; المسيرة البرلمانية الكويتية.. نظرة تقييمية | مجلة المجتمع

العنوان المسيرة البرلمانية الكويتية.. نظرة تقييمية

الكاتب ناصر المطيري

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992

مشاهدات 151

نشر في العدد 1008

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 21-يوليو-1992

ليس من المستغرب أن نقول إن الكويت عرفت الانتخابات منذ بداية العشرينيات من القرن الحالي ذلك أن الكويتيين عاشوا في ظل معاني الشورى والتناصح منذ أن وطأت أقدامهم هذه الأرض وفي تلك الحقبة بالذات ألا وهي فترة العشرينيات كان الوطن العربي مسرحًا للحركات التحررية من الاستعمار ولم تكن الكويت بمعزل عن هذا العالم العربي، ولذلك فقد تأثرت بما تراه من مجالس نيابية في بعض الدول العربية، وكانت تجربة المجالس النيابية في هذه الدول ذات سمعة طيبة عند الكويتيين وخاصة المثقفين منهم.

وبدأت بوادر هذا التأثر تأخذ صورة خطوات عملية من الكويتيين لتحقيق هذا الهدف، وذلك ابتداء من أول مجلس شورى في عام 1921 وإلى يومنا هذا، ولقد اشتملت هذه الحقبة من الزمن على العديد من الأحداث لتمثل لنا بالنهاية مجتمعة «المسيرة البرلمانية الكويتية» وما احتوته من إنجازات ومكاسب كان لها الأثر في تطور الحياة الديموقراطية في البلاد والتأكيد على ضرورة حق المشاركة الشعبي ومفهوم ممارسة الحريات.

فحول هذا الموضوع كان لنا- عزيزي القارئ- هذا التقرير والذي يحتوي على استعراض لبعض مظاهر وعناصر الحياة البرلمانية الكويتية ابتداء بأبرز إنجازات المجالس النيابية وأهم أحداثها مرورًا بتطور الحملات الانتخابية فيها وأبرز ما اتسمت بها تلك الحياة من مظاهر وعقبات وانتهاء بذكر لمحة سريعة عن دور المعارضة الكويتية خلال المسيرة البرلمانية الكويتية ثم بعرض لكلمات بعض الأقطاب البرلمانية في مجال تقييم المسيرة النيابية الكويتية آملين أن نخلص إلى تحديد لبعض النتائج التقييمية للمسيرة النيابية الكويتية عسى أن تكون لنا أسسًا ننطلق من خلالها للوصول إلى ما ننشده من حياة نيابية شورية تسودها روح التعاون والعدل والحرية.

المجالس النيابية

* مجلس الشورى الأول في الكويت سنة ١٩٢١.

* انتخابات مجالس الإدارات.. (دائرة البلدية ١٩٣٤) (دائرة المعارف ١٩٣٦) فالصحة فالأوقاف.

* المجلس النيابي سنة ١٩٣٨.

* المجلس التأسيسي سنة ١٩٦١.

* مجلس الأمة الأول سنة ١٩٦٣.

* مجلس الأمة الثاني سنة ١٩٦٧.

* مجلس الأمة الثالث سنة ١٩٧١

* مجلس الأمة الرابع سنة ١٩٧٥.

* مجلس الأمة الخامس سنة ١٩٨١.

* مجلس الأمة السادس سنة ١٩٨٥.

المسيرة النيابية الكويتية.. إنجازات وأحداث

كانت سلطة مجلس الشورى الأول ومجالس الإدارات سلطة استشارية بحتة تبدي الرأي وتسدي النصح ولا يُلزَم الأمير بالأخذ برأيها.

شهدت فترة الثلاثينات فورات شعبية في أغلب الدول العربية ضد الاستعمار من جهة وتسلط الحكام من جهة أخرى هذا بالإضافة إلى الظروف الداخلية في الكويت من جراء حل مجلس المعارف وتزوير انتخاب أعضاء المجلس البلدي.

فكان لذلك كبير الأثر في ازدياد حدة الاستياء الشعبي الأمر الذي أدى إلى ظهور حركة وطنية تطالب بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والإداري.. وإدخال الحكم النيابي في الكويت فتكونت جمعية سرية من 12 عضوًا سمّت نفسها «بالكتلة الوطنية» فكانت لبنة في أساس تكوين المجلس النيابي في عام 1938.

عملت بريطانيا على إفشال المجلس النيابي لسنة 1938، وذلك لما سببه القانون الذي أصدره هذا المجلس والذي يتضمن تقرير حق مجلس الأمة التشريعي في مراجعة جميع المعاهدات والاتفاقيات الخارجية، حيث شكل ذلك تهديدًا كبيرًا لبريطانيا وسيطرتها على الكويت كما عمل في الوقت نفسه كثير من الحكومات المجاورة على وأد هذه التجربة النيابية في الكويت خوفًا من انتقال تأثيرها إلى بلادها فسعت هي كذلك إلى إسقاطه.

في 1962/11/11 تم إصدار الدستور الكويتي بعد أن أتم المجلس التأسيسي النظر بمشروع الدستور خلال سبع جلسات أسبوعية وخصص جلستين لمناقشة المذكرة التفسيرية، ثم رفع بعد ذلك إلى الأمير الذي صدق عليه بالصورة التي أقرها المجلس دون أي تعديل.

في المجلس التأسيسي تميزت مواقف بعض الوزراء إلى درجة يمكننا القول إنها كانت أقرب إلى المعارضة منها إلى الحكومة، وهذه ظاهرة سياسية لم تتكرر في الكويت بعدها أبدًا، فمثلًا: عندما تركز النقاش حول المادة المتعلقة بالاستجوابات وطرح الثقة بالوزراء وعلى الفقرة الأخيرة من المادة التي تقول: «ويكون سحب الثقة من الوزير بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس فيما عدا الوزراء ولا يشترك الوزراء في التصويت على الثقة» فاعترضت الحكومة على هذه المادة، وطالبت أن يشترط سحب الثقة بموافقة ثلثي الأعضاء بدل الأغلبية فوقف وزير الشؤون الاجتماعية والعمل «محمد النصف» وعارض رأي الحكومة وطالب أن تبقى المادة كما هي وقال: «إذا عدلت هذه المادة فإن مجلس الأمة يصبح صوريًّا ليس فيه ضابط للحكم ولا لديه أي سلطة على الوزير وأقل ما يمكن من الديمقراطية هو أن الوزير يكون باستطاعتنا أن نحاسبه ونناقشه أما إذا عدلنا هذه المادة فإن المجلس يصبح صوريًّا» وأيده في ذلك وزير الصحة عبدالعزيز الصقر.

في مجلس الأمة الأول اعترض بعض النواب على التشكيل الوزاري الجديد وكان من نتيجة ذلك أن استقالت الوزارة وتم تشكيلها ثانية كما استقال تسعة نواب من المجلس بسبب عدم قدرتهم على مواجهة ومنع إقرار القوانين المقيدة للحريات مثل فصل الموظفين، ومنع الحديث في السياسة في النوادي، وإغلاق الصحف إداريًّا. والتي استطاعت السلطة التنفيذية من إقرار كل ذلك.

وذلك لوجود أغلبيه تؤيد الحكومة في مقترحاتها هذه. وفي المجلس الأول وفي جلسة 2/ 5/ 1964 صوت جميع من حضر الجلسة على مشروع القانون القاضي بمنع استيراد وتعاطي الخمور، ولقد جاء هذا القرار في الوقت المناسب خاصة بعد تفشي هذا الأمر في المجتمع الكويتي وما سببه من اهتزاز لنظام القيم.

في انتخابات مجلس الأمة الثاني سنة 1967 طعن الكثير من المرشحين في نزاهة هذه الانتخابات ونتيجتها، وقدموا استقالتهم على أساس وجود تزوير في هذه النتائج وذلك بعد أن قام بعض رجال الشرطة ودخلوا هذه اللجان الفرعية وأخذوا صناديق الاقتراع لنقلها إلى اللجان الرئيسية دون غلقها وختمها ودون موافقة أحد مندوبي المرشحين حسب رواية بيان النواب والمرشحين وقد جرت انتخابات تكميلية لكي يحل نواب آخرون محل النواب المستقيلين.

كان أبرز إنجازات مجلس الأمة الثالث سنة 1971 هو إقرار لمشروع قانون المحكمة الدستورية والذي يعتبر بحق العماد التكميلي الأمثل للدستور منذ بدء العمل به في يناير سنة 1963 يعتبر قانون تأميم النفط من أهم القوانين التي أقرها مجلس الأمة الرابع عام 1975 في يوم 29 أغسطس 1976 تم حل مجلس الأمة الرابع وذلك حين قدم ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء استقالة الحكومة وذلك للأسباب التي وردت في نص الاستقالة وأبرزها فقدان التعاون بين السلطتين.. وقد قوبل هذا الأمر بردة فعل ورفض شعبي عام.

في العاشر من فبراير ١٩٨٠ صدر مرسوم بتشكيل لجنة للنظر في تنقيح الدستور وقد أنهت أعمالها في ٢٢ يونيو ١٩٨٠ بعد أن عقدت عدة اجتماعات أقرت فيها تعديل المادة الثانية من الدستور وكذلك إقرار اقتراح يقضي بزيادة عدد أعضاء مجلس الأمة من ٥٠ إلى ٦٠ عضوًا بالإضافة إلى أكثر من ١٠ اقتراحات أخرى ولم يوافق مجلس الأمة الخامس على هذا التنقيح.

وفي مجلس ٨٥ عرضت على المجلس كل القوانين التي أقرتها الحكومة في فترة الحل، وذلك من أجل المصادقة والموافقة عليها أو ردها. وقد رفض المجلس مادة ٣٥ مكرر من قانون المطبوعات لأن فيها تضييقًا لحرية الصحافة. ومن أبرز إنجازات هذا المجلس هي تقديم ٤٧ نائبًا عريضة وقعوا عليها مطالبين بتعديل المادة الثانية من الدستور.

في مجلس الأمة السادس والأخير سنة 1985 كان بعض النواب بصدد تقديم أربع استجوابات تم على أثر أحدها استقالة وزير العدل والشؤون القانونية ومن ثم تم حل المجلس في يوليو 1986.

تطور الحملات الانتخابية في الكويت

في مجتمع كالكويت يعيش أفراده في ظل حياة برلمانية وتتجدد فيها الأعراس الانتخابية كل أربع سنوات تعتبر الحملات الانتخابية فيها من أقوى الوسائل والأساليب التي يحرص المرشحون على الاستفادة منها بغية الوصول إلى مقاعد البرلمان، وإذا أجرينا مسحًا تاريخيًّا على الدور الذي تقوم به الحملات الانتخابية منذ بداية الحياة الدستورية في الكويت نجد أن هناك تطورًا كبيرًا قد طرأ عليها في كل مجلس تشريعي.. ويبدو ذلك واضحًا كالتالي:

- المجلس التأسيسي: كانت الانتخابات طافحة بشتى صور الحملات الانتخابية فقد كان بعض المرشحين يوزع بيانات انتخابية تحتوي على برنامجه الانتخابي وكان البعض يستغل الجرائد والصحف والمجلات للبروز في مقابلة يعبر فيها عما يعتزم فعله في حال وصوله للمجلس كما أن الدعايات الانتخابية المرافقة للانتخابات تضمنت عبارات مكتوبة على يافطات انتخابية تعبر عن رأي المرشح في مسألة معينة.

أما في مجلس الأمة الأول فقد قام الكثير من المرشحين بحجز سيارات تاكسي وسيارات نقل خاصة لنقل الناخبين إلى مكان الاقتراع، وقد زاد من اهتمام الناس في هذه الانتخابات أن الصحف والجرائد والإذاعة والتلفزيون كلها كانت تساهم في حث الناخبين على الانتخاب. وظهرت لأول مرة قوائم مؤلفة من عدة مرشحين، وظهرت كذلك لأول مرة الإشاعة كأسلوب يستخدمه المرشح لإضعاف مركز مرشح منافس له، وظهرت كذلك لأول مرة مكبرات الصوت والميكروفونات التي يتبارز فيها المرشحون في الخطابة وإلقاء البيانات الدعائية.

وفي مجلس الأمة الثاني فقد زاد الدور الذي تلعبه الديوانيات كما زاد عدد المرشحين حيث وصل إلى أكثر من 600 مرشح، كما بدا حرص كثير من المرشحين على إضفاء مظاهر الهيبة والأبهة على ملابسهم بارتداء البشوت الأنيقة، وحرص البعض الآخر على إقامة الولائم العامرة بألذّ الطعام وأطايب الأغنام.

أما في المجلس الثالث فقد حدث ولأول مرة أن تم تكسير يافطات انتخابية لمرشحين ولطخت يافطات آخرين في محاولة لإضعاف القدرة الدعائية لهم. كما برزت وبوضوح ظاهرة الهدايا الانتخابية والتي يمكن أن نطلق عليها في كثير من صورها اسم الرشوة.

وفي انتخابات مجلس الأمة الرابع ارتفع مستوى النقاش المتداول في الديوانيات وشهدت بروز وجوه جديدة مثقفة تطرح طرحَا موضوعيًّا للمشاكل المحلية والحلول المقترحة لها كما بدأت بوادر وعي شعبي في محاسبة المرشحين السابقين على مواقف تبنوها سابقًا.

أما انتخابات المجلس الخامس فقد كان لتغيير تحديد الدوائر الانتخابية من عشر إلى خمس وعشرين- دور كبير في اختفاء ظاهرة القوائم الانتخابية والتحالفات الظاهرة، ولقد برزت بصورة واضحة المفاهيم والمعايير الإسلامية في تقييم المرشحين وتبني كثير من المرشحين لهذه المفاهيم وفي هذه الانتخابات برزت ظاهرة التكتيكات الانتخابية من تحالفات وانسحابات ومساندة كما يعتبر وعي الناخب سمة بارزة لهذه الانتخابات؛ حيث وصلت نسبة الانتخاب إلى أعلى نسبة في تاريخ الانتخابات الكويتية وهي 90% الأمر الذي يعكس الحرص الشعبي على بقاء التجربة البرلمانية، ولوحظ في هذه الانتخابات تقدم الأساليب الدعائية فظهرت الملصقات التي يمكن إلصاقها على السيارات أو أي مكان آخر يقوم بدور دعائي كما طبع كثير من المرشحين أرقام وهواتف ودوائر الخدمات على أوراق تحمل أسماءهم كما برزت بصورة واضحة ظاهرة الشعارات التي يرفعها المرشحون والتي تنادي بالمعاني الإسلامية والوطنية وتحض على أمانة انتخاب النائب.

وفي المجلس السادس فقد سلطنا الضوء في عددنا السابق على أبرز ملامح الحملة الانتخابية لهذا المجلس والذي تميز ببروز ظاهرة اللقاءات العامة والمتمثلة بالمحاضرات والندوات واللقاءات المفتوحة والنقاشات العامة بالإضافة إلى استعمال أسلوب المناظرة ومن جهة أخرى كان التجديد والابتكار في مجال المقرات الانتخابية واستعمال الأدوات الدعائية إذ قام أغلب المرشحين بطباعة برنامجهم الانتخابي بالإضافة إلى مبادرة بعضهم إلى طباعة بعض الكتيبات التي تحتوي على بعض المبادئ العامة وطباعة دستور الكويت.

كما تم استعمال نظام الدائرة المقفلة في المقرات الانتخابية في مجال وسائل الاتصال بين المحاضر والتي تُمكِّن الجالسون خارج تلك المقرات من الاستماع إلى المحاضر عن طريق موجة الـ«إف.إم» بمذياع سيارته أو وضع جهاز تلفاز في الخارج، ولقد انفرد عدد من المرشحين بإصدار نشرات دورية تتضمن أخبار المقر والمحاضرات التي جرت وجدولًا للتي سوف تقام.

المسيرة النيابية الكويتية... عقبات وظواهر

أولًا: العقبات:

لا شكَّ بأن سير الانتخابات بصورة سليمة وطبيعية هو ضمان؛ لأن يصل من يستحق إلى مجلس الأمة ممثلًا لأغلبية الناخبين الذين اختاروا نائبهم عن قناعة كاملة بعيدًا عن الضغوط المادية أو المعنوية، ومن هنا فإن هذا السير الطبيعي للانتخابات قد تعترضه بعض العقبات التي قد تؤثر على مساره وتحول دون تحقق النتائج المأمولة وأبرز هذه العقبات تتمثل بالآتي:

1- الرشوة:

هذا الداء الخبيث رغم إقرارنا بأنه لا يمثل ظاهرة عامة منتشرة إلا أنه ينبغي محاربته، وربما لم تكن الرشوة واضحة في انتخابات المجلس التأسيسي والمجلس الأول لعدم وجودها أو لأنها لم تكن طافحة على السطح، بل ربما حتى في مجلس الأمة الثاني لم تكن واضحة، ولكنها بدت أكثر انتشارًا في انتخابات المجلس الثالث والرابع حتى أصبحت أخبارها تتداول وتدور في الديوانيات في انتخابات مجلس الأمة الخامس والسادس.

والخطر الأكبر الذي تسببه الرشوة لا يأتي فقط من إيصال من لا يستحق إلى المجلس وإنما إفساد ضمائر وذمم الناخبين الذين تقوم عليهم مهمة اختيار النائب الأفضل في معايير الكفاءة والنزاهة والأمانة وليس في المعايير المادية.

2- التزوير:

من الأمور المسلم بها أن سلامة الانتخاب من أن تطاله يد التغيير هو أمر جوهري وضروري؛ لذا فإنه يمكن اعتبار أن تزوير الانتخابات الذي أثير في انتخابات سنة ١٩٦٧ يشكل عقبة كادت تؤدي بالحياة النيابية ومسيرتها الطيبة.

3- الانتخابات التكميلية:

هي عقبة أظهرها قصور في قانون الانتخابات في تغطية العوارض التي قد تصادف عمل المجلس، لذلك فإنه عندما استقال عدد من النواب من مجلس سنة 1967 لطعنهم في الانتخابات أنها ليست مشكلة انتخاب أعضاء بدلًا منهم وكانت نصوص القانون خالية من معالجة هذا الأمر وتلافى المشرّع ذلك بإضافة نصوص تعالج هذا النقص بواسطة الانتخابات التكميلية وجرت الانتخابات التكميلية تطبيقًا لذلك.

4- الإشاعات:

وهي ما يطلقه بعضهم من اتهامات أو معلومات خاطئة يقصدون منها تشويه صورة طرف آخر وإضعاف موقفه بين الناس والإشاعة من العمليات «القذرة» سياسيًّا والتي يستخدمها بعضهم خلال المعارك السياسية والحملات الانتخابية، وفي الكويت لا تخلو الانتخابات من هذه الممارسة فبعض المرشحين يستخدمون سلاح الإشاعة للتأثير على جمهور الناخبين وصرفهم عن المرشح الخصم، وهم يطلقون الإشاعات غالبًا على ثلاثة طرق هي:

أولًا: المفاتيح الانتخابية وهم الأشخاص الذين لديهم خبرة في مجال الانتخابات وتربطهم صلات وطيدة بأهل المنطقة.

ثانيًا: الصحف والمجلات.

ثالثًا: الديوانيات: إذ في مثل هذه المحافل يستطيع الشخص الواحد أن يؤثر على عشرات الأشخاص وهؤلاء بدورهم ينقلونها إلى ديوانيات أخرى ويتوسع نطاق الإشاعة.

الظواهر

1- ظاهرة التحالفات والكتل:

لم تكن هذه الظاهرة ذات وجود بارز في انتخابات المجلس التأسيسي وانتخابات مجلسي الأمة الأول والثاني حتى برزت بصورة واضحة في المجلسين الثالث والرابع ففي المجلس الرابع سنة ١٩٧٥ برزت في تلك الانتخابات التي سبقت ذلك المجلس أسماء لتجمعات وتكتلات، فنجد كمثال: تجمع أطلق على نفسه اسم «الأحرار الديموقراطيون»، وتجمع آخر أطلق علي نفسه «الشباب الوطني الدستوري» وظهر تجمع آخر باسم «التجمع الشعبي» وكان شعاره العدالة الاجتماعية والشورى وكان هناك تجمع «نواب الشعب» وكذلك «التجمع الوطني» وأصدر بيانه الانتخابي بعنوان «المنهاج» والصفة العامة التي تجمع هذه التكتلات والتجمعات هي احتواؤها على أسماء مرشحين موزعين في مناطق مختلفة، كما أن هذه التجمعات كانت توحي للمتتبع لها بأن البلاد مقبلة على تقنين نظام الأحزاب أو تنذر بقرب تطبيقها، وكانت هذه الظاهرة واضحة وبارزة في انتخابات سنة ١٩٧٥ وهي وإن كانت لم تختف في الانتخابات الأخيرة سنة ١٩٨١ كما يلاحظ بأن هناك تحالفات بين عدة قوى متنافسة لا تجمعها بالضرورة روابط فكرية فقط وإن كانت هي الغالبية إلا أنه لا يمكن إهمال التحالفات العائلية أو المصلحية.

2- ظاهرة الانتخابات الفرعية:

لم تكن هذه الظاهرة موجودة في السابق وبدأ ظهورها في المجلس الثالث، واشتد ظهورها أكثر في انتخابات المجالس: الرابع والخامس والسادس حتى في مجلسنا القادم، وهذه الظاهرة بغض النظر عن آراء المؤيدين أو المعارضين لها، تمثل علامة بارزة في انتخابات السبعينيات والثمانينيات حيث كان للانتخابات الفرعية الأثر الأكبر في حسم نتيجة الانتخابات العامة لصالح الفائزين بها في الغالب، ورغم أنها ظاهرة عامة إلا أنها ظاهرة تنتشر في المناطق التي تتعدد فيها الاعتبارات القبلية، ويحاول الجميع الفوز في الانتخابات عن طريق توحيد الآراء والتوجهات المتقاربة أو الأفخاذ المختلفة في القبيلة الواحدة.

المعارضة السياسية في الكويت

عرف الدكتور عبدالله النفيسي مفهوم المعارضة السياسية في إحدى لقاءاته السابقة مع المجلة فقال: مفهومي للمعارضة السياسية النظري هو أنها كتلة أو مجموعة من المواطنين الذين يحملون مفاهيم سياسية متجانسة تتضمن برنامجًا للحكم يختلف عن المفاهيم والبرامج المعمول بها في الحكم الحالي.

وعقّب على ذلك بقوله: وفي إطار هذا المفهوم للمعارضة السياسية أقول بأنه توجد في الكويت معارضة سياسية ودورها في تاريخ الكويت دور واضح ربما ساعدت عليه ظروف كثيرة منها موقع الكويت وما يترتب على هذا الموقع من حرص سياسي لتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن في المعادلة السياسية الداخلية والخارجية. وبرزت هذه المعارضة في العشرينيات والثلاثينيات، وطرحت مفاهيم مغايرة واستمرت حتى يومنا هذا وكان دورها في الكويت يستهدف في الأساس تحقيق المصالح العامة للشعب الكويتي.

* وفي سؤال موجه للسيد أحمد السعدون حول الدور الذي لعبته المعارضة الكويتية خلال المسيرة النيابية عبر المجالس السابقة أجاب باختصار: إذا أردنا أن نستعرض بإيجاز دور هذه المعارضة التي عايشناها منذ المجلس التأسيسي حتى المجلس الحالي نجد أنها بدأت عند وضع الدستور حيث برزت توجهات تنادي بالمشاركة الشعبية، واستمر دور المعارضة السياسية في المجلس الأول ثم الثالث والرابع حتى المجلس الخامس، وإذا استثنينا المجلس الثاني «المزور» نجد أن دور المعارضة السياسية في المجلس الأول دور بارز فهو أول مجلس بعد ولادة الدستور ولقد نجحت عناصر المعارضة في قضية هامة تتعلق بالمصدر الرئيسي الوحيد في الكويت وهو النفط، إذ إنها رفضت اتفاقية تنفيق العوائد التي جات بها الحكومة، وفي المجلس الثاني (المزور) نجد أن كافة الأطراف التي كانت موجودة على الساحة كمعارضة سياسية في ذلك الوقت ائتلفت في قضايا معينة، وفي مجلس سنة ١٩٧١ كان دور المعارضة واضحًا وخاصة في اتفاقية المشاركة حيث رفض المجلس الاتفاقية التي قدمتها الحكومة ولما تحقق للجميع أن فيها إجحافًا للكويت سحبتها الحكومة وجاءت باتفاقية جديدة تتفق مع التوجه الذي كان موجودًا في المجلس، وأيضًا في مجلس ١٩٧٥ فبالرغم من قصر عمره إلا أنه تصدى لمواضيع لم تستطع المجالس السابقة عليه إنجازها وهي على سبيل المثال قانون التجنيد الإلزامي وقانون المحكمة الإدارية الذي أعادته الحكومة في فترة الحل.. وكذلك في مجلس 1981 فكان للمعارضة السياسية دور بارز وذلك عندما وقفت في وجه تنقيح الدستور الذي لم يعرض على أي مجلس سابق واستطاع هذا المجلس أن يسقط عملية التنقيح.. وكذلك استطاع هذا المجلس من إصدار بعض القوانين المهمة كقانون الهيئة العامة للاستثمار وتعديل قانون المحكمة الإدارية وتعديل قانون الجنسية فيما يتعلق بتقليل سلطة الحكومة بالتجنيس.

* وحول موضوع مدى صحة ارتباط مفهوم المعارضة في المجالس السابقة بالحدة في الطرح والأسلوب يقول الدكتور عبدالله النفيسي حدة الطرح تعتمد على طبيعة القضية المطروحة للنقاش وكذلك على الظروف الموضوعية والتوفيق في الطرح وعلى موقف الحكومة إزاء القضية المطروحة للنقاش وموقف المعارضة منها، وكذلك جوهرية هذه القضية كما أن الحدة في الطرح لا تعكس بالضرورة وجود معارضة، وفي تصوري أن المعارضة تبرز من خلال مناهج المطالب وجوهريتها، فمثلًا عندما تأتي مجموعة من النواب تطرح مذكرة مفصلة حول شؤون النفط وتحدد مطالبها إزاء قطاع النفط هنا تظهر لنا جدية المعارضة ليس في حدة الطرح وإنما في مضمون الطلب، وفي تصوري أن أفضل شكل للمعارضة في الكويت هو «خذ وطالب» والاستمرار على هذا النحو.

وفي سؤال وجهته المجتمع للسيد عبدالعزيز الصقر حول إن كان راضيًا عن دور المعارضة عمومًا في الكويت، وهل أدى إلى نتائج عملية؟ أم أن دورها كان محصورًا في تسجيل المواقف؟ أجاب قائلًا:

المعارضة جزء عضوي أساسي وأصيل في جسم أي نظام ديموقراطي، والحرية طبيعة وتعريفًا هي أن يكون للمواطن حق التفكير بالبدائل في جميع الأمور وحق الاختيار بين هذه البدائل تبعًا لقناعاته مع الالتزام بالانصياع لرأي الأغلبية في القرار النهائي وبالتالي لا يمكننا أن نتصور وجود ممارسة ديموقراطية صحيحة دون وجود معارضة واعية ومخلصة، فوجود المعارضة إذن ضرورة طالما رضينا الديمقراطية نظامًا ولكن هذا لا يمنعنا من أن نقيم أداء المعارضة ومدى نجاحها أو فشلها تمامًا كما تقيم أداء الحكومة ومدى نجاحها وفشلها: أما عن دور المعارضة في الكويت فأعتقد أنه كان دورًا إيجابيًّا بصورة عامة وإن كان لم يخل من بعض الأخطاء والمواقف ورغم أني لا أبرئ المعارضة في الكويت من مثل هذه الأخطاء ومن بعض المزايدات، إلا أني أعتقد تمامًا أنه من الظلم القول أن دورها كان محصورًا في تسجيل المواقف بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول إنه كان للمعارضة البرلمانية الكويتية تأثير إيجابي في كثير من القضايا الرئيسية، كما كان لها الكثير من المواقف الواعية والناجحة والتي أغنت الحياة البرلمانية والممارسة الديموقراطية في البلاد، وفي كل الأحوال يجب ألا ننسى أن «المعارضة» بحكم تعريفها هي ذات الأقلية العددية بين النواب، لأنها لو كانت غير ذلك لأضحت صاحبة القرار، ولكن هذا لم يمنع المعارضة الكويتية من أن تكون معارضة مؤثرة في القرار.

وفي محطتنا الأخيرة في هذه الجولة نعرض ملخصًا لما جاء في ندوة «تقييم التجربة البرلمانية السابقة» والتي نظمها الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في مساء يوم الاثنين 1992/7/6 والتي شارك فيها كل من السيد مبارك الدويلة والدكتور عبدالمحسن المدعج والسيد عبدالمحسن جمال والسيد أحمد باقر.

ففي الكلمة التي ألقاها السيد مبارك الدويلة طالب فيها الحكومة والشعب بجميع مؤسساته الشعبية بضرورة تقييم التجربة البرلمانية للاستفادة من الأخطاء واستثمار الإيجابيات. وامتدح المهندس الدويلة الشعب الكويتي لإفشاله جميع محاولات وأد الديموقراطية كمحاولة تعديل الدستور وذلك عندما خلق الشعب الكويتي بوعيه رأيًا عامًّا داخل المجلس الذي رفض المشروع مما اضطر الحكومة لسحبه، وكذلك رفض هذا الشعب لحل مجلس عام ١٩٨٥ وفى مؤتمر جدة التاريخي إبان الاحتلال تم التأكيد على العودة لدستور ١٩٦٢ ليدير الكويت الثانية كويت ما بعد التحرير.

أما الدكتور المدعج فقال إنه من خلال المسيرة الشعبية الكويتية للمطالبة بالمشاركة الشعبية نخرج بعدة حقائق من أهمها أن الديموقراطية الكويتية ديموقراطية محلية وليست خارجية وأن مطالبة الكويتيين بحقوقهم مطالبة سليمة، وأن أقصى طموحات الشعب الكويتي هي المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار.

أما السيد عبدالمحسن جمال فقد تحدث عن موضوع الطائفية والقبلية كأحد سلبيات العمل الديموقراطي. بقوله إن الانتخابات عززت الطائفية والقبلية في الكويت بسبب المرشحين الذين استغلوها للوصول إلى المجلس مشيرًا إلى أن الطائفية تعززت في الكويت في مجلس عام ١٩٨١ خلال الحرب العراقية الإيرانية، وحول سلبيات القبلية قال السيد عبدالمحسن إن القبيلة كمؤسسة اجتماعية لا عيب فيها ولكن العيب في أن تولد لدينا العصبية العمياء مشيرًا إلى أن السلطة استغلت قضية القبلية لأهداف سياسية واضحة.

وأخيرًا تحدث السيد أحمد باقر عن مجلس عام ٨٥ كنموذج في هذه التجربة مؤكدًا في بداية حديثه على أن موضوع التعاون بين السلطتين يحتاج إلى طرفين يقبلان التعاون وقال: إنه بالنظر إلى مسيرة مجلس عام ١٩٨٥ فإنه كان مجلسًا قبِل التعاون مع السلطة التنفيذية وضرب بعض الأمثلة على ذلك منها أن المجلس لم يرفع مذكرة للأمير بعدم إمكانية التعاون، كما أنه وافق على البرنامج الحكومي وبالمقابل استعرض بعض الأمثلة التي تدلل عدم تفاعل الحكومة في مجال هذا لتعاون المطلوب بين السلطتين.

الرابط المختصر :