العنوان الإهانة وسوء المعاملة تفقد الطفل الإحساس بالثقة والاعتزاز بالنفس
الكاتب رغداء زيدان
تاريخ النشر السبت 08-أبريل-2006
مشاهدات 89
نشر في العدد 1696
نشر في الصفحة 60
السبت 08-أبريل-2006
توجيهات إسلامية خاصة بتربية الأولاد نحفظها عن ظهر قلب ولا نطبقها عملياً
هناك كمٌّ هائل من التوجيهات الإسلامية الخاصة بتربية الأولاد نحفظها عن ظهر قلب، وهناك أيضاً كم هائل من الشعارات والنصائح التربوية نستطيع تقديمها لمن يرغب في تربية سليمة لأولاده، ولمن يرغب في تعامل لطيف ومثالي مع الأطفال عموماً . ولكن إذا تساءلنا ما نصيب هذه التوجيهات والنظريات من التطبيق العملي على أرض الواقع؟
وجدنا أنّ معظم هذه التوجيهات والنصائح تبقى حبراً على ورق ومعظمها أيضاً نحفظه للتبرُّك أو زيادة المعلومات ليس إلا، أما تطبيقها في تعاملاتنا مع أولادنا أو مع الأطفال عموماً فهذا شيء بعيد عن الواقع تماماً .
ولعلّ الأطفال هم الطرف المهمَّش، الطرف الضعيف الذي يتحمل تبعات سوء العلاقة بين الوالدين وتبعات سوء الحالة الاقتصادية، وهم الذين تقع عليهم تبعاتالكبت، سواء كان اجتماعياً أو سياسياً .
ومن أجل معرفة دقيقة لرأي هؤلاء الأطفال الذين لا يلتفت أحد منا لرأيهم طلبت من طلابي، أن يكتبوا عن طريقة تعامل أهلهم معهم، ونظرتهم لتصرفات آبائهم وأمهاتهم وما السلبيات التي يرونها منهم، والتي تزعجهم وتؤثر عليهم.
وفي الحقيقة كانتْ كتاباتهم تنبئ عن حالة مجتمعنا التي تعاني من الفقر والاستلاب.
سلبيات كثيرة
كتب طلابي مجموعة كبيرة من الآراء وعرّضوا لمجموعة مهمة من الممارسات التي يتعرضون لها من أهلهم، وقدموا نقدهم لما يرونه من سلبيات يعاني منها الكبار من ذلك:
1- قال كثير منهم إنّهم يتعرضون للضرب والإهانات، ولكنهم كانوا يبررون أفعال آبائهم: أمي تضربني .. هي مضطرة لذلك»، «أبي يضربني.. أنا لا أنزعج لأنني أعرف أنه يريد مصلحتي» أخي الكبير يضربني لأنه الكبير ويحق له ذلك.. مهما غضبوا ومهما فعلوا فهم يحبوننا، ويريدون لنا الخير»، «عندما نخطئ لا يستطيعون ضبط أعصابهم، ولا يمكن للإنسان أحياناً أن يضبط أعصابه.. «المعاملة الدائمة بلطف قد تؤدي إلى عدم احترام الأم والأب والاستخفاف بهما عند بعض الأطفال. .
2- اشتكى كثير منهم من مزاجية الأهل وغضبهم، ووجدوا مبررات لذلك: أبي بشخصيتين، الشخصية الأولى أب هادئ حنون يحب أولاده والشخصية الثانية أب غاضب يضربني ويصرخ علي دون أن أفعل شيئاً.
أبي أحياناً معاملته رائعة وحواره ممتع، وأحياناً يكون ضجراً فمن يكلمه يصرخ فيه أهلي يلجؤون إلى الضرب والإهانات بسبب المشاكل التي يواجهونها في حياتهم. نحن لا نعلم أننا مخطئون، وأن السبب منا.
3- يعاني كثير منهم من احتقار أهلهم لهم، وعدم ثقتهم بهم. «بقيت في حالة دونية في نظر والدي وإخوتي ولست أدري لماذا . دائماً يخافون علينا ولا يعطوننا الثقة لم يكن يدعني أذهب خارج المنزل إلا لجلب بعض الأغراض لأمي لا نستطيع أن نفعل شيئاً دون استشارة أي شخص كبير في منزلنا فهو أعرف منا بمصلحتنا أقدر تعبها وأكره صراخها في وجهي فأنا لم أعد صغيرة..
4-لاحظ الطلاب التناقضات الصارخة بين ما يأمر به الآباء وما يفعلونه في حياتهم كل شخص من الكبار يتحدث على غيره من وراء ظهره يدخنون ويسهرون خارج المنزل»، «أولياء أمورنا قبل أن يصبحوا كباراً كانوا صغاراً، وكان لهم أولياء أمور وكان أولياؤهم يفرضون سلطتهم عليهم، وكانوا دائماً يحتجون على ذلك ولا يعجبهم أما بعد أن كبروا فقد أصبحوا مثل آبائهم وأمهاتهم». طلبتُ من والدي أن يعلمني رياضيات فصار يصرخ في وجهي» يطلبون مناّ أن ندرس ولا يساعدوننا في الدراسة، يضربوننا من أجل الدراسة رغم أننا نحصل على علامات أعلى مما حصلوا هم عليه عندما كانوا طلاباً.
5 - اشتكى كثير منهم من سوء التعامل ومن تحميلهم ما لا يطيقون مما جعلهم يشعرون بالظلم: هناك تمييز من قبل أمي في المعاملة بيننا أبي يعطي كل واحد حقه، ولا أحد يفهمني يكثرون من مشاهدة الأخبار ويمنعوننا من مشاهدة الأغاني والمسلسلات، يطلبون منا أن نحصل على العلامة الكبرى، دائماً يدققون في كل كبيرة وصغيرة... يمنعوننا من استقبال أصدقائنا، أو الذهاب إليهم. لا يستمعون إلى ما نقول.. يعزلوننا في الغرفة من أجل الدراسة دائماً دراسة حتى في العطل.. دائماً يهددون ويضربون ويصرخون»، المكسّرات تفسد الأسنان، واللبان لا يجوز مضغه دائماً، وأكل البطاطا والبسكويت يسد النفس عن الطعام لماذا لا تعلمني أمي الطبخ أو الخياطة؟..
6-. قرر معظم الطلاب أنّهم عندما يكبرون لن يعاملوا أطفالهم كمعاملة أهلهم لهم في المستقبل سأعامل أطفالي برقة وحنان ولطف، عندما أكبر سأعامل أولادي (بلطافة)، وسأنتبه لكلامي معهم حتى لا أجرح شعورهم، ولكي لا يحسوا نفس إحساسي، سأكون حنوناً ولطيفاً مع أولادي عندما أكبر.
ملاحظات عامة
من خلال ما عرضناه سابقاً من آراء وكتابات للطلاب نستطيع تسجيل الملاحظات التالية:
معظم الأولاد يتعرضون للضرب من قبل أهلهم إذا أخطؤوا ، ولكنهم كانوا يجدون المبررات لهذا الضرب سواء أكانوا مقتنعين بهذه المبررات أم لا.
ومع معرفة الطفل بمنع الضرب في المدارس، فإنه يشعر شعوراً متناقضاً، فهو من جهة يُضرب في بيته، ويُلقن أن هذا في مصلحته، ومن جهة أخرى يشعر أن أهله يقومون بفعل عنيف تجاهه وهو يسكت ويتنازل عن حقه، وهذا بالطبع ينعكس على نفسيته، وعلى علاقته بأهله.
٢ . ينشأ الأولاد في مجتمعاتنا وهم یرون آباءهم يأمرون بشيء ويفعلون خلافه فيكبرون وهم يعرفون أن الشعارات شيء والتطبيق شيء آخر، وهذا يساهم في تخريج جيل لا يؤمن بإمكانية تطبيق وتفعيل الفضائل عموماً .
فالأهل يضربون الولد على الكذب وهم يكذبون، يظهرون أنفسهم بمظهر الملتزمين أخلاقياً وهم يفعلون خلافها، يُظهرون للناس وجهاً لطيفاً ويطعنونهم في الظهر، يطلبون من الولد الجد والاجتهاد ولا يفعلون واجباتهم ...... إلخ.
فيكبر الطفل وقد تعلم النفاق والمخادعة والتزلف والكذب والكسل إلى آخر هذه الأخلاق السيئة التي تنتشر في مجتمعاتنا الإسلامية للأسف.
. 3- الإهانة وسوء المعاملة تُفقد الطفل الإحساس بالثقة والاعتزاز بالنفس فينشأ محتقراً لنفسه أولاً، ومحتقراً لغيره ثانياً. وما هذا إلا نتيجة لتعرضه للاحتقار من قبل أهله، وغالباً يستخدم الأهل عبارات التحقير التي يسمعها الطفل في المدرسة أيضاً، حتى يصل إلى مرحلة يستغرب فيها سماع عبارات الاحترام.
٤ - عندما قال الرسول كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فهم كثير من المسلمين معنى المسؤولية على أنها تسلط وامتلاك، حتى صارت علاقة الأهل بأولادهم علاقة حاكم يأمر كما يريد ومحكوم تجب عليه الطاعة.
فقليل منالأهل يتقربون إلى أولادهم قليل منهم يتحدثون معهم يناقشونهم يطلبون رأيهم وقليل منهم أيضاً يحترمون قرارات أولادهم.
نحن نخطط لأولادنا حياتهم نبرمج أوقاتهم حتى أوقات الفراغ نفرض عليهم ألوان ملابسهم وأشكالها وأنواع الطعام الذي يأكلونه، بحجة حرصنا عليهم.
طبعاً لا يجب أن يفهم من كلامي أنّه يجب ترك الحبل على الغارب معهم، ولكن ملاحظتي تتركز حول نقطة القمع الذي يمارسه الأهل على أولادهم، فنحن عندما نمنع أولادنا عن أمر ما، يجب على الأقل أن نُظهر لهم سبب هذا المنع، يجب أن تعطيهم فسحة للتعبير عن أنفسهم بطريقتهم، تنمية لشخصيتهم، حتى لا يخرجوا إلى الحياة وقد ورثوا تركة ضخمة من الكبت والديكتاتورية.
ه . وصف الله تعالى الأسرة بقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم 21) .
فالأسرة في الإسلام يجب أن تكون سكناً لكل أفراد الأسرة آباء وأبناء، يجب أن تسود فيها المودة والرحمة.
ومع صعوبة الحياة التي يعيشها معظم المسلمين اليوم من كل النواحي سواء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح الإنسان عصبياً دائماً، فيدخل إلى بيته وهموم الدنيا فوق رأسه فيشيع في البيت جواً مشحوناً بالغضب، وطبعاً لا يجد أمامه إلا أولاده ليصب عليهم جام غضبه فلا يقبل منهم كلمة أو تصرفاً، ويبالغ في عقوبتهم على أخطاء تافهة قد تصدر عنهم، فيصبح البيت بالنسبة لهم سجناً رهيباً يودّون الخلاص منه في أقرب فرصة.
ومع افتقار معظم بلادنا العربية لوجود أماكن تستوعب نشاط هؤلاء الأطفال يكبر الطفل وقد أمضى طفولته في سجن يفتقر إلى المحبة، ويفتقر إلى الترفيه فينطوي على نفسه لا يجد من يفهمه، ولا يشعر بحب والديه وإخوته، فينشأ وهو يشعر بأنه غريب منبوذ ، وهذا ينعكس طبعاً على علاقته بأهله ومجتمعه عموماً . الموضوع في حاجة إلى بحث أشمل وأعمق، لنعرف تماماً مدى الجرائم التي نرتكبها بحق أطفالنا، وبحق مجتمعاتنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل