العنوان انتخابات باكستان.. هل تعيدها إلى الطريق الصحيح؟
الكاتب خدمة ميديا لينك
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 64
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 32
السبت 01-يونيو-2013
هل يمكن القول: إن باكستان قد عادت إلى الطريق الصحيح بعد نتائج انتخابات ١١ مايو ۲۰۱۳م التي أدت إلى عودة «حزب الرابطة» بزعامة «نواز شريف» إلى السلطة من جديد، هذا الانطباع عبرت عنه مختلف أطياف باكستان السياسية والدينية؛ إذ إن قطاعا واسعا من السكان عبروا عن رغبتهم وأمنياتهم في أن يعود حزب نواز شريف إلى الحكم في بلادهم قبل تنظيم الانتخابات العامة حيث ظلت عملية استطلاع الرأي ترشحهم للفوز في هذه الانتخابات.
مفتي باكستان رفيع عثماني: كان لزاما وقف الخطر الذي كان يحدق بباكستان من خلال مشروع الجنرال «مشرف» وبعده حكومة «حزب الشعب»
لم يكن فوز «حزب الرابطة الإسلامية» أمرًا مستغربًا في باكستان، إذ ظل الإعداد له قبل سنوات، بعد أن شعر الباكستانيون بالإحباط من أداء حكومة «حزب الشعب» أيام حكمه بين عام ۲۰۰۸ و ۲۰۱۳م، وكان «حزب الشعب» قد استغل سيطرته على الحكم ليحول البلاد إلى إحدى أسوأ دول العالم بشهادة المنظمات الدولية التي أجمعت على أن باكستان التي حكمها «حزب الشعب» بعد عام ٢٠٠٨م بات يُضرب بها المثل في أسوأ دول العالم فسادا، وأدى الفساد إلى الإضرار بجميع مؤسسات الدولة ومرافقها الحيوية. وبعد 5 سنوات من حكم «زرداري» أجمع لأول مرة العشرات من المؤسسات الدولية والمالية العريقة على أن باكستان لم تعد دولة تحتاج إلى الاحترام والمساعدة وراحت هذه المنظمات تحذر الجميع من مغبة تقديم المساعدات أو القيام باستثمارات؛ لأن باكستان في عهد «زرداري» رفضت الامتثال لهذه التحذيرات أو العمل مع المنظمات الدولية، وتعاملت معها كدعاية للإساءة إلى الحكومة وليس محاولة لإعادة تصحيح مسارها وإعادتها إلى الطريق الصحيح وأدى التدهور الاقتصادي الكبير والأزمة المالية الخانقة في باكستان الدور الأبرز في هزيمة «حزب الشعب، وانتقال السلطة إلى حكومة «نواز شريف».
وقدم نواز شريف» للشعب على أنه حامل مشعل التغيير، وأنه الوحيد الذي يمكنه أن ينهي مأساتهم ويخفف عنهم المعاناة التي يعيشونها، وأنه يستطيع بخبرته السابقة أن يوقف التدهور المعيشي واستمرار هذه المعاناة، ويعتبر زعيم «حزب الرابطة» «نواز شريف» سياسيا مخضرمًا، تمكن خلال قيادته لباكستان عام ١٩٩١م وعام ۱۹۹۷م من تحسين اقتصادها دون شك، بصفته رجل أعمال وصاحب خبرات تجارية كبيرة، ويكاد يجمع الباكستانيون على أنه في القطاع الاقتصادي شخص ناجح ويمكنه تقديم الكثير لباكستان وللباكستانيين ولا يمكن التشكيك في هذا الدور. إلا أن الأمر يختلف في الجانب السياسي، إذ إنه ظل شخصية مثيرة للجدل إزاء تعامله مع الجيش والمخابرات العسكرية والقضاء وهذه المؤسسات هي الأكثر تأثيرا في حياة باكستان السياسية، والتي ظلت تمارس دورًا مركزيًا ورئيسًا في قضايا باكستان الداخلية والخارجية، وظل «شريف» يواجه مشكلات وتعقيدات في التعامل معها، حيث أخفق في إبقاء علاقة جيدة مع هذه الأجهزة؛ وهو الأمر الذي عرض حكومته مرتين متتاليتين إلى الانهيار، إحداهما تدخل المحكمة العليا والثانية انقلاب عسكري عليه.
ويتحمس «شريف» في برنامجه السياسي على التقرب من علماء الدين والتيار الإسلامي المعتدل، ويؤمن بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية لكن على مراحل، ويتعاطف مع فكر «طالبان أفغانستان»، ولا يعتبره خطرا على باكستان، وشهدت باكستان في سنوات حكم «شريف» في الماضي ازدهارا لتنامي المدارس الدينية والجماعات الإسلامية وتعاطفا مع القضية الأفغانية والكشميرية.
مراقبون: «شريف» سيتمكن من إقناع المؤسسات المالية والدولية بإعادة الاعتبار إلى باكستان بين المستثمرين الأجانب والراغبين في استثمار أموالهم في باكستان
زعيم «حزب الرابطة». في سطور
يعتبر «ميان نواز شريف» «٦٣عامًا» من السياسيين المخضرمين، حيث تولى أول مسؤولية له في حكومة «جيجنو» أيام حكم الجنرال ضياء الحق» في عام ١٩٨٦م، ثم عين رئيسا لإقليم البنجاب في عام ۱۹۸۷م بعد إقالة «جونيجو»، ووصل إلى منصب رئيس الحكومة لأول مرة في عام ۱۹۹۲م، ثم تولى المنصب مرة أخرى في عام ١٩٩٧م.
ينتمي «نواز شريف» إلى أسرة تجارية، حيث عمل والده رجل أعمال، واكتسب «شريف» مهنة والده منه، وتحول إلى أحد أكثر أثرياء باكستان وأكثرهم شهرة، خاصة في إقليم البنجاب يرتبط بعلاقات جيدة مع الجماعات الدينية المعتدلة، ويحسب في باكستان على «التيار الوطني المحافظ»، أدى دورا مهما في تصفية الوجود العربي في باكستان، حيث قام بإنهاء تواجد نحو ٣٠ ألف مقاتل عربي جاؤوا للجهاد الأفغاني، وقام بطردهم من بلاده في عام ١٩٩٣م، ويرتبط بعلاقات قوية جدا مع كل من السعودية والصين وتركيا، وبعلاقات أقل مع أمريكا. متزوج وله 3 أولاد ؛ بنتان وابن واحد، وتشارك ابنته مریم نواز في العمل السياسي، ويُعالج ابنه من مرض السرطان في بريطانيا منذ سنوات.
بين الإعلام وعلماء الدين
أما اليوم، فإنه أضيف إلى هذه القطاعات قطاع الإعلام الذي بات يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ومن المتوقع أن يمثل الجهاز الإعلامي اليوم قلقا لـ«نواز شريف»؛ لأنه سيقف له ولأي حكومة والكشف عن الانحرافات وهو الأمر الذي سيمثل اختبارًا كبيرًا لـ«نواز شريف». وأيا يكن الأمر، فإن الجماعات الدينية وعلماء الدين رحبوا قبل غيرهم بفوز «نواز شریف»، واعتبروا مرحلته بداية سعيدة للنشاط الديني، وعملية الحفاظ على هوية باكستان الدينية التي واجهت أخطارا كبيرة منذ انقلاب الجنرال «مشرف» وسيطرته على الحكم بين عام ۱۹۹۹ و ۲۰۰۷م، وحكومة «آصف زرداري»، إذ ظلت الحكومتان تحاولان تغيير طابع باكستان المحافظ والأكثر تمسكًا بالدين وبالأعراف التقليدية، من خلال إصدار القوانين الجديدة التي تشجع النساء على الاختلاط في مجتمع محافظ لم يتعود على دور متنام للمرأة، كما هي الحال في الغرب. ويقول علماء الدين: إنهم أفتوا بالتصويت لـ «نواز شريف» لوقف مسلسل الإضرار بالهوية الدينية وتعريض باكستان لخطر كبير، حيث قال مفتي باكستان د. رفيع عثماني، ومولانا سليم الله وغيرهما: إنه كان لزاما وقف الخطر الذي كان يحدق بباكستان من خلال مشروع الجنرال «مشرف»، وبعده حكومة «حزب الشعب»، وإنهم كانوا يخشون من أنه في حالة أخفق «حزب الرابطة» في العودة إلى الحكم، وتمكن «حزب حركة إنصاف» من الفوز فيها ؛ أن تتجه باكستان إلى نظام علماني متحرر، يهدد استقرار باكستان وبقاءها دولة موحدة.
الإقبال على الانتخابات بلغ ٦٠% في سابقة لم تشهدها البلاد منذ ٤٣ عامًا
| نتائج انتخابات مايو 2013م | ||
| الحزب | عدد المقاعد | |
| حزب الرابطة الإسلامية «نواز» | 124 | |
| حزب الشعب | 33 | |
| حزب حركة انصاف | 28 | |
| المستقلون | 25 | |
| جمعية علماء اسلام فضل الرحمان | 10 | |
| الحزب القومي المتحد «ألطاف» | 18 | |
| حزب الرابطة | 5 | |
| الجماعة الإسلامية | 3 | |
| الجماعات الأخرى | 40 | |
| المجموع | 286 | |
أسباب الفوز
ويقول المعلقون السياسيون والمراكز الدراسية: إن انتخابات ۲۰۱۳م هي أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ باكستان، وأكثرها حيوية ونشاطا ؛ إذ إن الإقبال عليها بلغ ٦٠% وهذا العدد الضخم لم يسبق أن شهدته باكستان منذ ٤٣ عاما تاريخ أول انتخابات عامة تشهدها البلاد، وبشهادة المنظمات الدولية والمراقبين الغربيين أن الانتخابات نظمت في جو من الشفافية، ولم يشبها تزوير.
وكانت قوات الجيش وقيادة المخابرات العسكرية قد استبقت الانتخابات الأخيرة بقرار أصدره رئيس قوات الجيش الجنرال «إشفاق كياني» بإبعاد عدد من جنرالات المخابرات العسكرية حيث قام بإبعاد 3 جنرالات كانوا يقودون مؤسسة المخابرات العسكرية الشهيرة، وعين جنرالات جددًا حتى يقطع الطريق على أي اتهام بضلوع المخابرات في تقوية طرف سياسي على حساب طرف آخر، ولإبعاد الاتهامات القائلة: إن المخابرات وقيادة الجيش تخطط لتمكين زعيم «حركة إنصاف» «عمران خان» في الانتخابات، وتغيير باكستان تحت شعار باكستان الجديدة التي رفعها «عمران خان» خلال حملته الانتخابية.
رفض العلمنة
أكدت نتائج التصويت رفضًا جماعيًا للباكستانيين المشروع «علمنة» باكستان وإخراجها عن طريقها المحافظ، ومحاولة إدخالها في عالم مجهول. ويقول زعماء سياسيون أبرزهم زعيم «الجماعة الإسلامية»، وزعيم «جمعية علماء إسلام» وزعماء آخرون أبرزهم رئيس الجيش السابق الجنرال «أسلم بيك»: إن باكستان كانت مهددة بتغيير نظامها السياسي وهويتها الدينية، وإنها كانت مهددة من قبل التيار الذي أسسه الجنرال «مشرف» واستمر السير على خطاه زعيم «حزب الشعب» «آصف زرداري»، وقرر مواصلته زعيم «حركة إنصاف» «عمران خان»، وفي رأيهم أن التصويت في هذه الانتخابات هو رفض جماعي من الباكستانيين المشروع علماني فاسد أراد القضاء على هوية باكستان.
إعادة المكانة
ويقول الكثير من المعلقين السياسيين في باكستان إن مستقبل باكستان في ظل حكومة يقودها حزب «الرابطة الإسلامية» بقيادة «نواز شريف» قد يعيد بريق باكستان الاقتصادي ودورها السياسي، وسيمنع المؤسسات الدولية من إبقائها في الدول الموز والكارتون، ومن المتوقع أن يتمكن «شريف» من إقناع المؤسسات المالية والدولية بإعادة الاعتبار إلى باكستان بين المستثمرين الأجانب والراغبين في نقل أموالهم إلى باكستان، وكانت البورصة الباكستانية قد شهدت انتعاشًا كبيرًا، وارتفعت أرصدتها بشكل غير مسبوق؛ مما أشاع التفاؤل بين المستثمرين أصحاب الأموال، وبتاريخه السابق قد يتمكن «شريف» من إنهاء المواجهة مع «طالبان» والدخول معها في مفاوضات مباشرة، حيث سبق لها وأن بادلته الحوار كما يتوقع منه أن يحلحل الأزمة الكشميرية من خلال العودة مع الهند على طاولة المفاوضات، وأهم شيء ينتظر «شريف» اليوم هو وقف التدهور الاقتصادي، وإعادة الثقة إلى المستثمرين، ومنع استهداف علماء الدين والهوية الدينية.
تحديات ما بعد الفوز
بعد فوز حزب «الرابطة الإسلامية» توقع المراقبون والخبراء أن الحكومة الجديدة ستواجهها متاعب جمة، ربما لن تتمكن من تخفيفها أو القضاء عليها أو إنهائها في وقت سريع، وهذا الأمر بدوره سيجلب لها الكثير من الانتقادات والسخط؛ إذ إن السكان المحليين يريدون حلولا سريعة لمعاناتهم ومشكلاتهم ولا يريدون أن يستمروا سنوات في انتظار الفرج، ويتفق هنا السياسيون والخبراء ومسؤولو المؤسسات الدولية على أن الفاتورة التي سيدفعها أي رئيس حكومة جديد سوف تكون على حسابه الشخصي وعلى سمعته وعلى تاريخه ونضاله؛ إذ إن الشعب يريد أن يتنفس الصعداء مباشرة بعد هزيمة «حزب الشعب» وهزيمة «زرداري»، ومجيء زعيم جديد لينقذه من معاناته ومشكلاته. وتبرز أهم التحديات في التالي:
الأزمة الاجتماعية والاقتصادية فباكستان في عام ۲۰۱۳م ليست باكستان في عام ۲۰۰۸م، حيث تركها الجنرال السابق «برويز مشرف» غارقة في أزماتها الأمنية الكبيرة، لكن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في حينها لم تكن بالسوء الذي هي عليه اليوم، فقد ترك «مشرف» خلفه أزمة أمنية خانقة تمثلت في تمرد المجموعات المسلحة والانفصالية واتساع رقعتها وأنشطتها لتهدد وحدة باكستان واستقرارها لكنه في المقابل ترك وراءه نسبة جيدة من النمو في باكستان، إذ إننا إذا أخذنا بالأرقام فإن معدل البطالة لم يكن سيئا، ومعدل الفقر كان يتحسن شيئا فشيئا، ومعدل الاستثمار الغربي والأجنبي كان هو الأفضل من نوعه منذ سنوات طويلة في باكستان، ومعدل التضخم كان يتحسن بدوره في السنوات الأخيرة لـ«مشرف»، ولم تكن أزمة الطاقة معروفة في سنوات حكم الجنرال «مشرف»، ولم ينقطع التيار الكهربائي في زمنه، ولم تواجه باكستان مشكلة مع الغاز أو المحروقات، وبعد فوز حكومة «زرداري» بقيادة «حزب الشعب» أعطت للمشكلة الأمنية أهمية على المشكلات الأخرى، وتجاهلت الأزمة الاقتصادية، حيث إن باكستان بعد خروج العسكر وعودة الحكم إلى المدنيين أقامت الحكومة يومها تسيير شؤونها على المساعدات الأجنبية وعلى القروض الغربية، وأدخلت البلاد في أزمة بعد أقل من سنتين جعلت مؤسسات دولية توقف مساعداتها وديونها لانتشار الفساد المالي والاختلاسات، وعدم امتلاكها لقوانين صارمة في مجال محاسبة الفاسدين، ومن أجل القضاء على هذا التدهور سيجد المسؤولون الجدد في باكستان بعد انتخابات مايو ٢٠١٣م صعوبة في تقليلها على الأقل، إذ اعترفوا أنهم سيحتاجون وقتا لا يقل عن عامين.
«حزب الشعب» و«مجلس الشيوخ» ويعتبر الأمر الآخر الذي سيعيق عمل الحكومة القادمة إن كانت من غير رحم «حزب الشعب»، هو أن «مجلس الشيوخ، تحت سيطرة كاملة لـ«حزب الشعب»، وحلفائه، وأنهم سيبقون في مناصبهم حتى نهاية عام ٢٠١٥م وهو ما يعني أن الحكومة الجديدة سوف تجد متاعب في تمرير قوانينها، أو إصدار قرارات مهمة، حيث إنه يحتاج أي قانون صادر عن البرلمان ضرورة مصادقة «مجلس الشيوخ» حتى يصبح ساري المفعول، ومن دون مصادقة «مجلس الشيوخ»، فلا يمكن العمل بأي قانون جديد أو قرارات تصدرها الحكومة الجديدة وستجد الحكومة القادمة مشكلة وصراعا مع مجلس الشيوخ الذي يقع تحت سيطرة «حزب الشعب» وحلفائه، وأنه خلال العامين القادمين لا يمكن للحكومة إلا أن تصدر قوانين بالاتفاق مع «حزب الشعب»، وحلفائه، أو العمل بمنطق الأخذ والعطاء برضا الطرفين، وهذا الأمر حمل قادة «حزب الرابطة» إلى القول: إنهم قبل عامين لا يمكنهم أن يقدموا شيئا مهما للشعب الباكستاني، وإنهم بعد عام ٢٠١٥م قد يتمكنون من إنهاء أزمة الطاقة والأزمات الأخرى بعد حصولهم على أغلبية في «مجلس الشيوخ».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل