العنوان الإعجاز في التدوين والجمع للقرآن الكريم الجمع الإلهي للقرآن الكريم
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010
مشاهدات 54
نشر في العدد 1904
نشر في الصفحة 44
السبت 29-مايو-2010
مونتجمري وات: إذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه فمن الصعب أن نتصور أن زيد بن ثابت أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل
الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن هو عثمان بن عفان رضي الله عنه ولكن الذي حدث أن عثمان حمل الناس على القراءة بوجه واحد
منذ اللحظة الأولى لنزول القرآن الكريم - بمكة المكرمة - وعلى امتداد سنوات نزوله بالمدينة المنورة - كان الإعلان عن أنه «المعجز.. المتحدي» و«التحدي.. المعجز».. «ليس للعرب وحدهم.. وليس للبشر المعاصرين فقط.. بل للإنس والجن قاطبة، عبر الزمان والمكان والى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
تناولنا في العدد الماضي سيرة ۱۳ صحابيًا من الذين كلفهم الرسول ﷺ بجمع القرآن الكريم حال نزوله وتدوينه في صحائف ورقاع لديهم.
واليوم نتناول سيرة أربعة آخرين ليكتمل العدد ويصل إلى ٢٨ كاتبًا ومدونًا للقرآن الكريم.. ونختتم هذه السلسلة بعرض آراء العلماء في مسألة جمع وتدوين القرآن الكريم ومنها شهادة المستشرق الإنجليزي الحجة «مونتجمري» وات الذي أكد أن الشواهد كلها تؤكد أن الله سبحانه وتعالى من تكفل بجمع القرآن الكريم.
٢٥ - أبان بن سعيد ( ت ١٣هـ / ٦٣٤م)
هو أبو الوليد أبان بن سعيد بن العاص الأموي.
من أشراف قريش، وكبار الصحابة وكتاب الوحي.. أسلم سنة 7هـ / ٦٢٨م، بعد أن كان شديد الخصومة للإسلام والمسلمين.
ولاه رسول الله ﷺ عاملًا على البحرين، وعاد إلى المدينة عقب وفاة الرسول ﷺ واستشهد بموقعة أجنادين بأرض الشام في خلافة أبي بكر الصديق.
٢٦- العلاء الحضرمي (ت ٢١هـ / ٦٤٠م )
هو العلاء بن عبدالله الحضرمي، أصله من حضرموت ببلاد اليمن، ولد ونشأ بمكة حيث سكن أبوه، وصار من رجال الفتوحات في صدر الإسلام.
تولى ولاية البحرين لرسول الله ﷺ سنة ٦٢٩م، مع ولاية الصدقة والأموال فيها، وكتب له رسول الله ﷺ الكتاب الذي فصل فيه فرائض الصدقات والزكوات.
وكان أول من فتح جزيرة بأرض فارس في الإسلام سنة ١٤هـ / ٦٣٥م، ويقال: إنه أول قائد مسلم ركب البحر غازيًا في سبيل الله.
واستمر واليًا على البحرين إلى عهد عمر بن الخطاب، حيث وجهه إلى البصرة، فتوفي وهو في الطريق إليها.
۲۷- جهيم بن الصلت
هو جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي.
أسلم عام خبير سنة ٧هـ / ٦٢٨م، وأعطاه الرسول ﷺ من غنائم خيبر ثلاثين وسقًا.
۲۸- حبان بن سعيد بن العاص (1)
هكذا رأينا - ونرى - أن أهل هذا «الديوان» الذين تخصصوا في تدوين الوحي القرآني، لم يكونوا مجرد كتاب يحسنون صناعة الكتابة والتدوين.. وإنما كانوا - مع ذلك وفوقه - قادة مقدمين في:
- السبق إلى الإسلام.
- والتضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله.
- وإقامة الدين.
- وإزالة الشرك والوثنية.
- وتأسيس الدولة.
- وفتح الفتوح التي حررت أوطان الشرق وضمائر شعوبه من قهر الروم والفرس.
- والقيام على الحكم والتدبير للولايات الإدارية.. والمالية.. والحربية في الدولة.
- والبراعة في العلم.. والفتيا... والقضاء.. ورواية الحديث النبوي الشريف (2).
هكذا كان كتاب الوحي القرآني الذين حققوا إرادة الله - سبحانه وتعالى - في حفظ هذا الذكر الحكيم. ولقد نظم الحافظ العراقي - عبد الرحيم بن الحسين (٧٢٥) - ٨٠٦هـ / ١٣٢٥ - ١٤٠٤م) أسماء كتاب الوحي هؤلاء مع غيرهم من كتاب دولة النبوة - الذين بلغ عددهم اثنين وأربعين كاتبًا.. نظم أسماءهم في قصيدة سجلت - بالنظم - هذه الحقيقة.. من حقائق التدوين والتوثيق والحفظ للقرآن الكريم، فقال:
كتابه اثنان وأربعونا زيد بن ثابت وكان حينا
كاتبه وبعده معاوية ابن أبي سفيان كان واعية كذا
أبو بكر كذا علي عمر عثمان كذا أبي
وابن سعد خالد وحنظلة كذا شرحبيل حسنة
وعامر وثابت بن قيس كذا ابن أرقم بغير لبس
واقتصر المزي مع عهد النبي منهم على ذا العدد المبين
وزدت من مفترقات السير جمعًا كثيًرا فاضبطنه واحصري
والزبير وابن الحضرمي وابن رواحة وجهما فاضمم
وابن الوليد خالد وحاطبًا هو ابن عمرو وكذا حويطبا
حذيفة بريدة أبان ابن سعيد وأبا سفيان
كذا ابنه يزيد بعض مسلمة الفتح مع محمد بن مسلمة
عمرو هو ابن العاص مع مغيرة كذا السجل مع أبي سلمة
كذا أبو أيوب الأنصاري كذا ميعقب هو الدوسي
وابن أبي الأرقم فيهم اعدد كذلك ابن سلول المهتدي
كذا ابن زبير اسمه عبدالله والجد عبد ربه بلا اشتباه
واعدد جهيما والعلا بن عقبة كذا حصين بن نمير أثبت
وذكروا ثلاثة قد كتبوا وارتد كل منهم وانقلبوا
ابن أبي سرح مع ابن خطل وآخر أبهم فلم يسم لي
ولم يعد منهم إلى الديوان سوى ابن أبي سرح وباقيهم غوى
هكذا نظم الحافظ العراقي أسماء كتاب دولة النبوة، وعددهم اثنان وأربعون كاتبًا منهم ثمانية وعشرون تخصصوا في كتابة الوحي القرآني.
«ولقد أوصلهم البرهان الحلبي في «حواشي الشفاء» إلى ثلاثة وأربعين، وقال الهوريني في «المطالع النصرية» ولكن لم يكونوا كلهم كتاب وحي» (3).
ولقد ترجمنا للثمانية والعشرين الذين تخصصوا في كتابة الوحي القرآني، فرأينا مقامهم في دولة النبوة ومجتمعها.. ومن ثم رأينا مقام رسالتهم هذه تدوين الوحي وتوثيق سوره وآياته... وهو مقام لم يحظ به كتاب ديني أو بشري على امتداد التاريخ.
*****
أما جمع القرآن الكريم - الذي حظي نصه بهذا التدوين والتوثيق - فلقد أعلن عنه المولى سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ () فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ () ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة:17-19).
- وشهد له المستشرق الإنجليزي الحجة «مونتجمري وات»، عندما قال في تفسير هذه الآيات:
- «إن التفسير الطبيعي لهذه الآيات هو أن محمدًا ما دام يتبع تلاوة من يتلو عليه «جبريل» - فإن الله يتكلف بجمع الآيات المتفرقة، أو التي أوحى بها في أوقات مختلفة ليضعها في سياق واحد.
وإذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور زيد بن ثابت - أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل، ومن هنا فإن كثيرًا من السور قد اتخذت شكلها الذي هي عليه منذ أيام محمد نفسه ﷺ» (4).
- عن هذه الحقيقة - حقيقة الجمع الإلهي للقرآن الكريم - تحدثت مصادر علوم القرآن الكريم عن المراحل الثلاث لهذا الجمع.
فقال الحاكم النيسابوري محمد بن عبدالله - (٣٥١ ٤٠٥ هـ / ٩٣٣ - ١٠١٤م) في «المستدرك»:
«لقد جمع القرآن ثلاث مرات: إحداها: بحضرة النبي ﷺ.
ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع الحديث».
وقال البيهقي: شبه أن يكون المراد: تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة من النبي ﷺ.
الثانية: بحضرة أبي بكر.. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر.
وأخرج ابن أبي داود، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال:
قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهیدان.
وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد أنه وجد مكتوبًا حتى يشهد به من تلقاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظ المكان بفعل ذلك مبالغة في الاحتياط.
قال ابن حجر (۷۷۳ - ٨٥٢هـ / ١٣٧١ - ١٤٤٩م) وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب.
وقال السخاوي (٨۳۱ - ٩٠٣هـ / ١٤٢٧ - ١٤٩٧م) في «جمال القراء»: المراد أنهما الشهيدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يديه ﷺ.
وقال الحارث المحاسبي ( ١٦٥ - ٢٤٣هـ / ۷۸۱ - ۲۳م)، في كتاب «فهم السنن»: كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمرهم بكتابته، ولكنه كان مفرقًا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخه من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتثرًا فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.
«إنما كان الأديم والعسب وجريد النخل كشط خوصة» - أولًا، قبل أن يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة.
والجمع الثالث: في زمن عثمان، أرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف... فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم.
وقال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين للهجرة.
واقتصر من سائر اللغات «اللهجات» على لغة «لهجة» قريش، محتجًا بأنه نزل بلغتهم «لهجتهم»، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم، ومنعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى «أي عثمان» أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على نقطة واحدة.
وقال القاضي أبو بكر في «الاقتصار»: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة من النبي ﷺ وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع التنزيل.
قال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد.. فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن.
والإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك.
أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي ( ٧٤٥ - ٧٩٤هـ / ١٣٤٤ - ١٣٩٢م) في «البرهان» وأبو جعفر بن الزبير - في «مناسباته» - وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قال عثمان: كان رسول الله ﷺ يتنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا.
قال الزركشي - في «البرهان»: والخلاف بينهم حول ترتيب السور أهو توقيفي أيضًا؟ أو باجتهاد الصحابة؟ خلاف لفظي، لأن القائل بأنه باجتهاد الصحابة يقول: إنه رمز إليهم ذلك بعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك (۹۳ - ۱۷۹هـ / ۷۱۲ - ۷۹۵م) - مع قوله باجتهاد منهم: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ.
وأخرج ابن أبي داود، بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي، قال:
جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار:
معاذ بن جبل ( ۲۰ ق هـ - ١٨هـ / ٦٠٣ ٦٣٩م).
وعبادة بن الصامت (٣٨ ق هـ - ٣٤هـ / ٥٨٦ - ٦٥٤م).
وأبي بن كعب (ت ٢١ هـ / ٦٤٢م).
وأبو الدرداء (ت ٣٢ هـ / ٦٥٢م).
وممن جمع القرآن أيضًا:
أبو موسى الأشعري ( ٢١ ق هـ - ٤٤ هـ / ٦٠٣ - ٦٦٥م).
وقيس بن أبي صعصعة «وهو خزرجي».
وسعيد بن المنذر بن أوس بن زهير «وهو خزرجي».
وأبو زيد قيس بن السكن.
وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث «التي لقبها الرسول بالشهيدة» (5).
فجمعته الدولة.. وجمعه الصحابة من الحفاظ والقراء.. وهكذا حظي تدوينه وتوريثه وجمعه بما لم يحظ به کتاب آخر على مر التاريخ، وبذلك تحقق الوعد الإلهي الحق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)
المراجع
- لم أعثر له على ترجمة في المصادر التي تيسر لي الاطلاع عليها.
- انظر: عبد الحي الكتاني نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية جدا ۱۱۷، طبعة دار الكتاب ص ١١٤ العربي، بيروت.
- والسيوطي: «الإتقان في علوم القرآن»، ج ۱ ص ٥٨ ٦٠.
- وأمين الخولي: «عن القرآن الكريم»، ص ۲۹ ۲۸.
- ومونتجمري وات: «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر»، ص ۲۲ - ۲۳.
- وابن الأثير« أسد الغابة في معرفة الصحابة« طبعة دار الشعب القاهرة.
- والزركلي - خير الدين - «الأعلام».
- نظام الحكومة النبوية، ج ١، ١١٤- ۱۱۷.
- «الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر»، مرجع سابق، ص ۱۷۹.
- «الإتقان في علوم القرآن»، مرجع سابق ج ١ ص ٥٧ – ٧٢.