العنوان الإعجاز في التدوين والجمع للقرآن الكريم
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010
مشاهدات 57
نشر في العدد 1901
نشر في الصفحة 52
السبت 08-مايو-2010
لأن القرآن الكريم هو الوحي الخاتم للنبوة الخاتمة الذي ختمت به معجزات النبوات والرسالات وشرائعها، فلقد شاء الله - سبحانه وتعالى - أن يتعهد هو بحفظه من التحريف لفظا بالتبديل والتغيير، ومعنى بفاسد التأويلات، وذلك لتظل حجة الله قائمة أبداً على عباده، بهذا الوحي الخاتم الخالد.. وهذه الرسالة الخاتمة الخالدة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد شاء - سبحانه وتعالى لطفاً – منه أن يحفظ هذا الوحي القرآني الخاتم حفظاً إلهيا.. فلا يدعه إلى الناس - بأهوائهم.. وقدراتهم النسبية - يحرفون كلمه من بعد مواضعه، أو ينسون حظا مما ذكروا به فيه.. كما حدث للكتب السماوية، التي سبقت القرآن الكريم.
وعن هذه المشيئة الإلهية، قال الله سبحانه وتعالى في هذا الإعجاز القرآني المتحدي: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)﴾ (الحجر)، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لكلماته وَلَن تجد من دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)﴾ (الكهف)، ﴿أَفَغَيْرَ الله أبتغي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَضِّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُتَزَلٌ مَن رَبِّكَ بالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وتمت كلمتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾ (الأنعام).
كما تعهد سبحانه وتعالى بعصمة رسوله من أن ينسى شيئا مما أوحي إليه.. فقال لرسوله ﷺ: ﴿سَنُقْرِئُك فَلا تَنسَى (6) إِلا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَتَيَسْرُكَ لِلْيُسْرَى (8)﴾ (الأعلى)، من ثمرات حفظ القرآن الكريم، وعندما كان رسول الله ﷺ يتعجل بذل الجهد والطاقة في حفظ ما يوحيه الله إليه، مخافة أن يصيب هذا الوحي القرآني شيء مما أصاب الكتب السابقة.. من الضياع والتحريف والنسيان؛ جاء الوحي الإلهي لرسوله ﷺ بأن الله - سبحانه وتعالى - كما تعهد بحفظه وكما عصمه من النسيان، فلقد تعهد بجمع هذا الوحي القرآني.. فالمشيئة الإلهية قد تعهدت بالجمع والمتضمن للترتيب والحفظ جميعا ﴿لا تُحرك به لسَانَكَ لَتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانه (19)﴾ (القيامة).
ولأن الله – سبحانه وتعالى – إذا أراد أمراً في عالم الإنسان الذي فيه تخيير وتمكين هيأ لهذا الأمر أسباب التحقيق والتمكين.. فلقد هيأ لهذا القرآن من أسباب التدوين والحفظ والتوثيق ما لم يتهيأ لكتاب سابق في تاريخ النبوات والرسالات.
وعن هذه الحقيقة قال شيخ الأمناء، وأحد أبرز العقول الأصولية والمجتهدة والمجددة في عصرنا الحديث.. الشيخ أمين الخولي (۱۳۱۳ - ١٣٨٥هـ / ١٨٩٥ - ١٩٦٦م):
«لقد كانت للرسول ﷺ عناية بنشر الكتابة في مجتمعه.. وكان للرسول ﷺ كَتَبَة وحي يكتبون بين يديه القرآن.. وقد بلغ عددهم نحو بضعة وعشرين شخصا، ورأى - عليه السلام - لبعضهم أن يتعلموا من اللغات غير لغتهم العربية.. وكذلك كتب القرآن أولا بأول، مع حفظ ما ينزل منه كذلك أولاً بأول فتهيأ للنص القرآني من الاطمئنان ما لا يكاد يتوافر مثله على التاريخ لما حفظت البشرية من نصوص وأصول ....» (۱).
وعن هذه الحقيقة ذاتها - حقيقة الوثوقية العليا لحفظ القرآن وتدوينه وتوثيق سوره وآياته - قال المستشرق الإنجليزي «مونتجمري وات» (۱۹۰۹ - ٢٠٠٦م) رغم أنه قسيس أنجيليكاني وابن قسيس!! قال:
«إن القرآن كان يُسجل، فور نزوله.. وعندما تمت كتابة هذا الوحي شكل النص القرآني الذي بين أيدينا.. إنه كلام الله وحده.. قرآن عربي مبين.. وعندما تحدى محمد أعداءه أن يأتوا بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان للبشر أن يتحدى الله سبحانه» (۲).
- وعن ذات الحقيقة الوثوقية غير المسبوقة التي امتاز بها وتميز بها تدوين القرآن الكريم جاء في مصادر علوم القرآن:
«أخرج أبو داود من طريق يحيي بن عبد الرحمن بن حاطب قال:
«كانوا يكتبون ذلك القرآن في الصحف والألواح والعُسُب (جريد النخل... يكتبونه بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام».
- «وقال الحارث المحاسبي (١٦٥ - ٢٤٣هـ - ۷۸۱ - ٨٥٧م) في كتاب (فهم السنن): إن كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإن النبي ﷺ كان يأمرهم بكتابته».
«وأخرج أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عثمان: كان رسول الله ﷺ تتنزل عليه السورة ذات العدد؛ فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا...» (٢).
- ولذلك وجدنا في المصادر التي أرخت لمجتمع النبوة ودولتها كيف أن جهازا كاملاً وكبيراً في ذلك المجتمع وتلك الدولة قد تخصص في القيام على تدوين الوحي القرآني في أدوات التدوين المتاحة يومئذ والألواح والعسب - وذلك فضلا عن الصحف حفظه في الصدور وتطبيق آياته وأحكامه بالمجتمع والأسرة والحياة الخاصة والتعبدية آناء الليل وأطراف النهار.
نعم.. لقد ذكرت المصادر الموثوقة والمعتمدة التي أرخت لمعالم وعمالات دولة النبوة والمؤسسات المجتمع النبوي أن دولة النبوة التي بدأ الوحي فيها به «اقرأ» سواء التي أخرجت العرب من ظلمات الأمية إلى نور العلم والحضارة، أن هذه الدولة قد كان لرئيسها ﷺ أكثر من أربعين كاتباً، وأن تدوين آيات الوحي القرآني وسوره قد تخصص له وفيه ثمانية وعشرون من هؤلاء الكتاب.
- وإذا كان البعض سيعجب من تخصيص هذا العدد الكبير من الكتاب التدوين الوحي القرآني فور نزول آياته الكريمة – في مجتمع كانت تشيع فيه الأمية - فإن هذا الإعجاب سيتزايد عندما تكشف الحقيقة التاريخية أن هؤلاء الكتاب الذين تخصصوا في تدوين الوحي القرآني، لم يكونوا مجرد كتاب يحسنون القراءة والكتابة، وإنما كانوا من أركان القيادات التي أقامت الدين وأسست الدولة وفتحت الفتوح، وأزالت القوى العظمى التي قهرت الشرق يومئذ، ووضعت الأسس الراسخة لهذه الحضارة الإسلامية التي نبعت من هذا الوحي القرآني العظيم الذي تعهدوا آياته وسوره بالتدوين والتوثيق.
ولعلها المرة الأولى التي تتكشف فيها أبعاد هذه الحقيقة.. عندما لا نكتفي بذكر أمر الكتاب الثمانية والعشرين الذين تخصصوا في تدوين الوحي.. وإنما نترجم لهم في سطور ترجمة تكشف عن حقيقة أنهم لم يكونوا مجرد خبراء في القراءة والكتابة، وإنما كانوا زعماء وقادة في المجتمع النبوي؛ الأمر الذي يكشف عن مدى المصداقية والوثوقية التي هيأها اللطف الإلهي لتحقيق المشيئة الربانية بالحفظ لهذا الكتاب.
لقد جاء في كتاب: «نظام الحكومة النبوية المسمى «التراتيب الإدارية» وهو أوفى وأوثق المصادر التي جمعت معالم دولة النبوة ومؤسساتها وعمالاتها وملامح مجتمعها - أن رسول الله ﷺ باعتباره النبي والحاكم قد اتخذ لصناعة الكتابة ثلاثة وأربعين كاتباً، منهم ثمانية وعشرون كاتباً تخصصوا في تدوين الوحي القرآني.
ولقد آثرنا في هذه الدراسة ألا نكتفي بذكر أسماء هؤلاء الكتاب الثمانية والعشرين على نحو ما صنعت المصادر التراثية، وإنما أن نترجم لكل واحد منهم في سطور قليلة - لنكشف عن المقام العالي لأصحاب هذا الديوان والذي قام أصحابه على تحقيق المشيئة الإلهية في حفظ القرآن الكريم.
لقد ضمت قائمة كتاب الوحي القرآني كلاً من:
(1) أبو بكر الصديق (51ق.هـــ - 13هـــ /572 – 634م)
وهو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي.
أول من آمن بالإسلام من الرجال، وأحد أعاظم العرب في الجاهلية، نشأ سيدا من سادات قريش، وواحداً من كبار أغنيائها، وكان عالما بأنساب العرب، وأخبارها وسياساتها، حتى لقبه العرب «بعالم قريش»، ولقد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية فلم يشربها قط.
وكان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة والغار وفي الكثير من المواقف والمشاهد، وفي احتمال الشدائد، اشتهر بالصديق لثبات تصديقه لرسول الله ﷺ في المحن والشدائد، وقيل: كانت تلك صفته وشهرته التي اشتهر بها - في الجاهلية وهو أحد المهاجرين الأولين - العشرة - بويع بالخلافة يوم وفاة الرسول ﷺ فكان أول الراشدين، وقاد حروب الردة التي أعادت الوحدة إلى دولة الإسلام.
وفي عهده تم تحرير كثير من بلاد الشام من الاحتلال البيزنطي، وبدأ تحرير العراق من الاحتلال الفارسي، وفي عهده جمعت صحائف القرآن الكريم فكونت المصحف والكتاب.
وكان خطيباً.. شجاعاً.. بطلاً.
وله في كتب الحديث النبوي ١٤٢ حديثا.
المراجع
(1) أمين الخولي: «عن القرآن الكريم»، ص۲۸, ۲۹, ۳۷ دراسة وتقديم أ.د. محمد عمارة، طبعة نهضة مصر القاهرة ٢٠٠٠م.
(۲) مونتجمري وات: «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر»، ص ٢٦، ۲۷، ۸۲، ترجمة: د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ، طبعة الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠٠١م.
(۳) السيوطي: «الإتقان في علوم القرآن» جـ 1، ص 60،58، طبعة القاهرة، سنة ١٣٥٤هـ /١٩٣٥م.
منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن الكريم – بمكة المكرمة – وعلى امتداد سنوات نزوله بالمدينة المنورة – كان الإعلان عن أنه المعجز.. المتحدي والتحدي.. المعجز... ليس للعرب وحدهم.. وليس للبشر المعاصرين فقط.. بل للإنس والجن قاطبة، عبر الزمان والمكان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الشيخ أمين الخولي: كان للرسول ﷺ كتبه وحي يكتبون بين يديه القرآن مع حفظه في الصدور.. وقد تهيأ للنص القرآني من الاطمئنان ما لا يكاد يتوافر مثله على مدار التاريخ لما حفظت البشرية من نصوص وأصول.
المستشرق مونجمري وات: عندما تحدى محمد ﷺ أعداءه أن يأتوا بسورة من مثل السورالتي أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي لأن السور التي تلاها ﷺ هي من عند الله.
(*) كاتب ومفكر إٍسلامي.