; المجتمع التربوي (1429) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1429)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1429

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 05-ديسمبر-2000

الإشباع العاطفي.. صمام الأمان

توصلت - بعد سبع سنوات من العمل في علاج مدمني المخدرات - إلى أن غالبية الحالات، إن لم تكن جميعها، كان السبب الرئيس لانحرافها، المعاناة من نقص الحب، أو النقص العاطفي من الوالدين، إما بانشغال الوالدين، أو وفاة أحدهما، أو الطلاق أو غيرها من الأمور التي تسبب هذا الحرمان العاطفي لدى الأبناء.

 الحب، والعاطفة يحتاجهما الأبناء إذن كاحتياجهم للحليب في صغرهم، وكاحتياجهم للطعام والشراب، فإذا نشأوا دون الحب والعاطفة، فإنهم سوف يسعون إلى ملء هذا الفراغ.. وربما كانت عملية سده بطريقة تؤدي إلى الانحراف، فقد يطلب هذه العاطفة عند الشخص غير المناسب، أو بالطريقة الخطأ إنه يبحث عمن يحنو عليه ويقول له: «أحبك»، ويطرب لسماع كلمة عاطفية نحو «يا بعد قلبي»، أو كلمة إطراء مثل «أنت لطيف»، والتي افتقدها لدى والديه!

الإشباع العاطفي ومنح المحبة للأبناء صمام الأمان لهم من الانحراف، ولو أننا - أباء وأمهات - مارسنا هذا الواجب لشعرنا بسعادة لا تخطر على بال.. ولبادلونا هذه المحبة والعاطفة، ولسعدنا جميعًا بجو المحبة والعاطفة، الذي له أكبر الأثر في الاستقرار النفسي، والهدوء، والراحة، والطمأنينة التي يطلبها كل إنسان في هذه الحياة.

 وما أجمل ما ذكره لنا الشاعر عبد العزيز الدريني مبينًا حبه لابنته بالقول:

أحب بنيتي وودت أني *** دفنت بنيتي في قاع لحد

وما أن تهون على لكن *** مخافة أن تذوق الذل بعدي

فإن زوجتها رجلًا فقيرًا *** أراها عنده والهم عندي

وإن زوجتها رجلًا غنيًا *** فيلطم خدها ويسب جدي

سالت الله يأخذها قريبًا *** ولو كانت أحب الناس عندي

فلنعد إلى بيوتنا، وخاصة أننا في رمضان، ولنمارس محبتنا لأبنائنا، فهي سبيل الهناءة والسعادة النفسية، وصمام الأمان لهم من الانحراف.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

رفع الطب يديه عاجزًا وتدخل الصوم مكانه معالجًا

• العلماء والأطباء: الصيام رأس الدواء وينقى البدن من نفايات الغذاء 

• يوم صيام واحد أنفع للجسم من كثير من الأدوية 

الشيخ: محمد عبد الله الخطيب(*)

كثر الجدل حول أثر الصيام في طاقة الإنسان الجسمية وقال البعض - بغير برهان-: إن الصوم يؤثر في نمو الصبيان، وصحة الشيوخ، كما يؤثر في حجم الإنتاج ونسي هؤلاء أن الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام، والمرأة المسنة، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه، هؤلاء كلهم يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكينًا، ويرى بعض الفقهاء أنه لا فدية عليهم.

 روى الإمام البخاري عن عطاء، أنه سمع ابن عباس – رضي الله عنهما– يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: ١٨٤)، قال ابن عباس «ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا».

 اليوم في جميع أنحاء العالم توجد مستشفيات ومصحات دورها علاج الأمراض المستعصية، التي فشلت العقاقير في علاجها بالصيام. 

لقد رفع الطب يديه عاجزًا ومسلمًا، وتدخل الصيام فأبرأهم من عللهم بإذن الله. 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «صوموا تصحوا» «رواه الطبراني». 

ويقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» «رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان».

 فإذا كان الصيام طريق التقوى، وتقوية الروح، فقد ثبت أن فيه تقوية للبدن، فإن كثيرًا مما يصيب الناس من أمراض إنما هو ناشئ من بطونهم، التي يملؤونها بكل ما تشتهي من غير إدراك لما قد يصيبهم من متاعب.

 وإذا كان البطن مستنقع البلايا، والمعدة بيت الداء، فإن الصيام رأس الدواء، لأن المعدة تستريح، ومن ثم يتخلص الجسم من الكثير من الفضلات الضارة.

 يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع»، وقيل لسيدنا يوسف - عليه السلام – «لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض؟ فقال: «أخاف أن أشبع فأنسى الجائع».

 وقال لقمان الحكيم لابنه يا بني: «إذا امتلأت المعدة خرست الحكمة، ونامت الفطنة، وسكنت الأعضاء عن العبادة».

دور الصيام في العلاج

وقد أكد «بلزاك»، وكان أشهر علماء عصره اهتمامه بالصوم العلاجي، فقد كان يرى أن يومًا واحدًا يصومه الإنسان أفضل من تعاطي ما يشير به الأطباء من الدواء، وكثيرًا ما أشاد «سينكا» بهؤلاء الأطباء القدامى الذين كانوا يشيرون على مرضاهم بالصيام، بل إن «كوبنلوس» الطبيب الإغريقي، كتب في السنة العاشرة الميلادية معللًا ما لوحظ من أن الشفاء أسرع إلى المرضى الأرقاء منه إلى المرضى الأحرار، يقول إن هذا يرجع إلى أن الأرقاء أكثر دقة في اتباع نظام الصوم العلاجي»، «انظر كتاب سلسلة اقرأ د. مصطفى عبد الرحمن».

والصوم يستعمل طبيًا في علاج حالات كثيرة، والوقاية في حالات أخرى - كثيرة أيضًا فهو يعالج:

 ١- اضطرابات الأمعاء المزمنة والمصحوبة بتخمر.

 ٢- زيادة الوزن الناشئة من كثرة الطعام. 

٣- يعتبر علاجًا شافيًا لأمراض الكلى الملتهبة والحادة والمزمنة. 

٤- علاج الأمراض القلب، كما يقي من مرض البول السكري.

٥-علاج الأمراض زيادة الحساسية وأمراض البشرة الدهنية.

٦- تقوم مصحات كثيرة بالعلاج بالصوم وعملها تخليص الجسم من نفايات الغذاء ودسمه، وكثرته، وكذلك من السموم الناتجة عن التخمرات الغذائية، وبقاء فضلاتها في الجسم.

٧- يعتبر الصوم راحة إجبارية المختلف أجهزة الهضم التي هي في مقدمة ما يصاب من الجسم بالأمراض.

٨- لعل أشهر المصحات هي المصحة التي تحمل اسم د هيزيج لاهان، في «درسون بسكسونيا». ويقوم العلاج فيها كاملًا على الصوم.

٩- يقول الدكتور «اليكس كاريل».

 «إن الأديان كافة تدعو الناس إلى وجوب الصوم، إذ يحدث أول الأمر شعور بالجوع ويحدث أحيانًا التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية، أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك، ويتحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد، وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي، وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف أنسجتنا» «المرجع السابق».

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٨٣). فالصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، والغاية الأولى له إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والخشية منه سبحانه.

 فيما سبق ذكرت بعضًا مما ظهر من آثار نافعة للصوم في وظائف الأبدان، ومع أن البعض لا يميل إلى تعليل الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات - بصفة خاصة - بما يظهر للعين من فوائد حسية إذ الحكمة فيها إعداد الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة، مع هذا كله، فإنه لا يستحب نفي ما تكشف عنه الملاحظة، أو يتوصل إليه العلم من فوائد، وآثار في حياة المسلمين لهذه الفرائض والتوجيهات الربانية. 

علو الهمة.. في رمضان

قال أهل اللغة: الهمة فعلة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، وخصوها بنهاية الإرادة، والهم مبدؤها، والهمة نهايتها.

 وفي المصباح: الهمة: العزم وتطلق على العزم القوي فيقال له همة عالية فالهمة إذن غليان مستمر، ومثابرة عارمة، إنها قفز إلى القمة وطيران إلى الأعلى، وبدخول رمضان لزم علينا أن تعلو هممنا.. ومن ذلك: 

1- همّة القرآن: قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥)، فرمضان والقرآن أنزل حبيبان متلازمان لا يفترقان، فكن أيها المسلم عاشقًا للقرآن، لا تفارقه حفظاً وتلاوة ومدارسة، فرسولنا كان يتدارس القرآن مع جبريل طوال شهر رمضان يقول: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» وفي حديث آخر:« من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فليكن صدرك حافظاً لكلام الله متدبرًا له لقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾  (العنكبوت: ٤٩) في صدور وليس في سطور.

 ٢- همة الصيام: يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في معادلة رياضية إيمانية: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» إيمانًا بأنه ركن من أركان الإسلام، واحتسابًا للأجر، متحليًا بالأخلاق الفاضلة في نهاية رمضان، مرددًا دائمًا: «إني صائم.».

 وصلاة التراويح تعدل قيام ليلة كما يقول العلماء، لكن عالي الهمة يجعل ليله مع الصلاة والقرآن خاصة في الثلث الأخير من الليل، فعيونه تفيض بالدمع ساجدًا بين يدي الله، وعند الإفطار، دعوة لا ترد كما أخبرنا رسول صلى الله عليه وسلم: فعالي الهمة يحرص عليها، وتراه محافظًا على الصلوات الخمس في أوقاتها، ومع نوافلها. 

٣- همة الأعمال الصالحة: عالي الهمة يعلم أن رسولنا الله كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، فتراه ينفق ماله الإطعام الفقراء والمساكين سرًا وعلانية ليلًا ونهارًا ...، كما أن عالي الهمة ما إن تدخل العشر الأواخر حتى يجعل المسجد له معتكفًا أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم والمرأة تتخذ لها مكانًا طاهرًا في بيتها معتكفًا لها.

 وعالي الهمة يطمع في الشهادة والجهاد في سبيل الله في رمضان أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوة بدر «رمضان۱۷»  وفتح مكة، ومعركة عين جالوت، ومعركة حطين في رمضان، ويكثر من الدعاء بأن يرزقه الله الشهادة في سبيله، كما لا ينسى الدعاء للمجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها.

  ولعالي الهمة تفنن في العبادة طمعًا في رضوان الله، وشعاره دائمًا، ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (الشرح: ٨) 

تخفيضات في شهر رمضان

 نحن نفرح حينما تأتي المواسم والمناسبات لنرى التخفيضات، والتنزيلات، والتسهيلات لأننا سوف نحقق هدفًا دنيويًا، لذلك إذا جاء شهر الخير شهر رمضان اقبلنا بقوة وبشره على شراء متطلبات المنزل والبطون من الأطعمة الشهية، ولكن هل انصرفنا قليلًا عن هذا الأمر وسألنا أنفسنا.

 هل نتنازل عن بعض المعاصي، ونقبل على الله بقلوب مليئة بالإيمان والتقوى والعمل الصالح، ونسأل الله أن يتقبل منا صيام هذا الشهر، وقيامه؟

 هل نتنازل عن عدم طاعة الوالدين وبرهما وتذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة»، «رواه مسلم».

هل تتنازل عن قراءة ما لا يفيد قراءته ونظرنا وتدبرنا في كتاب الله؟ هل تنازلنا عن رؤية التلفاز وما يُعرض من أشياء مخلة بالأدب، وما حرم الله وتذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم «العينان زناهما النظر»، «رواه مسلم عن أبي هريرة».

 هل تنازلنا عن سماع الأغاني لأجل الله وتذكرنا قبول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «والأذنان زناهما الاستماع» «رواه مسلم عن أبي هريرة».

 هل تنازلنا عن السخرية بالناس، وقلنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات:١١). وتذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، «رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح». 

هل تنازلنا عن الذهاب للمقاهي، وإضاعة الوقت والمال بما حرم الله واستبدلناه بالاعتكاف في بيوت الله الواسعة به، وتذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه قيم ابلاء، وعن ماله من اين اكتسبه وقيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه» «رواه الطبراني».

 هلا تذكرنا وقلنا وعملنا يقول الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:٣٣) 

الدخول إلى عالم رمضان الحقيقي (١ من ٢)

مجدي الهلالي 

ما من عام يمر على الناس إلا ويأتيهم فيه ضيف كريم وشهر مبارك جعله الله عز وجل موسمًا لاستباق الخيرات.. النافلة كالفريضة، والفريضة كسبعين فريضة في غيره شعاره: «يا باغي الخير أقبل...» الشياطين فيه مصفدة، وأبواب النيران مغلقة، والأجواء مهيأة لنيل المغفرة والرحمة والعتق من النار.. تزينت فيه الجنة ونادت خطابها أن هلموا إلي وأسرعوا الخطى، فالسوق مفتوحة، والبضاعة حاضرة، والمالك جواد كريم. 

هذه الفرصة العظيمة - التي لا تأتي إلا مرة واحدة في العام - لا يتعامل معها المسلمون بالمستوى نفسه، فمنهم من يعتبر مجيء هذا الشهر عبئًا ثقيلًا يتمنى زواله فلا يرى فيه إلا الحرمان!... هؤلاء دخل عليهم رمضان ثم خرج دون أن يترك فيهم أثرًا أو يحدث لهم ذكرًا. 

ومن الناس من استشعر قيمته فشمر عن سواعد الجد واجتهد غاية الاجتهاد في الإتيان بأكبر قدر من الطاعات فأكثر من ختم القرآن، وأداء الصلوات والقربات، وتعامل مع كل وسيلة على أنها هدف في حد ذاته، ولم ينظر إلى الهدف - الأسمى الذي يرنو الصيام إلى تحقيقه، ومما لا شك فيه أن هؤلاء يشعرون بأثر طيب في قلوبهم لكن هذا الأثر سرعان ما يزول بعد انتهاء رمضان بأيام قلائل.

إحياء القلب

وهناك صنف اعتبر رمضان فرصة نادرة الإحياء القلب، وإيقاظه من رقدته، وإشعال فتيل التقوى والخوف من الله فيه، وهذا الصنف نظر إلى هدف الصيام فوجده في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٨٣) - فتقوى الله عز وجل هي مقصود العبادات قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:٢١)، وعلى قدرها في القلب يكون قرب العبد أو بعده من الله عز وجل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). 

وشهر رمضان ما جاء إلا ليقرب الناس من ربهم ويزيد من صلتهم به ويقطع عن قلوبهم صلتها بالدنيا.. فهو يزود القلوب بخير الزاد: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (البقرة: ۱۹۷). 

ولقد وضع الإسلام في هذا الشهر من الوسائل ما يعين المسلم على الوصول إلى هذا الهدف، ولكن كيف يعلم العبد أنه قد وصل إلى الهدف المنشود من رمضان؟

عندما تتمكن تقوى الله والخوف منه من القلب فإن أمارات الصلاح تظهر بوضوح على الجوارح مصداقاً لقول الرسول ﷺ «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»، فترى صاحب هذا القلب مسارعًا في الخيرات معظمًا الشعائر الله، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢). 

سريع الاستجابة للتوجيه والنص ﴿ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ۲۳۲)، وتراه كذلك زاهدًا في الدنيا راغبًا فيما عند الله، جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح قالوا يا رسول الله وما علامة ذلك قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».  

فإن كانت هذه بعض علامات تحقق الهدف يبقى السؤال حول كيفية الوصول إليه؟ 

إن الوسائل معروفة لدينا بل ومارسنا أغلبها من قبل، ولكن الجديد هو كيفية تعاملنا معها، والاستفادة منها للوصول إلى الغاية المنشودة من رمضان.

فأول هذه الوسائل: الصيام.. وهو وسيلة عظيمة لامتلاك النفس والسيطرة عليها، ولم لا وهي العائق الأكبر في سير العبد إلى الله، فمن شأنها دومًا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق ومن أفضل طرق ترويضها الصيام فيه تضعف مادة شهوتها فإذا أردنا أن نستفيد من هذه الوسيلة فعلينا ألا نقضي أغلب النهار في النوم، وعلينا كذلك أن نقلل من الطعام والشراب عند الإفطار، ولا تتوسع في الأصناف فيكفي صنف أو اثنان، وليكن شعارنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه...». 

ومع الصيام عن الطعام والشراب - علينا كذلك الإقلال من الكلام والضحك قدر المستطاع والترفع شعار «أمسك عليك لسانك..»، وليكن كلامنا بعيدًا عن اللغو وسائر آفات اللسان.

ثانيًا- التعلق بالمساجد: المسجد له دور كبير في تنوير القلوب.. ففي ختام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: ٣٥) يقول تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور:٣٥)، وفي الآية التي تلتها حدد سبحانه مكان تلقي نوره بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (النور:٣٦)، ففي المسجد تربط القلوب على طاعة الله، وتحبس النفس عن معصيته يقول له ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله ﷺ قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»  

  تنازع مستمر

إن قلب المؤمن كثير التقلب من حالة إلى حالة نتيجة التنازع المستمر بين داعي الإيمان، وداعي الهوى وهو بحاجة إلى ربطه وتثبيته على حالة الإيمان وهنا يأتي دور المسجد، قال أبو هريرة في قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (آل عمران: 200) «لم يكن في زمان النبي ﷺ الغزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة». 

فلنبكر بالذهاب إلى المسجد ولا تترك أماكننا بعد الصلاة إلا لضرورة كي تنعم بصلاة الملائكة علينا، قال صلى الله عليه وسلم «الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث: اللهم اغفر، له اللهم ارحمه».  

وعلى الأخت المسلمة أن تخصص مكانًا في بيتها تتخذه مسجدًا فتبكر في الذهاب إليه، وانتظار الصلاة فيه، وترديد الأذان، وطول المكث فيه كلما سنحت ظروفها.

ثالثًا: القرآن الكريم: رمضان شهر القرآن، وقد دأب الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على مدارسته فيه.. فهو وسيلة عظيمة لشفاء القلوب، وهدايتها وتنويرها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:٥٧)، وعلى قدر صلة المسلم بالقرآن تكون صلته بالله. 

وهذه الوسيلة العظيمة لن تحقق مقصودها إلا إذا تعاملنا معها بالشكل الذي يريده الله عز وجل.. لقد نزل القرآن لنتدبره وتستخرج منه ما ينفعنا لا لنقرأه بألسنتنا فقط، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (ص: ۲۹)، قال بعض السلف لا يجالس أحد القرآن ويقوم سالمًا، إما أن يربح أو يخسر، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء:٨٢). لقد قرأنا القرآن بألسنتنا قبل ذلك مرات ومرات، وكان هم الواحد منا الانتهاء من ختمه بل وكان بعضنا يتنافس في عدد المرات التي يختمه فيها وبخاصة في رمضان، فأي استفادة حقيقية استفدناها من ذلك؟ ماذا غير فينا القرآن؟ 

إن القرآن باللسان فقط - دون حضور القلب - كالنخالة كبيرة الحجم قليلة الفائدة، وهذا ما كان يؤكد عليه الصالحون على مر العصور. 

قال علي – رضي الله عنه - «لا خير في قراءة ليس فيها تدبر»، وقال الحسن: كيف يرق قلبك وإنما همتك آخر السورة، ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم فيقول - رحمه الله- : لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العالمين ومقامات العارفين، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها فقراءة آية بتفكر خير من ختمه بغير تدبر وتفهم».

 فليكن رمضان البداية الحقيقية لدخولنا إلى عالمنا القرآني الحقيقي ورؤية عجائبه وكنوزه... وليس المطلوب أن يتكلف الواحد منا الخواطر والأفكار بل علينا - في البداية - العمل على حضور القلب عند القراءة، وأن نعقل ما تردده ألسنتنا، فإذا ما سرح الذهن أثناء التلاوة قمنا بإعادة الآيات التي لم نعقلها، ومع المداومة على التلاوة وبحضور القلب تبدأ الخواطر والمعاني في الورود على الذهن دون تكلف.

رابعًا: قيام الليل: قيام الليل من الوسائل المهمة في إحياء القلب، جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد».  

إن التعرض لنفحات الله في الليل، واقتسام الغنيمة مع المجتهدين لمن أعظم وسائل غرس الإيمان في القلب.. لقد افترض الله قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات الخمس لأن الإنسان إذا خلا بريه واتصل قلبه به في جنح الليل طهر القلب ونزلت عليه الفوائد، وإن كان قيام الليل شاقًا على أمثالنا طوال العام ففي رمضان يسهل على الواحد منا القيام به.

إن هذه الوسيلة العظيمة التي تجمع بين تدبر القرآن وما فيه من كنوز وبين الركوع والسجود، وما فيهما من معاني الذل والخضوع، والانكسار لله عز وجل لمن أهم وسائل التقرب إلى الله عز وجل، فلا ينبغي أن تفوتنا ليلة دون قيام مهما كانت الظروف.

تهجد واستغفار

والأفضل بجانب أدائنا لصلاة التراويح أن نستيقظ قبل طلوع الفجر بوقت كاف للتهجد، والاستغفار، لنتذوق طعم الحياة الحقيقية باستنشاق نسيم الأسحار، ونحن نناجي - الرحمن، قال إقبال: «كن مع من شئت في العلم والحكمة، ولكن لا ترجع بطائل حتى تكون لك أنه في السحر»، وقال بعض الصالحين: «ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل الإيمان في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة... فجهز مطالبك، وحدد أهدافك، وكن خفيف النوم تنتظر دقات الساعات للخلوة بالحبيب».

خامسًا: الاستفادة من الأوقات الفاضلة: يقول ابن رجب جعل الله سبحانه وتعالى لبعض الشهور فضلًا على بعض كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر.. وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا والله تعالى وظيفة من وظائف طاعاته يتقرب بها إليه ولله فيها لطيفة من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من لفحات». 

يقول صلى الله عليه وسلم «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدًا». هذه النفحات بلا شك ستصيب من يتعرض لها، أما الغافل عنها فأحسن الله عزاءه. 

فعلى مستوى اليوم هناك ثلاثة أوقات يسميها العلماء أوقات السير إلى الله بالطاعات، وهي: آخر الليل، وأول النهار وآخره، قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، وقد ورد من النصوص الكثير في أذكار الصباح والمساء، وفي فضل من ذكر الله حين يصبح المرء وحين يمسي، وكان السلف - لآخرالنهار - أشد تعظيمًا من أوله. 

يقول الإمام حسن البنا: «أيها الأخ العزيز أمامك كل يوم لحظة بالغداة، ولحظة بالعشي ولحظة بالسحر، تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ الأعلى، فتظفر بخير الدنيا والآخرة فاحرص أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين، ومن العاملين لا من الخاملين، أما بالنسبة للأسبوع فليوم الجمعة شرف عظيم، وفيه ساعة يجاب فيها الدعاء فلنحرص على التعرض لها، يقول النووي ويستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الإجابة..

فعلينا بالاجتهاد في هذا اليوم المبارك، ولنضع له برنامجًا خاصًا، ولنبكر فيه بالذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة على أحسن هيئة. 

وإن كان شهر رمضان له أفضلية خاصة عن بقية الشهور فإن ليلة القدر لها شرف عظيم يقول «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، والتماس ليلة القدر إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان، لذلك يستحب الاجتهاد فيها. فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر «شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله..»  

ومن هذه المواسم أيضًا: موسم العمرة فهي في رمضان تعدل حجة فلنحرص على القيام بها.. وليعمل كل منا على أن ينظم أموره بالطريقة التي تعينه على الاستفادة من هذه الأوقات الفاضلة، فإن فاته وقت منها لم يترك الاجتهاد في البقية الأخرى. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل