; الإمام الشهيد حسن البنّا | مجلة المجتمع

العنوان الإمام الشهيد حسن البنّا

الكاتب روبير جاكسون

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1984

مشاهدات 55

نشر في العدد 657

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 07-فبراير-1984

تمهيد:

حاولت في عرض هذه الخطوط والمعالم أن أحتفظ بروح كاتبها روبير جاكسون الكاتب الأمريكي، الذي زار القاهرة سنة 1946م وسنة 1949م، والذي عني بأن يقدم فيها صورة كاملة في حدود مقدرته واتجاهاته للرجل القرآني «حسن البنا».

ويقيني أن الكاتب الأمريكي كان منصفًا، وأنه لم يعد الحقيقية إلا في مواقف نادرة أعتقد أنه لم يقصد إليها وإنما جاءت عفوًا، وبدا ذلك حسنا لقلة ما عرفنا من الكتاب الغربيين المنصفين. 

وقد لاحظت في سنوات عملي في جريدة «الإخوان المسلمين» أن عددًا من الكتاب الغربيين كانوا يحرصون على لقاء الرجل الأول الذي حمل لواء دعوة الإخوان، ويحاولون أن يصلوا إلى خطوط عميقة بعيدة المدى عن حياة الرجل وأهدافه. وقد كتب الكثير منهم فصولًا مختلفة، ولكني لا أعتقد أنهم كانوا منصفين كما كان الشأن فيما كتبه روبير جاكسون. 

والحق أن شخصية الإمام الشهيد حسن البنا من الشخصيات الفذة العجيبة النادرة، التي قل إن يكون لها نظير، والتي لا يجود الزمان بمثلها إلا على فترات متباعدة. وقد لمح الذين اتصلوا به وعملوا معه بعض جوانب العبقرية، وبعض معالم تلك الكفاءة واضحة في تصريفه للأعمال، وقضائه في المشاكل، وعرضه للأمور بطريقة من شأنها أن تصل إلى القلب، وتقنع العقل. وترضي الضمير.

كان من أبرز صفاته الإخلاص القوي العميق، كان هو السر العجيب الذي يفتح له القلوب، ويذلل الصعاب، ويحطم الصخور.

رحمه الله رحمة واسعة، وكتب له أجر المجاهدين.

أنور الجندي

في فبراير «شباط» 1946م، كنت في زيارة للقاهرة... وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتبت في النيويورك كرونيكل بالنص: 

«زرت هذا الأسبوع رجلًا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه، ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان». 

وقد صار الإخوان عاملًا مهما في السياسة المصرية، ويقال إن جملة الإخوان 80٪ من لجان العمال والطلبة الذي كانوا في طليعة الحوادث الأخيرة في مصر. ويقول الأستاذ البنا: إن حركة الإخوان فوق الأحزاب وسبيلها هو العودة إلى القرآن، وغايتها جمع كلمة المسلمين في كل أرجاء الأرض.

* * *

هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكرًا وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر. وأنا أفهم جيدًا أن الشرق يطمح إلى مصلح يضم صفوفه، ويرد له كيانه، غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف، وبطريقة شاذة. 

هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلًا بالكنز الذي يقع في يده... لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة، عندما كنت أزور القاهرة، بعد أن التقيت بطائفة كبرى من زعماء مصر ورؤساء الأحزاب فيها. 

كان هذا الرجل خلاب المظهر، دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية. لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة، وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني. 

وظل الرجل صامتًا، حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي، قال لهم: قولوا له شيئًا واحدًا: هل قرأت عن محمد؟ قلت: نعم، قال: هل عرفت ما دعا إليه وصنعه؟ قلت: نعم، قال: هذا هو ما نريده. 

وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي. 

لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته.

لا كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية، لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.

وسافرت من مصر بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه، وأهدافه وحياته، وقد قرأتها جميعًا وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد أحمد المهدي، والسيد السنوسي، ومحمد بن عبد الوهاب، فوصل بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعًا، وأخذ خير ما عندهم، وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من الخطاء ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على أحداهما الأفغاني وارتضى الأخرى محمد عبده.

كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم ويراه محمد عبده عن طريق التربية، وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين معًا، وأن يأخذ بهما جميعًا، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد، وهدف محدد. ثم أخذت اتتبع خطوات الرجل بعد أن عدت إلى أمريكا، وأنا مشغول به حتى أثير حوله غبار الشبهات حينًا، ثم انتهى الأمر إلى اعتقال أنصاره، وهي مرحلة كان من الضروري أن يمر أتباعه، ثم استشهاده قبل أن يتم رسالته. 

وبالرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يعمل شيئًا حتى الآن، وأنه لم يزد على جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله، غير أن معركة فلسطين، ومعركة التحرير الأخيرة في القناة، قد أثبتنا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة، قل أن تجد لها مثيلًا إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية. 

كل ما أستطيع أن أقوله هنا أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه، وهي المغريات الثلاث التي سلطها المستعمر على المجاهدين، وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إغرائه وقد أعانه على ذلك صفاؤه الصادق، وزهده الطبيعي، فقد تزوج مبكرًا، وعاش فقيرًا، وجعل جاهه في ثقة أولئك الذين التفوا حوله وأمضى حياته القصيرة العريضة مجانبًا لميادين الشهرة الكاذبة وأسباب الترف الرخيص.

وكان يترقب الأحداث في صبر ويلقاها في هدوء، ويتعرض لها في اطمئنان، ويواجهها في جرأة. 

لقد شاءت الأقدار أن يرتبط تاريخ ولادته وتاريخ وفاته بحادثين من أضخم الأحداث في الشرق، فقد ولد عام 1906م وهو عام دنشواي، ومات عام 1949م وهو عام إسرائيل، التي قامت شكليًا سنة 1948م وواقعيًا سنة 1949م.

وكان الرجل عجيبًا في معاملة خصومه وأنصاره على السواء، كان لا يهاجم خصومه ولا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة. 

وكان يؤمن بالخصومة الفكرية ولا يحولها إلى خصومة شخصية ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه، فقد أعلنت عليه الأحزاب حربًا عنيفة.

كان يقتفي خطوات عمر وعلي، ويصارع في مثل بيئة الحسين، فمات مثلهم شهيدًا.

لقد سمعت الكثير من خصومه، وكان هذا طبيعيًا، بل كان من الضروري أن يختلف الناس في رجل استطاع أن يجمع حوله هذا الحشد الضخم من الناس بسحر حديثه وجمال منطقه، وقد انصرف هؤلاء من حول الأحزاب والجماعات والفرق الصوفية والمقاهي ودور اللهو!

وكان لا بد أن يصبح هذا مثار حقد بعض الناس الذين أدهشهم أن يستطيع هذا الرجل المتجرد الفقير أن يجمع إليه مثل هذا الشباب.

ومن الأمور التي لفتت نظري أنه أخذ من عمر خصلة من أبرز خصاله تلك هي إبعاد الأهل عن مغانم الدعوة، فقد ظل عبد الرحمن، ومحمد وعبد الباسط وهم إخوته بعيدين عن كبريات المناصب، ولطالما كان يحاسبهم كما كان عمر يحاسب أهله، ويضاعف لهم العقوبة إذا قصروا.

وقد أتيح لي أن ألتقي بوالده الوقور الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، وسمعته يتحدث مع بعض الإخوان أنه كان يتمنى لو أن ابنه وضع الكتب في أمر الإسلام واكتفى بذلك، وقد رد عليه الأستاذ البنا بأنه منشرح الصدر لمعالجة الإسلام عن طريق تأليف الرجال.

* * *

..... في الأزقة الضيقة في أحشاء القاهرة، في حارة الروم، وسوق السلاح وعطفة نافع، وحارة الشماشرجي... بدأ الرجل يعمل «1» وتجمع حوله نفر قليل، وكان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدم للناس برنامجًا مدروسًا كاملًا، لم يفعل ذلك أحد قبله، لم يفعله جمال الدين ولا محمد عبده، ولم يفعله زعماء الأحزاب والجماعات الذين لمعت أسماؤهم بعد الحرب العالمية الأولى...

وأستطيع بناء على دراساتي الواسعة أن أقول: إن حياة الرجل وتصرفاته كانت تطبيقًا صادقًا للمبادئ التي نادى بها، وقد منحه الإسلام كما كان يفهمه ويدعو إليه حلة متألقة، قوية الأثر في النفوس لم تتح لزعماء السياسة ولا لرجال الدين!

لم يكن من الذين يشترون النجاح بثمن بخس، ولم يجعل الواسطة مبررة للغاية، كما يفعل رجال السياسة، ولذلك كان طريقه مليئًا بالأشواك، وكانت آية متاعبه أنه يعمل في مجرى تراكمت فيه الجنادل والصخور، وكان هذا مما يدعوه إلى أن يدفع أتباعه إلى التسامي، ويدفعهم إلى التغلب على مغريات عصرهم والاستعلاء على الشهوات التي ترتطم بسفن النجاة فتحول دون الوصول إلى البر.

كان يريد أن يصل إلى الحل الأمثل مهما طال طريقه، ولذلك رفض المساومة، وألغى من برنامجه أنصاف الحلول، وداوم في إلحاح القول بأنه لا تجزئة في الحق المقدس في الحرية والوطنية والسيادة، وكان هذا مما سبب له المتاعب والأذى. 

وراعت بعض من حوله الثمرة، وعجزت أعصابهم عن أن تقاوم البريق، فسقطوا في منتصف الطريق.

كان يؤمن بالواقعية ويفهم الأشياء على حقيقتها مجردة من الأوهام وكان يبدو -حين تلقاه- هادئًا غاية الهدوء، وفي قلبه مرجل يغلي ولهيب يضطرم، فقد كان الرجل غيورًا على الوطن الإسلامي، يتحرق كلما سمع بأن جزءًا منه قد أصابه سوء أو ألم به أذى، ولكنه لم يكن يصرف غضبته -كبعض الزعماء- في مصارف الكلام أو الضجيج أو الصياح، ولا ينفس عن نفسه بالأوهام، وإنما يوجه هذه الطاقة القوية إلى العمل والإنشاء والاستعداد لليوم الذي يمكن أن تتحقق فيه أمال الشعوب. 

وكان في عقله مرونة، وفي تفكيره تحرر، وفي روحه إشراق، وفي أعماقه إيمان قوي جارف.

وكان متواضعًا تواضع من يعرف قدره، متفائلًا، عف اللسان، عف القلم، يجل نفسه عن أن يجري مجرى أصحاب الألسنة الحداد.

بقلم: روبير جاكسون

ترجمة: الأستاذ أنور الجندي

* * *

هامش:

«1» لم يشر الكاتب إلى أن دعوة الإخوان بدأت في الإسماعيلية.

«يتبع»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل