العنوان الإعلانات .. ورسالتها الأخلاقية
الكاتب محمد حمزة
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
تعتبر الإعلانات أحد الركائز الرئيسة للتسويق، والإعلان وسيلة قديمة قدم الحضارة الإنسانية، ومنذ أن عرف الإنسان عملية البيع والشراء، والإعلانات تعطي فكرة عن المجتمع في أي وقت وكما جاء في كتاب الإعلان advertise لمؤلفه فرانك جيفكيتز frank jefkins «الإعلان عملية متغيرة بتغير المجتمع الخدمة ونوع الزبون».
والحقيقة أنه لولا الإعلان لبارت سلع ولو كانت جيدة، ولماتت في مهدها منتجات حتى لو كانت ممتازة الصنع، وبه أيضًا راجعت سلع وعرفت بضائع على رداءتها.
ومع نهوض الإعلانات وتطورها في العصر الحديث، تطور التسويق وزادت أرباح الشركات المعلنة بشكل كبير، الأمر الذي شجع الكثير على خوض هذا المجال المربح، وبالطبع فقد دخلت المرأة أو أدخلت لتكون جزءًا من العملية الإعلانية، ولم يقتصر استغلال المرأة على ظهورها فحسب، بل تخطاه إلى استغلال مفاتنها في الدعاية والإعلان، وأصبح من المستحيل أحيانًا أن تشاهد إعلانًا بدون امرأة فاتنة أو نجمة تبرز مفاتنها في إعلان لا علاقة له بالإغراء «كأن تظهر امرأة ترتدي المايوه لتعلن عن نظارة!!».
وقد يبدو أن خطورة الإعلان فقط في استخدام المرأة وإبراز مفاتنها، إلا إننا نسرد هنا لبعض المخاطر الأخرى والتي يحملها لنا ولأسرتنا إعلان اليوم.
1- الخطر الأخلاقي الناتج عن تعليم الناشئة والأطفال على وسائل حياتية قد لا تُمكن الأسرة من توفيرها لهم، فعلى سبيل المثال حين يقدم الإعلان شابًا في مقتبل العمر وهو يعلن عن سيارة فاخرة لا بأس من الإعلان مع رسالة تربوية لن تكلف شيئًا كأن يقدم لنا هذا الشاب وهو يعمل ويكدح فهو أيضًا يرينا أن من حق الشاب أن يحلم بهذه السيارة ولكن أن تقدم السيارة والشاب ومعه فتاة نصف عارية فهذه ضمن الرسالة السلبية للإعلان.
على أن محطات تلفزيونية وشركات عالمية قد انتبهت إلى الرسالة الأخلاقية للإعلان فقدمت إحدى الشركات إعلان لمشروب الميراندا على النحو التالي:
اثنين من العمال يعملون في فرن لصهر الحديد وبينما درجة الحرارة ترتفع بدرجة كبيرة وتصل إلى الاحمرار يظهر المشروب «لقد أبرز الإعلان قيمة العمل والكد دون أن يتحدث عنها مباشرة».
2- الخطر الاجتماعي من تقديم منتج والدعاية له دون الإفادة عن الضرورة الاجتماعية والاقتصادية، فلا يكفي تقديم سيارة لأنها فاخرة أو غالية أو لأن الوجهاء يركبونها، فلا بد للإعلان من أن يبرز المبررات الفنية والحاجة الاجتماعية والاقتصادية لمنتج يوجد غيره أو شبيه به العديد، والسعر أقل.
3- لكن خطرًا اجتماعيًا أكثر ضراوة قد ينجم عن الطريقة اللاأخلاقية للإعلان، المشاعر الحسية والنفسية للمشاهد وإغرائه بشكل يجعله يفكر ليل نهار لا في المنتج ولكن في المشاهد التي داعبت حسه في الإعلان، أو قد تدفعه إلى محاكاة المعلن أو المعلنة، خصوصًا إذا كان من النجوم المعروفين، وفي إحدى الدراسات التي أعدتها منظمة الصحة العالمية حول التدخين في السن المبكرة تبين أن غالبية تصل إلى 90% منهم تأثروا بالكبار، إما عن طريق المعايشة أو عن طريق الإعلان، خصوصًا النجوم المعروفة، وقد ثبت من حجم الإنفاق في السوق الإعلاني العربي للعام 1997م وجد أن أعلاها كان لصالح إحدى شركات التدخين أنها احتلت المرتبة الثالثة في قائمة أعلى خمسين شركة إنفاقًا على الإعلانات في المنطقة العربية، وذلك بعد السيارات... كما أن شركة أخرى قد احتلت المرتبة 35 في هذه القائمة، ولم يقف الأمر على الدخان، بل وصل إلى الخمور والإعلان عنها في المحطات العربية وخصوصًا اللبنانية.
4- ولا يقتصر الخطر الاجتماعي للإعلانات على تعليم الناشئة وإفساد المجتمع خلقيًا، بل تعداه إلى الثقافة نفسها، فقد أصبح للإعلانات وبخاصة المثير منها- جمهور غير قليل في العالم العربي- ولم تقتصر نسبة محبي الإعلانات على الشباب والمراهقين، بل تخطتهما إلى الكبار، وتفيد صفحات الحوادث في الجرائد المصرية أن نسبة كبيرة من الخلافات العائلية ناتجة عن «بحلقة الزوج» للفتاة التي تعلن عن بضاعة مختلفة، أو إلحاح الزوجة بشراء ما يعلن عنه، وقد جاء في دراسة نشرتها إحدى الصحف المصرية حول تأثير الإعلان على المشاهد المصري خصوصًا مع دخول الرقص والغناء إلى الإعلانات على يد إحدى الشركات الإعلانية المعروفة، وجاء فيها أن نسبة كبيرة من الذين سألوا عن أحب البرامج التلفزيونية قد أفادوا بأنهم يحبون الفقرة الإعلانية، وقد علق على ذلك الكاتب المصري الساخر أحمد رجب ولمدة غير قليلة في عموده اليومي نصف كلمة، ولكن الخطورة الكامنة ليس فيما جاءت به النتائج، بل توريط المجتمع بكافة طوائفه من جمهور عادي إلى كتاب ومفكرين للحديث عن الثقافة الجديدة «ثقافة الإعلانات» لقد رفعت الإعلانات نسبة المشاهدين للتلفزيون في بعض البلدان بدرجة تصل إلى الضعف أو الضعفين أحيانًا، ووصلت حمَّى الإعلانات إلى أن المشاهد أدمن هذا النوع من الثقافة الجديدة، وأصبح من الصعب أيضًا إبعاد «فطم» المشاهد عن هذه العادة والتي أدمنها بالفعل.
كيف يمكن التغلب على هذه المشكلة؟
1- المنع: يرى البعض أن سياسة المنع قد باتت مستحيلة لأسباب كثيرة منها ما هو سياسي متعلق بسياسة إلهاء الشعوب عما يجري وما يدور بالبلاد، ومنها ما هو اقتصادي متعلق بترويج السلع في زمان «الجات» وزمان الركود وتدني أسعار البترول، وانتشار الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية والتنافس الشديد والاتجاه نحو العولمة، ولكن هناك نماذج لبلدان اتبعت سياسة المنع وقد نجحت إلى حد بعيد، فقد منع النظام السياسي في مصر الإعلان عن الكوكاكولا وشويبس وكل المنتجات التي أصحابها من اليهود ولم يمت المصريون عطشًا، ولم تخرج مظاهرات تطالب بعودة البيبسي أو الكوكاكولا.
وكذلك كوبا فقد امتنعت لوقت طويل وما زالت عن الدعاية للمنتجات الأمريكية رغم الضغوط التي تمارس عليها من قبل رجال الأعمال اليهود الذين يملكون هذه السلاسل من الشركات العملاقة في مجالات المشروبات والأغذية، لكن المنع واقع في بعض البلدان لأسباب دينية، ومع ذلك فقد لا تخسر تلفزيونات هذه الدول إذا ما نظرت هذه المحطات إلى خلق نوعية جديدة من المشاهدين، هذا إضافة إلى المكسب العائد على البلاد من تقليل الخطر الأخلاقي لهذا المنتج الإعلاني أو ذاك.
2- هل يمكن تهذيب الإعلان الحالي وخصوصًا المنتج عالميًا؟
ولشرح هذه النقطة فإن هناك شركات إنتاج إعلانات دولية تقوم بتسويق منتج عالمي «كالأجهزة الرياضية للتخسيس واللياقة والدهانات والنظارات العالمية» وتلجأ هذه الشركات إلى المرأة والجنس لترويج البضاعة وتفرض طريقتها على تلفزيونات العالم والتي تبحث بدورها عن الربح، ومن هذه الوسائل الإعلانية الفيلم الإعلاني التسجيلي والذي كما ذكرت يحوي مشاهد خارجة للرجال والمرأة، وهنا ما الذي يستطيع التلفزيون المحلي عمله مع هذه النوعية التي تدس السم في عسل الرشاقة واللياقة والأناقة، وهنا يجب المنع واللجوء إلى إعلانات تناسب العادات والقيم، ومثال ذلك إعلان صابون «إكسx» والذي قامت به إحدى الممثلات المصريات المعروفات، ولكن كانت ترتدي زيًا محتشمًا للغاية، على عكس الإعلان العالمي والذي يظهر أجزاء من جسم المرأة المعلنة، وهكذا لم يخسر المعلن ولا المعلَن عنه ولا التلفزيون، بل تم الوصول إلى صيغة جديدة، ومثال آخر عن منتجات النظافة والرعاية بالمرأة فهناك كم كبير من الإعلانات العالمية التي تخاطب الغرائز ومع ذلك تم تهذيبها أو تعريبها مع الاحتفاظ بفكرة الإعلان الدولية.
3- هل يمكن تقديم إعلان ذي مضمون أخلاقي، بعيدًا عن وحل الإعلانات التي تخاطب الغريزة؟
من الخطـأ القول بأن ذلك بالسهولة بمكان، فمن الناحية العملية فإن كثيرًا من المعلنين لا يرون إلا ترويج منتجاتهم وبالطريقة الأسهل والأسرع، ويحبون بالطبع أن تبقى منتجاتهم حديث الشارع بغض النظر عن الأضرار الخُلقية للإعلان، ثم إن الأهداف السياسية من وراء الإعلان الخليع تقف حجر عثرة أمام أن يحل الإعلان الأخلاقي مكان الآخر.
رغم ذلك، يبقى أن دخول هذه النوعية من الإعلانات ذات المضمون الخلقي أو على الأقل غير ذات المضمون الإباحي بشكل تدريجي وهناك من الأمثلة الكثير، وقد طرحنا نموذج الإعلان عن مشروب ميراندا السابق ذكره في بداية المقال، كما أن هناك نواح حياتية تستحق الإعلان عنها وهي تنشد من يتبناها وهي جاهزة للدفع ولا تشترط الخلاعة في الإعلان، والتي يمكنها تقديم رسالة أخلاقية جميلة عبر هذا الإعلان المجتمعي والذي لا تشترط الجهة المعلنة أي شروط.
وبعيدًا عن الكآبة يمكن للإعلان أن يكون قيميًا وغير كئيب ومن ذلك إعلانات اليونيسيف عن أخطار الألغام الأرضية أو التدخين أو الرضاعة الطبيعية للطفل أو الجفاف، وحتى الإعلان عن السلع يمكن أن يحمل مضمونًا أخلاقيًا مشوقًا ومحببًا كمثال الإعلان عن نوع من الشيكولاتة والذي يصور أبناء الأسرة وهم يحتفلون بذكرى خاصة، ويقدمون هذا النوع من الشيكولاتة، إنه إعلان يحض على التماسك الأسري ويحض على الفضيلة، وعلى النقيض فإن شركة أخرى قدمت الإعلان بشكل آخر إذ قدمت شابًا يفكر في جذب حبيبته أو ضحيته.. ففكر في هذا النوع من الشيكولاتة.
وأخيرًا، فإن العالم الغربي على تقدمه وتحضره، أصبح يشكو من الانحلال الخلقي وبات يدرك حجم المشكلة القادمة، وعندها أو إلى جوارها لن يجدي التقدم الاقتصادي شيئًا.
على أن هناك عاملًا مغريًا يدفعنا إلى الأمل في التحول التدريجي نحو القضاء على ظاهرة الإعلان «الإفسادي» وهو حجم ما ينفق على الإعلانات في العالم العربي ويبلغ 1.54 بليون دولار عام 1997م، وهو سوق مغر وجذاب لمنطقة عربية تهوى الجديد في كل شيء، ويمكن لهذا المبلغ أن يكون عامل ضغط على شركات الإعلان وعلى أصحاب السلع بأن يلتزموا الأخلاق الحميدة أو على الأقل ولو مرحليًا، يبتعدوا عن الإثارة في الإعلان، وساعتها- وتحت الضغط المادي- سيستجيب الكثير، فقط على الشركات الوطنية أن تبدأ مشوار الألف ميل ولو بخطوة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل