العنوان خصائص الطليعة المؤمنة... وصفاتها - الحلقة الأخيرة
الكاتب أحمد عثمان مكي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1972
مشاهدات 99
نشر في العدد 110
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 25-يوليو-1972
خصائص الطليعة المؤمنة... وصفاتها
الحلقة الأخيرة
بقلم: الأستاذ أحمد عثمان مكي
جامعة الخرطوم
الصدق والإخلاص
الصدق والإخلاص، هما المؤشر الخفي الدقيق الذي يشير إلى مآل الداعية ومصيره يوم يقضي الله تعالى بين عباده بالعدل في يوم القيامة...
ولندخل في حديثنا عن الصدق والإخلاص هناك حقيقة لا بد من ذكرها، وهي أنه ما من عمل يؤديه المؤمن في الحياة الدنيا إلا ويقع في نطاق العبادة.
كسبه القوت... تعلمه العلم... مؤازرته الضعفاء... علاقاته الاجتماعية مع الناس...
صلواته وحجه وزكاته...
تربية بدنه... زواجه... سفره وقيامه وقعوده... إلى آخر ذلك من شؤون الحياة التي يحياها الإنسان ويعيشها...
هذه كلها عبادات؛ لأن كلمة العبد المخلوق هي العبادة... ومقامه في ميزان الخليقة هو مقام العبودية... إما لله وإما لإله غيره... ولتتسع- بالتالي- كل حركة وسكنة للإنسان لتدخل في مفهوم العبادة الواسع الشامل، وقد بين الله تعالى علة خلقه الجن والإنس حين قال- جل شأنه- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. (الذاريات: ٥٦).
لكن بنية الوجهة التي يتجها العبد في أعماله وحركاته، يحدد إلهه الذي يعبد... ثم بعد ذلك كله يتعين قبول الأعمال والعبادة والحركات بنوعية هذه النية: هل هي نية صادقة لله؟ أفيها الإخلاص له وحده؟ أم لا؟ وهنا يعمل المؤشر المستكن في ضمير العبد!... وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين يقول «إنما الأعمال بالنيات»...
والإخلاص فيما يقدمه العبد من عبادة وعمل لربه هو أمر من عند الله أمر به عباده ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
أما ما خلا من إخلاص فهو ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.
إذ يقول عن ذلك تعالى :﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. (الفرقان: ٢٣).
لأنه- جل شأنه ـ لا يقبل من أعمال عباده إلا خالصها ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.
وحتى ذلك الخالص فيه خطورة!! ما لم تصاحبه الصحة؛ لأن العمل الخالص إن لم يكن صوابا صحيحا موافقا لآيات القرآن الكريم وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقبل.
ويروى عن- الفضيل بن عياض- أنه قال: «إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا... والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة» ثم قرأ قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. (الكهف: ١١٠).
والإخلاص في العمل لا يتم إلا بالصدق فيه، وقد قيل: «الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن» والعبد الذي يخلص في دعوته وأعماله لله فذلك ممن من الله عليهم وأحبهم فكان إخلاصه في حد ذاته هبة من الله وسرا أودعه إياه كما جاء في الحديث القدسي» الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي» وحتى لا يفوت هذا المعنى-الإخلاص التام لله- على المؤمنين الصالحين والشيطان يقف لهم بكل مرصد... كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلم أصحابه أن يقولوا في استفتاحهم صلاتهم وهم في خشوع لربهم، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
فهي أولا خالصة له... وهي ثانيا أمرا من عنده...
وللعبادة ركنان أو دعامتان لا قوامة لها إلا بهما:-
أ- الإخلاص: وهو أن يكون القصد وجه الله دون غيره كما أمر ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾.
ب- الصدق: وهو بذل العبد جهده في امتثال أمر ربه واجتناب نواهيه وذلك ما يعاهد به العبد ربه حين يناجيه في صلاته وهو يتلو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
- أي أخصك أنت بالطاعة والامتثال- والقرآن الكريم حين يتحدث عن الفئة المؤمنة المتبعة يصفها بالصدق ثم التقوى،
فيقول: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. (الأحزاب: ٢٣).
ثم يبين أصل الصدق وشرطه:﴿ لّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ( البقرة: 177)
إذن فالداعية الذي يخلص في دينه وعبادته ربه هو الولي التقي السعيد الصالح، وهو المستجاب الدعوة إن دعا؛ لأن الإخلاص عبير يفوح من دعائمه... والصدق سلم يرتقي به دعاؤه إلى السماء...
ولنستمع إلى سعيد بن المسيب- زوج ابنة أبي هريرة- يحدث: أن رجلا سمع عبد الله بن جحش رضي الله عنه يقول- قبل يوم أحد بيوم وهو يدعو ربه في صدق- :«اللهم إذا لاقوا هؤلاء غدا فإني أقسم عليك لما يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوني... فإذا قلت لي: لم فعل بك هذا؟؟ فأقول: اللهم فيك!» فلما التقوا غدا فعلوا به ذلك! فقال الرجل الذي سمعه: أما هذا فقد استجيب له، وأعطاه الله ما سأل في جسده في الدنيا وأنا أرجو أن يعطى ما سأل في الآخرة»... والإخلاص ليس مقيدا بعمر المرء في الدعوة... ولا بمكانته بين أفرادها... إنما قيده الصدق والإيمان المستتر في القلب... فهذا عمير بن أبي وقاص- شقيق سعد- شاب حدث السن أخلص دينه لله من قلبه وأراد أن يجاهد في سبيله على ما هو عليه من صغر سن وكان يبتغي الشهادة وحدها... فأتم الله له ما أراد...
يروي ابن سعد في طبقاته، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله- صلى عليه وسلم- للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيستصغرني فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة... قال: فعرض على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فاستصغره، فقال: ارجع... فبكى عمير!!
فأجازه رسول الله- صلى الله عليه وسلمـ، قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة! لقد أخلص الدعاة الأوائل دينهم لله... وتبرأوا من كل قصد إلا وجهه... فحفظهم من مكر الماكرين ولم يدعهم لكيد الكائدين... ففتحوا بلاد كسرى وقيصر... وحملوا دعوة التوحيد والإخلاص إلى مشارق الأرض ومغاربها...
طارق بن زياد وموسى بن نصير، يرفعان علم الدعوة في الأندلس- أقصى الغرب- ، وعبد الرحمن الغافقي يجوب بجيش المسلمين وادي اللوار بفرنسا فاتحا دار الكفر مقرا دين الله... وفي الشرق يرفع قتيبة بن مسلم الباهلي الراية عالية خفاقة في بخاري وسمرقند... ثم لا يلبث أن يتوغل بدينه في بلاد الهند حتى يصل كاشغر أقرب مدنها إلى الصين... وهناك يرتفع النداء إلى السماء فيشق عنانها «الله أكبر... الله أكبر... حي على الصلاة... حي على الصلاة» من المآذن التي أقيمت لله اعترافا بفضله... وشكرا له على نعمته بني آدم...
وهكذا تم النصر لا لغنيمة ولا لسيطرة ولا لاستيلاء على الأرض... وإنما لإعلاء كلمة الله... وإقرار دينه فوق أرضه... لقد صدقوا الله دينهم، فصدقهم وعده...
• التجرد الحق لله
الداعية المخلص يثق فيما عند ربه فيتجرد له تجرد الطامع في مغفرته وجنته، الواجف من عذابه، وهو الذي يصوره القرآن في سورة آل عمران يرفع بكفيه- بعد أن قدم أعماله الخالصة- إلى ربه في دعاء منيب
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.(سورة آل عمران: 191-195)
والداعية حين يتجرد لله من كل مغنم ومقصد يرتبط بالأرض يكون معدنا أصيلا لا يصدأ... فتن ثم صقل فزال عنه كل درن وخبث... وصفا لله وخلص له وحده، فلا يبتغي من وراء دعوته شيئا لنفسه لا جاها ولا منصبا ولا زعامة؛ لأن ذلك إلى زوال فهو يعلم قول ربه:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ، وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ، وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾. (الليل: ١٧- ٢١).
وهو لا يساوم في الحق حتى أقرب الناس إليه مودة ودما أو آصرة قرابة... لأن ذلك ضلال، والمتمعن في سير الرجال من الطليعة الأولى للدعاة يرى أمرا عجبا... التجرد في أسمى معانيه...
ففي «بدر الكبرى» يرى عمر بن الخطاب يخرج إلى صفوف المشركين قاصدا خاله العاص بن هشام شقيق أمه حنتمة بنت هشام ليقتله جزاءا على حربه للإسلام... وفيها- أي بدر- يرى أبا بكر الصديق المتجرد إلى ربه ينادي ابنه عبد الرحمن- وهو يومئذ مع المشركين- بعنف وقوة: أین مالي یا خبيث؟
فيجيبه عبد الرحمن ببيت شعر:-
«لم يبق غير شكة ويعبوب.. وصارم يقتل ضلال الشيب»
فيخرج أبو بكر المؤمن من بين الصفوف وهو يصيح ملوحا بسيفه: أنا ذلك الأشيب! ويتجه مسرعا صوب ابنه مصمما على قتله فلا ينقذ الابن إلا انسحابه!
وفي أحد وبعد أن فارق الرماة مواضعهم ودارت الدائرة على المسلمين-يروي الواقدي في مغازيه- كان هناك رجلان كبيران... اليمان حسيل بن جابرـ أبو حذيفة ابن اليمان- ورفاعة بن وقش... وكانا مع النساء... فقال أحدهما لصاحبه «لا أبالك ما تستبقي من أنفسنا؟ فوالله ما نحن إلا هامة اليوم أو غد، وما بقي من أجلنا قدر طمي دابة... فلو أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأحد من النهار» ثم خرجا لأرض المعركة دون أن يدري بهما أحد... وانضما إلى بقية جيش المسلمين...
قال الواقدي: فأما رفاعة، فقتله المشركون... وأما حسيل، فالتقت عليه سيوف المسلمين، وهم لا يعرفونه حين اختلطوا- ظنا منهم بأنه من المشركين- وحذيفة ابنه يصيح «أبي... أبي...» حتى قتله المسلمون... لكن حذيفة المتجرد الواثق بربه لا يلبث أن يردف بقوله لإخوانه المجاهدين... وهو يرى أباه أمامه يسبح في دمائه...
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ثم ينطلق بسيفه للمعركة غير مبال بما أصابه من فقد... ليكمل دوره ويؤدي واجبه نحو ربه، فيأمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالدية عن حسيل، ولكن حذيفة رضي الله عنه يعتذر عنها! ويتصدق بدم أبيه على المسلمين!
هذا هو التجرد الذي نعنيه للدعاة، فالداعية المتجرد لا يلتفت إلى عرض الحياة الدنيا فذلك أمر قد تكفل به ربه... فهو الذي يطعمه... وهو الذي يسقيه... وهو الذي يشفيه حين مرضه... وهو الذي يحييه ثم يميته... لكنه يطمع في أمر واحد يشغل باله دوما... هو المغفرة...
كما يبين القرآن على لسان إبراهيم- عليه السلام-
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
فعلة التجرد إذن هي الفقر إلى الله؛ لأن المؤمن فقير إلى ما عند الله الغني، ولا يفتأ القرآن يذكر الناس بهذه الحقيقة حتى يتجردوا لله
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
والداعية المتجرد لا يريد أن يقبض ثمن جهاده متاعا طيبا من طيبات الدنيا؛ لأنه قد واثق الله وعاهده وباع نفسه له صفقة خالصة رابحة... ثمنها الجنة... ومن أوفى بعهده من الله؟
أحمد عثمان مكي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل