لن تقل عن ربع قرن - وقد تصل إلى نصف قرن - إلى بناء نموذج حضاري جديد في العالم يمثل تهديدًا إستراتيجيًّا واضحًا للحضارة الغربية المادية، وهو ما يخل بتوازن القوى في العالم، ويطرح إمكانية جديدة لقيادة عالمية جديدة برؤية متجددة، تزاوج بين قيم الإيمان ومكتسبات العلم الحديثة في ظل تفسخ المجتمعات الغربية وانحلالها، فضلًا عن الخلل الكبير بين الموارد والقدرات من ناحية، والإنفاق والاستهلاك وتضخيم النفقات العسكرية من ناحية أخرى.
وعندما تصل حكومات إسلامية إلى سدة الحكم، فستعبر قطعًا عن الرغبات الشعبية ضد التسويات الظالمة الحالية؛ مما يهدد مجمل العملية، ويهدد الاستقرار «الزائف»، الذي تدافع عنه أمريكا، وتنفق من أجل حمايته حوالي عشرة مليارات دولار سنويًّا، وينسف أسس النسوية القائمة، وينذر بصراع جديد سيأخذ صورًا كثيرة متعددة ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، بل يكفي منها حاليًا استمرار المقاطعة لهذا الكيان الدخيل؛ تمهيدًا لذوبانه أو خلعه من المنطقة، كما حدث مع الحملات الصليبية القديمة التي استمرت مائتي عام.
المقاومة الإسلامية:
ويأتي التهديد ثانيًا من المقاومة الإسلامية المسلحة خاصة التي تهدد العدو الصهيوني مباشرة خاصة من حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، ومن المقاومة الإسلامية التي يقودها حزب الله في جنوب لبنان.
ولا نغفل هنا حركات العنف التي تتسربل برداء إسلامي صادق في معظمها أو على الأقل في بدايتها الأولى، ثم تداخلت فيها عوامل أخرى متعددة ليس هذا مجال الحديث عنها، وهذه الدوامة لم تتوقف حتى اليوم، وتبحث عن سند شرعي لحق الدفاع عن النفس والعرض، رغم الاعتراض الواضح عليها، وعدم الاستعداد؛ لتبريرها بحال من الأحوال لما وصلت إليه من استباحة للدماء والأموال والأعراض، واختلط الحابل فيها بالنابل، وأصبحت تضر أكثر مما تنفع، وإن كان لا نفع عند البعض.
هذا العنف يهدد استقرار نظم وحكومات كثيرة تحظى برضاء، ودعم الغرب؛ مما يهدد بسقوط معاقل أساسية للغرب في المنطقة.
ولعل التركيز اليوم هو على التهديد المباشر المتمثل في حركة حماس على أرض فلسطين؛ مما دعا منظمي الندوة إلى دعوة اثنين من أساتذة الجامعة الإسلامية في غزة هما: الأستاذ الدكتور سالم سلامة، والأخ مهيوب أبو داير، وهذه قصة تحتاج إلى أن تروى لما لها من أهمية.
الحوارات التي يجريها الغرب حول الحركة الإسلامية تهدف إلى احتوائها وصرفها عن خطها المستقل أو التفاهم معها إن فشل الاحتواء لضمان المصالح الرئيسية للغرب.
هل «حماس» هي المقصودة بالحوار ؟!!
لقد تمت الدعوة لهذا الحوار بعد حوار آخر حدث عام ١٩٨٩م، في هولندا أيضًا ونظمته نفس المؤسسة هو: الحوار الفلسطيني الأوروبي، وكان جريئًا في وقته، وحضره ممثلون لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويلاحظ هنا أن مثل هذه الحوارات كانت هي البداية لفتح مؤتمر مدريد، ثم قناة أوسلو التي أدت إلى اتفاق واشنطن، ثم اتفاقية القاهرة التي يعرفها القارئ بالطبع، وهذا حديث آخر موعده الحلقة القادمة، ولكننا نستكمل أسباب الحوارات في صورتها العامة.
ويمكن أن يضاف إلى ما سبق محاولة فتح أسواق جديدة للشركات العملاقة عابرة القارات، وذلك تواكبًا مع مشاريع الهيمنة الاقتصادية.
البحث عن عدو جديد:
رابعًا: سقوط الشيوعية: والحديث المتكرر في الغرب، الذي تؤيده الدوائر الصهيونية المعروفة بعدائها لكل ما هو إسلامي وعربي حول العدو الجديد، الذي سيشحذ الهمم، ويجدد روح التحدي، التي كانت موجهة ضد المعسكر الشيوعي. وهنا نجد أن مقالة صمويل هتنجتنون في مجلة الشئون الخارجية الأمريكية الهامة حول «صراع الحضارات» تعبر عن وجهة النظر المعادية للإسلام في الغرب، ونظرًا لأهمية المجلة، التي نُشرت فيها وتعبيرها عن كواليس وزارة الخارجية الأمريكية، فقد نشطت خلال العام الماضي بكثافة الندوات، التي تبحث الظاهرة الإسلامية وتحللها، ثم تعقبها ندوات أخرى غالبًا غير معلنة فضلًا عن لقاءات في الكواليس مع رموز الحركات الإسلامية حول إمكانيات التعايش، والحوار المتبادل ورعاية المصالح، وذلك من خلال استبيان المواقف المحددة من القضايا المُثارة.
وقد حدثني باحث متخصص أن الإدارة الأمريكية أخبرت الوفد الذي رافق الرئيس مبارك في زيارته الأولى أنها تعيد فحص الملف الإسلامي بالكامل مع فتح كل الخيارات الممكنة، ويتعلق بنفس هذا السبب المحاولات المستمرة من الغرب بقيادة أمريكا؛ لتشكيل نظام عالمي جديد بثقافة علمانية صرفة، وفرض تصورات لحضارة واحدة مادية إلحادية، مثلما حصل في مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة، فأين يكون موقع الثقافات والحضارات الأخرى في ظل هذا النظام الجديد، الذي ما زال جنينا في طور التشكل حتى الآن.
لهذا كله تأتي الندوات والحوارات واللقاءات في بلادنا الإسلامية وفي الغرب، وتنشط مراكز البحوث والدراسات ومؤسسات الحوار، فكيف يكون رد فعلنا نحن؟.
هذا هو موضوع الحديث القادم بإذن الله ومشيئته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل