; الإسلام وتحرير الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام وتحرير الشعوب

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1999

مشاهدات 113

نشر في العدد 1349

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 11-مايو-1999

الإسلام هو دين الله الحق الذي أرسل به الله الرسل إلى الناس، وهو الذي حمل رسالة الحرية والعدل إلى الناس، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد: 25)

إنه عندما انحرف رجال الدين في أوروبا برسالة السيد المسيح نزل القرآن الكريم ليرفع عن البشرية المظالم والأغلال التي ابتدعها رجال الدين باسم الدين، وبهذا وصف الله رسوله محمدًا ﷺ قال الله تعالى عن هذا الرسول وعن رسالته: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (سورة الأعراف: 157)

لهذا فمزاعم هؤلاء الأوروبيين عن الإسلام ليس لها أساس من الصحة، وحسبنا أن أحد جنود المسلمين قال لرستم قائد الفرس: «إن الله ابتعثنا ليخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».

الضمانات الإسلامية للحقوق والحريات

وضمانات الحقوق والحريات للفرد والمجموع قد تضمنتها الدساتير فإذا كانت هذه الدساتير من وضع الشعوب فإن الحكام يستطيعون وقف هذه الدساتير وتعديلها أو تفسير هذه الدساتير تفسيرًا يكرس حقوق الحاكم وسلطاته.

 أما الضمانات الإسلامية فقد تميزت بخصائص أهمها:

أولًا: أن الحقوق المقررة للأفراد والأكثرية والأقليات مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، وبالتالي لا يستطيع الحكام ولا الشعوب إلغاءها أو المساس بها، لأن من يستحل إلغاء شريعة الله يعرض نفسه للكفر البواح قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (سورة الأحزاب: 36) ولهذا عندما أراد أحد ولاة الأقاليم في خلافة عمر بن عبد العزيز أن ينتقص من حقوق النصارى قال له الخليفة: نحن متبعون ولسنا مبتدعين أي لا يستطيع المساس بحق ورد في القرآن والسنة. 

ثانيًا: أن الحقوق المقررة في الدساتير الوضعية أكثرها لا ينفذ إلا بعد إصدار قانون ثم لائحة لينظمها، وهذا ما تتحكم فيه الحكومة بينما الحقوق المقررة في القرآن والسنة لا يتوقف تنفيذها على حدود قانون ينظمها، ومن ثم لا يملك الحاكم تأويل هذه الحقوق أو المساس بها.

ثالثًا: أنشأ النظام الإسلامي رقابة شعبية قوية تحرسها جماعة من المسلمين مهمتها التصدي للتجاوزات التي تصدر من الحاكم أو الأفراد، وفي هذا قال تعالى: :﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (سورة آل عمران: 104). كما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال : «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». 

رابعًا: رقابة مجلس الشورى الذي أمر النبي ﷺ بتشكيله بالاختيار الحر، فهذا المجلس يتولى اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله فهو من الدعامات الرئيسة في هذا الشأن قال النبي الله للأنصار وكانوا سبعين شخصًا: «اخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم»، «فتح الباري»، إن هذا النوع من الرقابة من الضمانات الرئيسة الإلزام الحاكم باحترام الحقوق والحريات حتى في آخر عهد الخلافة العثمانية والذي نسبوا إليه الظلم، فالسلطان سليم الأول الذي اشتهر بالشدة قد أمر باعتقال مائة وخمسين من أمناء المخازن بتهمة الإهمال، فتوجه المفتي علاء الدين الجمالي إلى ديوان السلطان وقال له في وجود وزرائه: «إن الإسلام لم يجز لك حق تعذيب هؤلاء، قال السلطان: إن هذا تدخل منك في الحكم وهذا ليس من اختصاص علماء الدين» قال المفتي: «كلا وإنما نتعرض لأمر دينك ولحقوق الرعية وهذا من عملي»، وظل المفتي يفند أقوال السلطان حتى أعلن السلطان العفو عن المعتقلين «مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي الدكتور عبد الجليل محمد علي ص. ٢٦٣»

خامسًا: الفصل بين السلطات إن الفصل بين كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية من الضمانات في النظام الإسلامي.

وهذا الفصل قد ورد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة الحديد: 25) فالسلطة التشريعية هي الكتاب والقرآن الكريم والذي أحال على السنة النبوية في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (سورة الرحمن: 7:9) والسلطة التنفيذية رمز لها بالحديد، قال ابن تيمية: ومن يخالف  التشريع فيقوم بالحديد أي ينفذ الحكم ضد المخالف بمعرفة السلطة التنفيذية.

سادسًا: الضمانات القضائية: القضاء في النظام الإسلامي دعامة رئيسة للحفاظ على المشروعية، ولأهميته استحدث العباسيون منصبًا في القضاء سنه هارون الرشيد، هذا المنصب تولاه الفقيه أبو يوسف ليرأس القضاة ويوجههم ويحاسبهم. 

ويوجد نوع آخر من القضاء هو ولاية المظالم وهذه كان يتولاها النبي ﷺ ثم تولاها الخلفاء بعده وهذه المحكمة لا تنتظر أن يرفع إليها أحد مظلمته بل من سلطتها أن تنظر ذلك من تلقاء نفسها لسبب ذكره الفقهاء وهو أنه قد يخشى المظلوم بأس الظالم فلا يتقدم لطلبه إلى جهة الاختصاص.

وولاية المظالم تختص باستبداد الحكام والمسؤولين، والحاكم أمامها يعامل كأحد الناس وذلك بخلاف الأنظمة الغربية.

الرابط المختصر :