العنوان امتحان الرجولة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 997
نشر في الصفحة 34
الأحد 19-أبريل-1992
صناعة الرجولة في الإسلام
الرجال
في هذا الزمان أعز من كل معدن نفيس وأغلى من كل جوهر ثمين، والرجال معادن كمعادن
الذهب والفضة، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا، يتفاضلون بالعافية
ويدركون ما عند الله بالطاعة، وهم في الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، فمن
المؤمنين: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ﴾.
فليست الرجولة بالمظاهر والأشكال أو تقاس بالسنين والأعمار، فرب أشعث أغبر
ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه، وكم من رجال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ
يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، يفرح
أحدهم بالتافه ويبكي على الحقير ويتطلع إلى ما ليس له ويقبض على ما في يده.
فالأمم
والرسالات تحتاج إلى الرؤوس المفكرة والعقول المبتكرة والقلوب والعزائم القوية.
لذلك كانت أمنية عمر حين تمنى مع أصحابه الذين قالوا: "نتمنى أن يكون ملء هذه
الدار مالًا وجواهر ننفقها في سبيل الله"، فقال عمر: "ولكني أتمنى أن
يكون ملؤها رجالًا مثل معاذ بن جبل وأبي عبيدة عامر بن الجراح وحذيفة بن اليمان فأستعملهم
في طاعة الله". فرجل ذو همة يحيي أمة، وكم كان في الصحابة من رجال يعد الواحد
منهم بألف رجل ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً
قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120).
فأبو
موسى الأشعري استمد عمر لما كان واليًا على الكوفة لفتح «تستر»، فطلب منه أربعة
آلاف جندي فأرسل له عمر أربعة من الرجال كل واحد منهم بألف رجل هم: البراء بن مالك
(الأشعث الأغبر ذو الطمرين) ومجزأة بن ثور السدوسي، والنعمان بن مقرن المزني،
وعمرو بن معد يكرب الزبيدي.
واستمد
عمرو بن العاص أمير المؤمنين عمر - وهو في مصر - لما أبطأ فتحها فبعث له عمر
بأربعة من رجالات الإسلام كل واحد منهم بألف أيضًا هم الزبير بن العوام والمقداد
بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد، وقال له: "إني مددتك بأربعة آلاف
رجل، إن كل رجل منهم بألف رجل، واعلم أن معك اثني عشر ألفًا ولن يغلب اثنا عشر
ألفًا من قلة".
وحاصر
خالد بن الوليد الحيرة فطلب من أبي بكر مددًا فما أمده إلا برجل واحد هو: القعقاع
بن عمرو التميمي، وقال له: "لا يهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول:
"لصوت القعقاع في الجيش كفئة" «وقال: خير من ألف مقاتل».
الرجولة ليست بالكثرة
فيا
للإسلام من دين! ويا لأمة الإسلام من أمة لو كان لها رجال أمثال هؤلاء، بينما نجد
المسلمين كثيرًا ولكنهم في كثرة كغثاء السيل، أو كما قال الشاعر:
يثقلون
الأرض من كثرتهم *** ثم لا يغنون في أمر جلل
أما
والله لو ظفر الإسلام في كل ألف من أبنائه برجل واحد فيه خصائص الرجولة لكان ذلك
خيرًا وأجدى عليه من هذه الجماهير التي يجمعها الطمع ويفرقها الفزع.. وماذا يغني
عن الإسلام رجال أهمتهم أنفسهم وحكمتهم شهواتهم وسيرتهم مصالحهم، فلا وثقوا
بأنفسهم ولا اعتمدوا على ربهم، كمجموعة من الأصفار لا يصلحون إلا أتباعًا ولا يحسنون
إلا أذنابًا.
"والحديث
عن الرجولة حديث طويل متشعب، وهو خير ما ينبغي أن يركز عليه هذه الأيام التي تمتحن
فيها الرجولة في بلاد المسلمين والعرب بالوقوف أمام صلف الغرب وغطرسته ومكر اليهود
ودهائهم. إن الرجولة هي الحصون المنيعة الجبارة التي تدفع الشر وتحول دون
الاستعباد، إن الرجولة كلمة تستمد مقوماتها من عناصر القوة والعزة والإيمان
والثبات والصبر والحكمة.. وتهدمها مقاتل من ثلاث شعب: المرأة والمال والجاه.
وبهذه
المقاتل استطاع العدو أن يجد له في بلادنا أنصارًا وأعوانًا.. وبها مكّن لبقائه
ونفذ إلى أغراضه، واستباح الحرمات من وراء الأشباح من أشباه الرجال"...
"وتمتحن
الرجولة أيضًا بامتحانات عسيرة قلما تنجو منها إلا بعض الشخصيات التي أوتيت عصمة
من الله وسياجًا من الإيمان وقوة من العزيمة". تمتحن الرجولة: بالناس
ومؤامراتهم، وحسدهم وكيدهم ونفاقهم وبالتبعة التي تحملها والهدف الذي تعمل له،
وبالأزمات والمآزق وفترات الحرج التي يمر بها الناس في كل زمان ومكان. إن الرجولة
لا تقبل أن يعيش صاحبها على هامش الحياة، أو أن يكون إمعة في مجرى التيار، ولا أن
يمضي دون هدف أو غاية، وأيسر وسيلة لكي تعرف صدق الرجولة، هي بمجافاة صاحبها للترف
والهرب من الفتنة، وإيثار التواضع على المباهاة، والعمل الدائب دون إعلان وتهريج.
التربية على الرجولة
وبعد،
فإن خير ما تقوم به دولة لشعبها وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي وأفضل ما تتعاون
عليه أدوات التوجيه كلها هو صناعة الرجولة وتربية هذا الطراز من الرجال الذي لم تر
الدنيا في أحلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك التي صنعها الإسلام في ظلال
العقيدة الراسخة الثابتة والمعايير الأصيلة والتقاليد المرعية والحقوق المكفولة.
أما في ظلام الشك المحطم والإلحاد الكافر والانحلال السافر والحرمان القاتل فلن
توجد رجولة صحيحة كما لا ينمو الغرس إذا حرم الماء والهواء والضياء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل