; انتخابات 92 شراء الأصوات داء بدأ بالانتشار | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات 92 شراء الأصوات داء بدأ بالانتشار

الكاتب ناصر المطيري

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

مشاهدات 51

نشر في العدد 1014

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

 

انتشار داء شراء الأصوات

إن شراء الأصوات والرشاوى الانتخابية ليست ظاهرة أصيلة في الكويت، فهي قد بدأت بالظهور بشكل واضح في السنوات الأخيرة فقط. وهذا الداء الخبيث رغم إقرارنا بأنه لا يمثل ظاهرة عامة منتشرة، إلا أنه ينبغي محاربته؛ فهو مهما صغرت قنواته، فوجوده يعني أن جرثومة الفساد تنخر في جسم المجتمع، وهي تنتظر الفرصة لكي تنتشر وتتوسع. وإن شراء الأصوات، بالإضافة إلى معوقات الانتخابات الأخرى، تعمل على نخر جسم الديمقراطية الكويتية كما تنخر الأرضة جذع النخلة الميتة، فتبقى الديمقراطية شكلًا لا مضمون لها. وللأسف، فقد شجع التهاون في محاربة هذه الظاهرة أصحاب القلوب المريضة على سلوك مثل هذا السبيل.


التصدي للظاهرة: ريادة "المجتمع" ورد فعل السلطة

وقد كانت مجلة «المجتمع» من أول من أشار إلى هذه الظاهرة محذرة منها؛ ففي العدد 674 الصادر في نوفمبر 1983، كتب الأستاذ إسماعيل الشطي رئيس التحرير في صفحة "إلى من يهمه الأمر"، مشيرًا إلى هذه الظاهرة الخطيرة وعواقبها، فقال: «ألف دينار كويتي لكل صوت ناخب يدفعها السيد (...) استعدادًا لخوض انتخابات عام 1985 القادمة في منطقة العمرية والرابية، وقد رصد مبلغ قدره نصف مليون دينار لضمان خمسمائة صوت خائن يتمكن من خلالها الوصول إلى عتبة مجلس الأمة».

وحذر رئيس التحرير من مخاطر هذه الظاهرة... «إن هذه الظاهرة ستلوث المناخ السياسي في الكويت ولا تبقي من الديمقراطية سوى الشعارات».

وقد جاء في مقال الأستاذ الشطي دعوة للسلطات لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع الرشاوى الانتخابية - وهي قادرة حتمًا على ذلك - كذلك أشار المقال إلى دور وسائل الإعلام في مكافحة الظاهرة «وكشف بشاعة هذه الجريمة»، وأشار كذلك إلى دور أجهزة الدعوة والوعظ في البلد على محاربة هذه المعصية.

وبعد هذا المقال، تقدمت وزارة الإعلام بشكوى إلى النيابة العامة ضد رئيس تحرير المجتمع بدعوى إثارة البغضاء والشقاق، وذلك لتتم إحالته للسلطة القضائية، وتم استجواب السيد الشطي في النيابة العامة وتم حفظ القضية.


الفتوى الدينية والردود الشعبية (شباب الجهراء)

فتوى من الأوقاف:

كما أصدرت وزارة الأوقاف في شهر أبريل 1984 فتوى رسمية جاء فيها أنه لا يجوزللناخب أخذ مبلغ من المال أو أية هدية مقابل الإدلاء بصوته لأي مرشح في الانتخابات، وإن على المرشح الذي قدم الرشوة أو الهدية أن يتوب توبة الندم، وأن على الناخب أن يتوب إلى الله سواء نجح أو فشل مرشحه، وتكون التوصية بأن يخرج هذا المال الخبيث في شيء من أوجه الخير.

ردود الفعل الشعبية:

كذلك صدرت ردود فعل شعبية ضد هذه الظاهرة، فقامت مجموعة من شباب منطقة الجهراء بإصدار بيان استنكروا فيه هذه الجريمة التي يرتكبها ضعاف النفوس من الطرفين - الراشي والمرتشي - وجاءت ردة الفعل الشريفة ضد ذلك من قبل الشباب الذين ساهم سلوك بعض المرشحين في منطقة الجهراء ودفعهم الأموال لشراء الذمم، كذلك صدرت تعليقات شبيهة بهذه في مناطق أخرى.

وكان مما جاء في بيان شباب الجهراء:

أخي الناخب: تذكر دومًا أن: صوتك أمانة في عنقك. الانتخاب شهادة فاحرص على أن تكون شهادة صدق وليست شهادة زور. مستقبل أولادك أغلى بكثير من حفنة دنانير. من اشترى صوتك باعك. من باع ضميره فقد باع دينه ووطنه وأهله وشرفه وكرامته.

 

تحليل المفكرين القانونيين والسياسيين

وقد ساهمت الصحافة المحلية والأسبوعية في معالجة هذه القضية، وساهم المفكرون والكتاب في التصدي لها، فكتب الدكتور غانم النجار في صحيفة الوطن يقول: «إن خطورة الأمر تكمن في كوننا أصبحنا تعادل المواطنة أو الجنسية الحمراء بقيمتها المالية، فنرهنها ساعة لشركة في البحرين، ونرهنها ساعة لأسهم، ونبيعها تارة أخرى للانتخاب»، وقد نوه الدكتور النجار في مقاله إلى موقف شباب الجهراء وأشاد به.

وقال الدكتور عجيل النشمي في مقابلة مع صحيفة الأنباء: «إن الناخب الذي يسترزق ويتكسب من وراء بيع صوته إنسان نفعي أناني، وجوده مرض في حد ذاته، ومن يشتري صوته فهو بمثابة المجال الذي تنمو فيه جرثومة المرض، والسكوت عن هذا الأمر انتشار لوباء يجعل من أشقياء القوم سادة متحكمين بل متسلطين».

وتحدث كتاب ومفكرون آخرون حول القضية، وعلق رجال القانون حول الموضوع، وبيّن أحدهم أن شراء الأصوات لا تعتبر «رشوة» في القانون الكويتي، أي لا تطبق بحقها عقوبة هذه الجريمة؛ لأن أحد طرفي الرشوة يجب أن يكون موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة، وقانون الانتخاب هو الذي تطرق لشراء الأصوات ولكن دون حزم.


 تحرك مجلس الأمة ومشاريع التعديل

وقد حثت ردود الفعل الشعبية هذه السادة أعضاء مجلس الأمة إلى طرح الموضوع في المجلس، وطالب النواب بمنع هذه الظاهرة ومعاقبة من يمارسون شراء الضمائر.

وبرزت هذه القضية في جلسة يوم الثلاثاء 4 ديسمبر 1984، وقد تحدث مجموعة من النواب عن هذا الموضوع، وقال النائب فيصل الدويش: «ترى ماذا يريد المجتمع الكويتي من نائب طلع بالرشوة، كيف له أن يؤدي أعماله بالأمانة والصدق؟ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. نحن على استعداد لمساعدة الحكومة وأخص بذلك وزارة الداخلية لتعيننا على حماية التجربة الديمقراطية».

وقد تحدث النائب محمد الرشيد وانتقد بقوة تقاعس السلطات عن مطاردة الراشين ومنع هذه الظاهرة، وقال: «... وهذه كلمة أوجهها للحكومة فليشهد التاريخ بأن هناك رشاوى تدفع للانتخابات والإتيان بنواب عن طريق الرشوة ولم تحرك الحكومة ساكنًا».

كذلك تحدث النائب عيسى الشاهين، مشيرًا إلى أن علاج المشكلة يكمن في أمور ثلاثة: أولها: ضرورة تطبيق القوانين بصورة كاملة من قبل السلطات تجاه الرشاوى، وثانيها: تصعيد الوعي الشعبي وتبيان خطورة هذه الجرائم مع الإشادة بموقف شباب الجهراء والمناطق الأخرى من الرشاوى، وثالثها: تقوية الحافز الديني لدى الشعب عن طريق صيانة العمليات التربوية والإعلامية بما يحقق ذلك.

كذلك حذّر النائب أحمد السعدون من خطر هذه الظاهرة وأشار إلى اتساع نطاقها، وقال: «إن ظاهرة شراء الضمائر التي كانت بالسابق محصورة في دائرة واحدة أو في بعض الدوائر بدأت وبكل أسف الآن تنتشر في العديد من الدوائر الانتخابية».

وأشار السعدون إلى وجود أطراف سياسية تستغل هذه الظاهرة، فهناك شخص عندما رأيت عليه النعمة سأله أحد من يعرفه، يقول: يا فلان هذه الأيام بانت عليك النعمة، صرف وعطاء وبذخ ودعوات. قال: إن العملية بغاية البساطة، إن «المعازيب»، وقد ذكر اسمه وقال: فلان قال: «إن معزبي قد أعطاني مائة ألف دينار آخذ منها خمسين ألفًا وأضعها في الجيب والخمسين الباقية أصرفها على الناس» عجيب...

هذا وقد تقدم ثلاثة من النواب، وهم السادة مشاري العنجري وجاسم الصقر ومبارك الدبوس، بمشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لعام 1962 في شأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة. وتركز التعديل على منع إبداء الرأي من قبل الناخب أمام لجنة الانتخاب شفاهًا إلا في الحالات التي يستحيل فيها إبداء الرأي على ورقة الانتخاب. وفي هذه الحالة، يتم التصويت بحيث لا يسمعه سوى أعضاء اللجنة. ويتم إثبات هذه الحالات على ورقة من قبل رئيس اللجنة، وإذا تبين فيما بعد ذلك أن الناخب كان قادرًا على إبداء رأيه كتابة خلافًا لما ادعى، فإن العقوبة تناله.

كذلك تقدم ثلاثة نواب آخرون، هم السادة النواب محمد البراك وحمود الرومي وخالد النزال، بمشروع لتعديل القانون 35 نفسه، وذلك بعد الاقتراح الأول ببضعة أسابيع. وقد تركز التعديل على معالجة الممارسات السلبية للمرشحين، ومنها الرشوة الانتخابية، حيث اقترح النواب عقوبة 3 سنوات وغرامة (1000) دينار لمن يرتكب هذا الجرم.


مسؤولية منع الرشاوى: الأطراف الثلاثة

منع الرشاوى الانتخابية مسؤولية من؟

ويبرز هنا تساؤل حول الطرف الذي تقع عليه مسؤولية منع الرشاوى الانتخابية، وتتجه الأنظار إلى 3 جهات:

1- السلطة التنفيذية:

فالحكومة تملك سلطة الحركة واتخاذ القرارات والتدابير اللازمة لكبح أصحاب الرشوة الانتخابية، ولديها سلطات الأمن التي تستطيع الإيقاع بهؤلاء وجرهم إلى العدالة، وتخليص الديمقراطية في بلدنا من هذا الداء الخبيث. ويبدو أن تقاعس هذه السلطة من متابعة هؤلاء قد شجع الكثيرين من المتاجرين بالديمقراطية إلى التحرك لممارسة رشاويهم، ولكن إطلاق يد السلطة التنفيذية في معالجة هذه المشكلة له محاذير؛ لأن الجهات المختصة في السلطة التنفيذية قد تسيء استخدام هذا الحق؛ لذلك فإن التعديل الذي اقترحه النواب (العنجري، الصقر، الدبوس) والمشار إليه سابقًا هو أكثر ملاءة بشرط أن ينفذ بدقة.

2- وسائل الإعلام:

ونقصد الرسمية منها بشكل خاص؛ فالتلفزيون والإذاعة لا يمارسان أي دور في توعية الناخبين تجاه الرشاوى الانتخابية وخطرها على المجتمع، بل إن وسائل الإعلام الرسمية هذه لا تكاد تساهم بشيء في مضمار التوعية السياسية لدى المواطنين في مسألة الانتخابات. إن على المسؤولين أن يرددوا دائمًا من خلال وسائل الإعلام رفض الدولة لهذه الممارسات، وأن ينددوا بها حتى لا يفهم البعض من صمت المسؤولين تجاه ذلك أن الحكومة لا تستاء من هذه الممارسات. وعلى وزارة الأوقاف حث الخطباء والوعاظ في المساجد على مناقشة هذا الموضوع وتذكير المصلين بموقف الشريعة والدين من هذه الرشاوى المحرمة.

3- المواطنون:

وهم الطرف الأكثر فاعلية في القضاء على هذه الظاهرة؛ لأن الرشاوى لا تتم إلا من خلالهم؛ لذلك فإن انتشار الوعي بين المواطنين عن خطورة هذه الظاهرة وموقف الشريعة الإسلامية منها سوف يعمل على القضاء على الرشوة؛ لأن الراشين لن يجدوا زبائن لتجارتهم المحرمة. وقد تحرك المواطنون فعلًا وشجبوا هذه الجريمة ومن يمارسونها، وأصدرت مجموعة من شباب بعض المناطق بيانات أعلنوا فيها استنكارهم، وطفق مجموعة منهم يترصدون لأصحاب الرشوة الانتخابية ويحذرون الناس منهم.



الرابط المختصر :