; الإصلاح اليمني.. والاتهامات الأمريكية الواهية | مجلة المجتمع

العنوان الإصلاح اليمني.. والاتهامات الأمريكية الواهية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 32

الجمعة 21-مايو-2004

الحكومة اليمنية حائرة بين إملاءات واشنطن والضغط الشعبي والسياسي المناهض للسياسات الأمريكية.

  • منظمة «بينر» الأمريكية الشيخ الزنداني يحظى بشعبية كبيرة بين اليمنيين.

  • حكومة صنعاء لم تتلق شيئًا رسميا من أمريكا بشأن الزنداني.. والأخير يدعو سفيرها في صنعاء لتبديد شكوك حكومته.

  • سفير واشنطن في صنعاء يدير شبكة علاقات استخباراتية من خلال مكتبي «إف بي آي»، و «سي آي إيه».

ثمة إجماع لدى المراقبين السياسيين -خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر- على أن الاستراتيجية الأمريكية تستهدف جميع الحركات والأنظمة المناوئة لسياستها القائمة على الهيمنة، والمنحازة بلا حدود للكيان الصهيوني، لذلك يبدو واضحًا أن الحركات الإسلامية صارت هدفًا رئيسًا في حرب الإدارة الأمريكية العالمية ضد ما تسميه الإرهاب.

وضمن هذا السياق تبدو الاتهامات الأمريكية ضد قيادات حزب الإصلاح اليمني المعارض واهية وخالية من أي دليل، باستثناء سياسة الغطرسة التي تمارسها الإدارة الأمريكية، فقد تم في العام الماضي استدراج الشيخ محمد المؤيد عضو مجلس شورى الإصلاح إلى مدينة فرانكفورت الألمانية، وهناك اعتقل وسجن لعدة شهور قبل أن تسلمه السلطات الألمانية إلى واشنطن حيث أودع أحد سجون نيويورك، وكانت الولايات المتحدة قد وجهت عدة اتهامات ضده لم تقتنع بها المحكمة الألمانية.

وبالأمس القريب ادعت الاستخبارات الأمريكية أن الشيخ عبد الله صعتر القيادي الإصلاحي، وعضو البركان اليمني الأسبق، له علاقة بجمعيات خيرية تمول الإرهابيين، في العالم، ولم يمض وقت طويل حتى فوجي العالم بإعلان وزارة الخزانة الأمريكية إدراج اسم الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس مجلس شورى حزب الإصلاح على قائمة الممولين للإرهاب حسب زعمهم.

 إنها عملية متواصلة ضمن مخطط معد له مسبقًا، هذا ما يعتقده كثير من المحللين والمراقبين، وما يعتمل في أذهان قطاع واسع من اليمنيين، لكن المؤكد أن الحكومة اليمنية واقعة في حرج كبير، فهي حائرة بين الإملاءات الأمريكية القائمة على حجج واهية، والضغط الشعبي والسياسي العارم بعدم الرضوخ لمطامع الأمريكان وتدرك الحكومة اليمنية أن لدى واشنطن واستخباراتها قائمة طويلة بأسماء شخصيات سياسية واقتصادية وعسكرية تحاول الإيقاع بهم, ربما لعلاقتهم في يوم ما بالجهاد الأفغاني ودعمهم المتواصل للمقاومة الفلسطينية ورفضهم للسياسات الأمريكية الصهيونية في المنطقة العربية والإسلامية.

وهذا ما توصلت إليه منظمة «بينر» الأمريكية في تقرير استراتيجي أصدرته مؤخرًا، فقد قالت إن الحكومة اليمنية ستواجه مصاعب جمة أمام طلب أمريكي بتسليم الشيخ الزنداني، فمن ذلك كونه يحظى بشعبية كبيرة في اليمن, وهذا الأمر قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة اليمنية أو ربما نشوب حرب بين القبائل والسلطات الحكومية.

اتهامات أمريكية: وكانت الإدارة الأمريكية -عن طريق وزارة خزانتها- قد أعلنت أواخر فبراير الماضي أنها أضافت اسم الشيخ الزنداني رئيس جامعة الإيمان بصنعاء ورئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح إلى قائمة المشتبهين في دعم الأنشطة الإرهابية، ووصفته بأنه من الموالين لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.

وقالت الوزارة أن الزنداني له تاريخ طويل في العمل مع بن لادن وبعد أحد زعماءه الروحيين, وأنه نشط في تجنيد أنصار تنظيم القاعدة الدولي للتدريب في معسكراتها، كما لعب دورًا في شراء أسلحة لهذا التنظيم ومنظمات أخرى وقالت الولايات المتحدة إنها ستطلب من الأمم المتحدة إضافة اسم الشيخ الزنداني إلى القائمة الدولية لداعمي الإرهاب. 

الحكومة تنتظر الأدلة

 الحكومة اليمنية في البداية لم تكثرت كثيرا بالاتهامات الأمريكية وقالت على لسان وزير خارجيتها د. أبوبكر القربي: «إن التعامل مع هذه القضية سينطلق من الدستور والقانون اليمنيين في المقام الأول»، مؤكدًا أن اليمن طلبت من أمريكا أن تقدم للحكومة اليمنية أدلة تثبت ما نصب للشيخ الزنداني من اتهامات عبر وزارة خزانتها. 

وفي وقت سابق قال عبد القادر باجمال رئيس الوزراء إن بلاده لن تسلم الشيخ الزنداني إلى الولايات المتحدة، مؤكدًا أنه ليس إرهابيًا، بل استبعد أن تكون أمريكا قد اعتبرته من الإرهابيين. 

على أن الحكومة اليمنية لم تتلق أي شيء رسمي من واشنطن بشأن الزنداني, وحينما تفعل ذلك سينظر في الأمر ويتقرر ما يجب فعله, واليمن لن تسلمه لواشنطن لا هو ولا أي يمني تطالب به.

وبالرغم من هذه التصريحات الحكومية إلا أن مراقبين قالوا إنها ليست قوية ولا تعكس حقيقة تمسك الحكومة بالدستور الذي يحرم تسليم أي مواطن يمني إلى أي جهة خارجية مهما كانت الاتهامات الموجهة إليه. 

الزنداني يرد 

الشيخ الزنداني نفي التهم التي وجهتها له وزارة الخزانة الأمريكية وقال في بيان له: «إذا كان لدى أمريكا أي أدلة فلتقدمها للقضاء اليمني».

 وفي البيان الذي ألقاه أمام تجمع جماهيري للاتهامات قال: «يسرني أن أعلن للناس نفيي للاتهامات الباطلة الموجهة إليّ من وزارة الخزانة الأمريكية, وإذا كان لدى أمريكا أية إدانات لي فعليها أن تقدمها للقضاء في اليمن، وكوني مواطنا يمنيًا فإن الحكومة اليمنية معنية بالدفاع عن مواطنيها, وأؤكد أن الإرهاب كما عرفه علماء المسلمين في المجمع الفقهي بمكة المكرمة، يمكن تلخيصه في أنه المتمثل باستخدام السلاح خارج الشريعة والقانون أو قتل الأبرياء وهذا إرهاب باطل أدينه بكل صوره وأشكاله وقد أعلنت ذلك غير مرة».

 وفي الأول من أبريل الماضي أكد الشيخ الزنداني استعداده المثول أمام القضاء اليمني لمواجهة الاتهامات الأمريكية الباطلة، وطلب من السفير الأمريكي في صنعاء إدموند حول زيارته لتبديد شكوك الإدارة الأمريكية.

اتهاماته بدعم الإرهاب 

وفي الوقت نفسه انتقد بيان صادر عن مكتب الزنداني حديثًا صحفيًا أدلى به السفير الأمريكي لأسبوعية يمنية انتقد فيه جامعة الإيمان التي يترأسها الزنداني ووسمها بالإرهاب، وتسائل البيان هل من حق أي سفير إصدار الأحكام في شؤون داخلية لأي دولة؟

وطالب البيان السفير الأمريكي بـ«تحري الحق والأدلة في اتهامه للشيخ الزنداني وجامعة الإيمان».

وقال إن الشيخ على استعداد للرد أمام القضاء اليمني على الاتهامات الباطلة وعلى أي دعوى وقد أعلن ذلك للحكومة اليمنية التي تبنت هذا الموقف رسميًا. 

لكنه انتقد أيضًا ما أعلنه السفير الأمريكي بصنعاء بأنهم قلقون من جامعة الإيمان ويهدفون إلى وقف التمويل الخارجي عن الجامعة.

 وأكد مكتب الشيخ الزنداني أن جامعة الإيمان تلتزم بالوسطية الإسلامية التي أكد عليها القرآن قائلًا: «إن الإسلام يحرم على اتباعه قتل الأبرياء والاعتداء على الأطفال النساء ورجال الدين وسائر المدنيين غير المحاربين, وأن الإسلام يحث أتباعه على الوفاء بالمواثيق الدولية واحترامها، معتبرًا أن العالم قد أصبح بحاجة ماسة إلى تعريف قانوني دقيق وواضح يحدد المفهوم المقصود للإرهاب».

الإدارة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر تبنت مفهومًا غامضًا للإرهاب -كما يشير بيان الزنداني-، وعلى ضوئه انتهجت سياسات واستراتيجيات جعلت من بلدان العالم الإسلامي بحكوماته وعلماءه ومؤسساته التعليمية والخيرية هدفًا لما أسمته مكافحة الإرهاب، حتى ظن الناس أن الإرهاب صار مرادفًا للإسلام، وبناء على هذا المفهوم الخاص بالإرهاب مارست الإدارة الأمريكية سياسة تجفيف منابع الإسلام زاعمة أنها تجفف منابع الإرهاب فطالبت الحكومات في الدول الإسلامية بتغيير مناهج التعليم الإسلامي في المدارس والمعاهد والجامعات.

 اختراقات أمريكية

 وكان السفير الأمريكي لدى اليمن أدموند هول قد أعلن أن حكومة بلاده ستقدم ملف اتهام الشيخ الزنداني بتمويل منظمات إرهابية إلى الأمم المتحدة للمصادقة على قرار الخزانة الأمريكية.

 وقال في حديث صحفي نشرته أسبوعية «النهار» اليمنسة: إن تصنيف الشيخ الزنداني خطوة أمريكية على أساس معلومات حصلنا عليها حول نشاطات الداعية الإسلامي كممول للإرهاب, والحكومة اليمنية تهتم بالقضية, مضيفًا: «يوجد حوار بين واشنطن وصنعاء بخصوص الزنداني والحكومة اليمنية لديها قلق بشأن حصول متطرفين على تمويل من الخارج وأن العمل يجري لوقف هذا التمويل».

 يشار هنا إلى أن حملات صحفية عديدة قد شنت على السفير الأمريكي الذي تنتهي فترة عمله في أغسطس القادم، وكان أشدها هجوم أسبوعية «الميثاق» الناطقة بلسان حزب المؤتمر الشعبي الحاكم التي هددته بأنه قد يكون شخصًا غير مرغوب فيه، مبررة ذلك بتدخله في الشؤون الداخلية لليمن وعدم التزامه بالتقاليد والأعراف الدبلوماسية, وكأنه مندوب سام, مذكرة إياه بأن اليمن دولة ذات سيادة وليست ولاية أمريكية. 

لكن السفير الأمريكي واصل أنشطته غير الدبلوماسية وأقام علاقات مباشرة مع شيوخ قبائل ومواطنين يمنيين في خطوة اعتبرتها بعض المصادر اليمنية دليلًا على انتهاك السيادة خاصة إشرافه على عملية اغتيال الرجل المتهم بالانتماء إلى تنظيم القاعدة، أبو علي الحارثي، بواسطة صاروخ برايداتور من طائرة أمريكية بدون طيار.

 ويرى العديد من المراقبين أن السفير الأمريكي هول قد نجح في إقامة شبكة علاقات استخباراتية مع عملاء يمنيين، خاصة أن مكتبين لـ «إف بي آي» و«سي آي إيه» يعملان من داخل السفارة الأمريكية في صنعاء لتعقب ورصد تحركات من تشتبه به واشنطن، وتجنيد عملاء محليين لموافاتهم بالمعلومات المطلوبة وهذا ليس سرًا, حيث كشف الرئيس اليمني في مقابلة مع قناة الجزيرة عن أن المكتبين يعملان بإذن الحكومة اليمنية وتحت بصرها وسمعها. 

وما زالت أسئلة تتبادر إلى ذهن كل مراقب و محل سياسي عن مغزى استهداف حزب الإصلاح في هذا الظرف, والأكثر إلحاحا قرابة المستقبل السياسي للإصلاح في ظل الاتهامات الأمريكية لكبار قياداته بالإرهاب، إذ يقول د/ أحمد الدغشي أستاذ أصول التربية في جامعة صنعاء وهو أحد المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية إن بعض ذوي النظر القاصر يرون أن عوامل النفوذ والتمكن والتقلب المادية تعني الانتصار الدائم لمن يمتلكها، والحق أن السنن الإلهية في عالم الإنسان تؤكد أن ميزان القوة المادية لا يعني تحقيق ذلك النصر ما لم تكن القضية عادلة وتمثل فكرة الخير.

وفي شأن مستقبل حزب الإصلاح في ظل الاتهامات الأمريكية فإن الأمر كما يرى الدغشي لا يخرج عن الحقيقة السابقة بأن الولايات المتحدة تلقي بالتهم لكل مخالف لها في توجهاتها في صورة فرد أو جماعة أو جمعية أو مؤسسة, لكن علينا أن نتذكر أن الضربات المتتالية للحركات المجاهدة والإصلاحية لم تقل منها شيئًا يذكر، بل أكسبتها تعاطفًا شعبيًا متزايدًا.

الرابط المختصر :