العنوان بعد اعتقال أبو مرزوق واغتيال الشقاقي.. الـ: (F.B.I) الأمريكية تداهم مركز دراسات الإسلام والعالم في فلوريدا
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 88
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
استجابت السلطات الأمنية الأمريكية للطلبات الإسرائيلية بالتضييق على نشاطات المنظمات والمؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة الَّتي تعارض اتفاقات الصلح العربية الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، وذكرت مصادر مطلعة ان عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي: (إف. بي. أي) بولاية فلوريدا قامت بالإغارة على مكتب مركز دراسات الإسلام والعالم، ومنزل الدكتور سامي العريان، أستاذ الهندسة بجامعة جنوب فلوريدا. في مدينة تامبا وشملت الغارة أيضا مكتب الدكتور العريان في الجامعة؛ حيثُ تم الاستيلاء على أجهزة الكمبيوتر وملفات الكمبيوتر وبيانات الفاكس والسجلات البنكية وأشرطة فيديو واشرطة تسجيل أخرى لندوات عقدت بإشراف المركز، وقد بلغ عدد الصناديق الَّتي تضمنت كافة الوثائق والأجهزة الَّتي احتجزها عملاء الـ: (إف. بي. أي.) نحو خمسين صندوقًا.
وقد جاءت غارة عملاء مكتب الـ: (إف. بي. أي)، الَّتي وقعت يوم العشرين من شهر نوفمبر الماضي في أعقاب انتخاب الدكتور: "رمضان عبد الله شلاح"، أميناً عاماً لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين خلفا للأمين العام السابق الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي، الَّذي اغتاله عملاء الموساد الإسرائيلي في مالطا في أواخر شهر أكتوبر الماضي، وكان رمضان سبق أن شغل منصب مدير مركز دراسات الإسلام والعالم، قبل أن يغادر الولايات المتحدة في شهر يونيو من العام الجاري ليحاول الدخول إلى غزة لزيارة والده الَّذي كان يعاني من الإصابة بالسرطان.
وتقول مصادر مطلعة أن من بين ما تحفظ عليه عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي من منزل الدكتور العريان دفتر مذكرات يتضمن قصائد شعرية وطنية حول فلسطين.. كان الدكتور العريان قد نظمها عندما كان طالبا في مصر عام ۱۹۷۲م، وقد سجلها عملاء الـ: (إف. بي. أي)، على أساس أنها تعليقات مؤيدة للإرهاب، وقد جمدت سلطات الأمن في تامبا الحسابات البنكية لمركز دراسات الإسلام والعالم.
ويلاحظ أن غارة عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي في تامبا تأتي في سياق الإجراءات وحرب الملاحقة الَّتي تشنها أجهزة الأمن الإسرائيلية ضد نشطاء وقيادات الحركات الإسلامية الفلسطينية المعارضة لنهج التسوية العربية الإسرائيلية الراهنة داخل وخارج فلسطين المحتلة، حيث سبق لسلطات الأمن الأمريكية اعتقال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» الدكتور موسى أبو مرزوق في يوليو في مطار كيندي بنيويورك.
وكان الدكتور العريان تعرَّض لحملة شنتها المنظمات الصهيونية الأمريكية في بعض الصحف الَّتي تصدر في تامبا وولاية فلوريدا خلال العام الجاري، واستهدفت الحملة من التركيز على العريان ونشاطاته الأكاديمية والسياسية تهيئة الأرضية لسلطات الأمن الأمريكية للتدخل في هذا الموضوع، وقد بادر العريان فور ذلك بتقديم ملف ضخم عبر محاميه للرد على تلك الحملة، وتضمن الملف شهادات تقدير من إدارة الجامعة الَّتي يعمل فيها لدوره في العمل وتمسكه بالمفهوم الأكاديمي وعدم إقحام المواضيع السياسية في عمله، كما تضمن الملف المقالات الَّتي نشرت في الصحافة المحلية في تامبا حتى شهر يونيو الماضي من قبل صحفيين مؤيدين لإسرائيل وبالطبع لم تتوقف تلك المقالات عن النشر حتى تاريخ نشر هذا التقرير.
ويتضمن الملف أيضاً رسالة من القيادة المركزية الأمريكية (قوات التدخل السريع سابقًا) موجهة إلى الدكتور العريان تدعوه للمشاركة في الحديث في (ندوة بعنوان - الإسلام والغرب)، وقد عقدت الندوة في مقر القيادة المركزية في تامبا في شهر مايو ۱۹۹۲ م وتحدث في الندوة إلى جانب الدكتور العريان كل من الدكتور إدوارد سعيد، والدكتور جون إسبوزيتو رئيس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون الأمريكية.
وقد استغلت أوساط يهودية أمريكية وأنصار إسرائيل الموقف المتشدد للحكومة الأمريكية تجاه المنظمات الفدائية الفلسطينية الإسلامية والقومية الَّتي تصف عملياتها ونشاطاتها الفدائية المسلحة ضد إسرائيل بأنها أعمال إرهابية من أجل توسيع ذلك الموقف وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أصدر في شهر يناير الماضي مرسوما يقضي بالحجز على كافة الأرصدة المالية لهذه المنظمات ولشخصياتها في الولايات المتحدة، وتريد إسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة توسيع الخطوات الأمريكية في هذا الشأن لتشمل. ربما - المتعاطفين مع دعوات تحرير فلسطين.
وتعتقد مصادر أن من جملة الأهداف من وراء الحملة الَّتي شنت ضد المركز والدكتور العريان فك العلاقة بين جامعة جنوب فلوريدا ومركز دراسات الإسلام والعالم عن طريق إغلاق المركز ذاته، وحظر أي نشاطات للمؤسسات الَّتي تحمل اسم فلسطين في تامبا ودفع الجامعة إلى فصل الدكتور العريان من هيئة مدرسيها.
وبينما استطاعت الحملة تحقيق الهدف الأول تقريباً؛ حيث ألغت الجامعة تقريباً عقد التعاون مع المركز الَّذي يتضمن تبادل ومشاركة الأساتذة والباحثين بين الجانبين وعقد الحلقات الدراسية حول القضايا الأكاديمية ذات الطبيعة الخلافية، فإنها فشلت حتى الآن في تحقيق الهدف الثالث؛ حيث إن وظيفة الدكتور العريان كمدرسٍ في الجامعة هي وظيفة دائمة ثابتة لا تسمح باتخاذ قرار الفصل.
ويذكر أن الدكتور العريان كان من مؤسسي لجنة فلسطين الإسلامية الَّتي سبق أن عقدت خمسة مؤتمرات سنوية في شيكاغو بولاية الينوي "فلسطين والإسلام" كان آخرها المؤتمر الَّذي عقد في ديسمبر عام ١٩٩٢م بعنوان الإسلام والنظام العالمي الجديد.
ومن الجدير بالذكر أن الهدف من إنشاء لجنة فلسطين الإسلامية عقب اندلاع الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو تعريف الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة والأمريكيين بشكل عام بعدالة القضية الفلسطينية من خلال عقد الندوات والمحاضرات ونشر المجلات والكتب، وهو أمر يكلفه الدستور الأمريكي وخاصة التعديل الأول فيه الخاص بحرية الرأي والتعبير، وقد صدر عن اللجنة تسعة أعداد من مجلة: "إنكويري"، باللغة الإنجليزية.
كما أن من بين النشاطات الأخرى تشكيل الصندوق الإسلامي لفلسطين الَّذي تمكن من خلال التبرعات الَّتي تسلمها رعاية نحو ١٣٠ من الأطفال الفلسطينيين الأيتام، ولكن اشتداد الحملة الإسرائيلية ضد كل ما هو إسلامي يحمل أراء مناهضة للسلام غير العادل والصلح والتطبيع مع إسرائيل، واستجابة السلطات الأمريكية لتلك الحملة هو إشارة إلى عدم احترام حقوق المسلمين في حرية التعبير الأمر الَّذي يدفع المنظمات والجمعيات الإسلامية والعربية في الولايات المتحدة إلى حَثِّ العالم العربي والإسلامي والجالية الإسلامية للدفاع عن حقوقهم.
أما نشاطات المركز الَّذي يصف نفسه بأنه مؤسسة أكاديمية غير ربحية مستقلة، فقد اقتصرت على البحث والدراسة حيث أصدر حتى الآن ۱۹ عدداً من مجلة قراءات سياسية. وهي مجلة فصلية محكمة فكرية وسياسية رصينة وراقية من حيث الدراسات والأسماء المشاركة فيها، وكما هو مذكور فيها فإنها تهتم بقراءة وتحليل الموقف الإسلامي والعالمي، أما العدد العشرين من المجلة فهو قيد الطبع، وقد عقد المركز منذ إنشائه وتسجيله في الولايات المتحدة عام ۱۹۹۰م ندوتين، فيما لم يتمكن من عقد الندوة الثالثة الَّتي كان يزمع تنظيمها بحوار مع زعيم حركة النهضة المعارضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي بسبب رفض منح السلطات الأمريكية الشيخ الغنوشي في العام الماضي تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، وقد عزت مصادر مطلعة في حينه ذلك الرفض إلى الجهود الَّتي بذلها اللوبي الإسرائيلي وأنصار إسرائيل في الكونجرس المنع دخول الغنوشي إلى الولايات المتحدة.
وبالرغم أن البيانات الرسمية الَّتي تتضمن مذكرات التفتيش لم يتم نشرها ولا تزال موجودة لدى محكمة فلوريدا، إلا أن الصحافة اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة تروج لشائعات مفادها أن الدكتور العريان هو موضع اشتباه بمخالفات مالية.
وتشير المعلومات الَّتي حصل عليها مراسل "المجتمع"، أن الدكتور العريان قد اجتاز امتحان الحصول على الجنسية الأمريكية منذ نحو عامين، وأن سلطات الهجرة والتجنيس في تامبا لم ترسل له بعد ما يفيد بتحديد موعد حلفه لليمين الخاص بمنحه الجنسية الأمريكية خاصة وأنه قد تقدم بشكوى حول هذا التأخر منذ ١٥ شهرا، الأمر الَّذي يعتبره خبراء قانونيين بأنه قد تكون محاولة تعطيل متعمدة للحيلولة دون منحه الجنسية الأمريكية، ويعتقد أن جهودا تبذل لإيجاد أدلة تخدم هذا الغرض.
ونسبت إحدى الصحف اليهودية الأمريكية وهي صحيفة فوروورد في عددها الصادر يوم الرابع والعشرين من شهر نوفمبر الماضي إلى برایان کينزيل الناطق باسم مكتب التحقيقات الفيدرالي في تامبا قوله إننا نبحث عن دليل يتعلق بتحقيق حول احتمال وجود انتهاكات للقوانين الفيدرالية المتعلقة بحلف اليمين والهجرة.
وأضاف بأن مسئولي إدارة الجمارك والهجرة والسلطات المحلية في تامبا على علم بالغارة الَّتي شنها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي على منزل الدكتور العريان ومركز دراسات الإسلام والعالم غير أنه أكد أنه لم تصدر أية مذكرات اعتقال بهذا الشأن، وقد فسر هذا التأكيد على عدم وجود أي دليل يمكن استخدامه لتبرير الدكتور العريان.
ويأتي هذا الأمر ليؤكِّدَ سياسة الولايات المتحدة في الكيل بمكيالين في كل القضايا الخارجية والمدى الَّذي وصل إليه اللوبي الصهيوني في التأثير في القرار الأمريكي خلال الفترة الأخيرة.