; المجتمع الثقافي ( 1605) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( 1605)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 18-يونيو-2004

مشاهدات 46

نشر في العدد 1605

نشر في الصفحة 50

الجمعة 18-يونيو-2004

أفلام سينمائية عن البوسنة بين التزييف ومحاولة الاقتراب من الحقيقة

انتقاد لاذع لفيلم كوستاريتسا الذي فاز بالسعفة الذهبية في «كان»

سراييفو: عبد الباقي خليفة

«نيما بروليما» أو «لا توجد مشكلة» هو عنوان فيلم إيطالي للمخرج غينان كرلوبوتشي عن الحرب البوسنية «أبريل ۱۹۹۲ -نوفمبر 1995». ورغم أن «نيما بروليما» يبحث عن الحقيقة إلا أن النقاد يعتقدون أن «الحقيقة هي أولى الضحايا عندما توثق الأحداث في أفلام تعبر عن وجهة نظر أصحابها حول الحرب.

وللمفارقة فإن كرلوبوتشي نفسه قام بتصوير هذا الفيلم للتأكيد على ما ذهب إليه النقاد. وكان قد صور أفلامًا وثائقية عن حصار سراييفو والحرب في كوسوفا وخلال السنوات الماضية.

وقد وصف بعض النقاد والسينمائيين أعمال كرلوبوتشي بأنها أفلام لا تنسى.. تنقل المشاهد عبر الزمان والمكان إلى أبشع حروب البلقان وأكثرها همجية، بيد أن المخرج لم يسجل هذه المرة فيلمًا تسجيليًا، بل روائيًا تم تصويره في مناطق صرب البوسنة، وقال عن ذلك «إنها مغامرة شاقة ولكنها ناجحة تمخضت عن فيلم يواجه القضايا المعقدة بشكل واضح وفعال عن الدوافع الحقيقية للحرب ودور الإعلام».

وقال المخرج: «الشجاعة هي ما تميز سيناريو الفيلم، ويمكننا وصفه بأنه شجاع جدًا». ممثلة الفيلم المقدونية لادينا تيسكا تقول: إن الفيلم يتحدث عن الحقيقة، وعن حق معرفة الحقيقة، وعندما نقول الحقيقة نقول حق العدالة، وهذا ما تتجاهله الدول الغربية والسياسة الغربية.. مستويات الرؤية مختلفة، أولها، وهو ما نلمسه مباشرة قضية الصحافة. وخلق الروايات التليفزيونية «الشريرة التي تغزو منازلنا لتجعلنا غير واعين بتلك الحروب».

من جهة أخرى واجه فيلم «الحياة معجزة» للمخرج أمير كوستاريتسا الذي كان مرشحًا لنيل السعفة الذهبية في مهرجان كان انتقادات لاذعة من السينمائيين البوسنيين وكتاب السيناريو وعلى رأسهم كاتب السيناريو عبد الله سدران الذي قال: إن «كوستاريتسا قلب الحقائق وأراد إعطاء صورة غير حقيقية عما جرى في الحرب، وحاول بطريقة لا يفهمها غير السينمائيين إبعاد جريمة الاغتصاب التي مارسها الصرب بحق المسلمات في البوسنة».

وقال سدران المعروف في منطقة البلقان بأعماله الروائية: «لقد أراد كوستاريتسا إخفاء جريمة، لكنه من حيث لا يشعر كشف عن جريمة أخرى هي أسر مدنيين أبرياء بل نساء ليستبدل بهم جنودًا صربيين أسرى لدى المسلمين وهذه حقيقة.. لكن الحقيقة الغائبة في الفيلم هي قصة الحب غير الواقعية، فقد يسقط الجندي في حب امرأة، ولكن المرأة التي تؤسر وتعذب لا يمكن أن تسقط في حب جلادها. في الوقت الذي يواصل فيه ارتكاب المذابح الجماعية بحق شعبها، لكننا شاهدنا ذلك في فيلم كوستاريتسا».

وأضاف: «الحقيقة الأخرى التي حاول كوستاريتسا إخفاءها هي أن المرأة التي يتم أسرها تتعرض للاغتصاب على يد الجنود، فكيف تزوج ذلك الجندي الأسير من فتاة اغتصبها والده؟ واعتبرت الصحافة البوسنية «السعفة الذهبية» التي فاز بها الفيلم مجرد موقف سياسي من إدارة مهرجان كان وليست جائزة فنية لفيلم سينمائي، وقالت بعض الصحف إن السعفة الذهبية الفرنسية مماراة ورد فعل على تكريم فيلم بوسني من قبل هوليود.

وكان فيلم بوسني تحت عنوان «أرضنا» «ناش زيمليا» قد حصل على أوسكار في هوليود قبل أشهر كأفضل سيناريو..

وقد اتهمت الصحافة البوسنية كوستاريتسا بالفاشية لمواقفه السياسية التي عبر عنها، فقد ذكر في حوار مع صحيفة لوفيجارو الفرنسية أنه «صربي القومية أرثوذكسي الديانة».

ويدور فيلم «الحياة معجزة» حول عائلة صربية مفككة، تتكون من زوجين وابن، حيث هربت الزوجة مع موسيقار تاركة ابنها وزوجها، ومع اندلاع الحرب في البوسنة التحق الابن بالجيش الصربي لقتال المسلمين، فأسره المسلمون، وعمد والده لأسر فتاة مسلمة لمبادلته بها، وأثناء عملية تبادل الأسرى وقع الشاب في حب الفتاة وتزوجها. وقد أعطى البوسنيون المسلمون للفيلم اسمًا جديدًا هو «الحياة كذب عند كوستاريتسا».

صاحب فيلم «فهرنهايت 11/ 9» يفضح حرب «البيزنس»

فاز فيلم «فهرنهايت 11/ 9»، بجائزة أحسن فيلم «السعفة الذهبية» في مهرجان كان مؤخرًا، وقد تركز الانتباه على مايكل مور صاحب الفيلم الذي يتعرض لهجمات سبتمبر الأمريكية، وشخصية الرئيس بوش ويقول مور «إن فيلمه ينقسم إلى قسمين: الأول يتناول مسألة الصداقة التي تربط بين عائلتي بوش وبن لادن على حد قوله، بينما يركز الثاني على المأساة العراقية». 

وقد فضح مور في فيلمه -كما يعتقد ويشاطره في ذلك الكثيرون- العصابة المحيطة بالرئيس جورج بوش، التي أقنعته بأن «عليه ألا يتابع الأخبار في وسائل الإعلام حتى تبقى نظرته للأمور واضحة كما يريدونها هم، وقال مور إن «عصابة البيت الأبيض استطاعت استغلال أحداث 11 سبتمبر لتحقيق مآربها الشخصية والأيديولوجية.

وأكد من خلال مشاهد الفيلم أن «الحرب الأمريكية على العراق، هي حرب «بيزنس» تستفيد منها الشركات المرتبطة بعائلة بوش وبالحزب الجمهوري، كما حمل في فيلمه على الإجراءات القانونية غير الديمقراطية التي تم اتخاذها في أعقاب ١١ سبتمبر والتي صورها في بعض المشاهد بشكل ساخر، حيث إن أعضاء الكونجرس الذين صوتوا على تلك القوانين لم يقرأوا مضامينها، لأن قراءتها تأخذ منهم وقتًا طويلًا حسب رد بعض الأعضاء الذين سألهم مور.

وكشف المخرج في فيلمه أن «الأمريكيين الذين يموتون في العراق هم من أبناء الشعب بينما لا يوجد سوى جندي واحد من أبناء أعضاء الكونجرس الأمريكي في العراق، ويخلط الجد بالفكاهة عندما يطلب من أحد أعضاء الكونجرس إرسال أبنائه للعراق للقتال هناك، وهو ما يرفضه بالقطع، وينتهي الفيلم الوثائقي بمشاهد تنكيل بحث الجنود الأمريكيين في العراق، وبمشاهد عن أعمال التعذيب التي تعرض لها الأسرى العراقيون على يد الأمريكيين.

مكتب الرئيس نيكسون:

فيلم أمريكي آخر للمخرج نيلز مويلر، عرض في مهرجان كان السينمائي، يفضح الميكافيلية الأمريكية، حيث يبرز أن بعض السينمائيين الأمريكيين بدأوا يحققون إنجازات على الصعيد الإنساني بفضح السياسات الرسمية المتماهية مع اللوبيات القوية في الولايات المتحدة «التي ترى من مصلحتها تدمير العراق وقتل روح الإنسان في داخل كل عراقي» وهو ما قاله شين بين نفسه بطل الفيلم الذي قام بدور «صامويل بيك» الذي كان يلاحظ الأساليب الميكافيلية للسلطويين الأمريكيين، فقام سنة ١٩٧٤ بمحاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، وقد واجه صمويل بيك في حياته سلسلة طويلة من المصاعب وأدى به الفشل المتواصل في حياته إلى صب نقمته على شخص الرئيس، فسعى إلى قتله ولكنه فشل أيضًا ولقي حتفه في النهاية. لقد انطلق الفيلم في بادئ الأمر من فكرة اغتيال الرئيس جونسون ولكن الفكرة تغيرت بعد العثور على وثائق تتعلق بمحاولة حقيقية لاغتيال الرئيس نيكسون فتم توجيه القصة إلى ناحية أخرى ترتكز على «حقائق وأحداث واقعية».

 

واحة الشعر

شعر: عبد الرحمن صالح العشماوي

يا بلاد الرافدين

أنشودة باكية على ركام مسجد

جمعوا الشمل فإن الخلف عار

 

 

واختلال الصف ذل وانكسار

 

حارس الظلماء ما زال يريكم

 

 

كيف يغتال بكفيه النهار

 

أعلن الحرب على الأمة حتى

 

 

لم يعد يخفي دعاواه ستار

 

يدعي العدل وللجور رسوخ

 

 

في سجاياه، وللحقد استعار

 

في ربوع المسجد الأقصى دماء   

 

 

تحت رجليه وفي غزة نار

 

وله في ساحة الأفغان جند

 

 

أغلقوا بوابة العطف وجاروا

 

ظالم حظ المساكين اعتداء

 

 

صارخ منه، وظلم واحتقار

 

يدعي الإصلاح ما أكذب دعوى 

 

 

مفسد، إصلاحه لهو وبار

 

ظالم أسكره الوهم وغطى

 

 

عقله الواعي كبر واغترار

 

ينسف البيت بصاروخ ويغفو

 

 

بعد أن تسلبه الوعي العقار

 

لم يزل يحلف بالله عراق

 

 

أنه جاوز ما نال التتار

 

هذه الفلوجة اشتد لظاها

 

 

والدم المسفوح في الأرض جبار

 

تشهد الأشلاء أن الحرب فيها 

 

 

لغة صاغ معانيها الكبار

 

آه من مسجدها لما تهاوى

 

 

ومن المحراب أخفاه انفجار

 

ومن المئذنة البيضاء صارت

 

 

خبرًا حدثنا عنه انهيار

 

ومن القنبلة الرعناء لما

 

 

أشعلت منها على الركع نار

 

رحم الله المصلين تواروا

 

 

وطوى أخبارهم عنا الدمار

 

قتلوا في المسجد الأمن غدرًا 

 

 

حينما احتجوا على الباغي وثاروا

 

هذه أشلاؤهم ترفع صوتًا

 

 

ربما يسمعها حر يغار

 

يا رجال الوعي في الغرب، لديكم   

 

 

من علوم العصر فن وابتكار

 

أو ما في علمكم إنكار ظلم

 

 

من رجال بينكم فيهم سعار؟

 

جلبوا أسلحة الرعب إلينا

 

 

ورمونا بلظاها وأغاروا

 

فاردعوا ظالمكم يا قوم عنا

 

 

إن عقبى الظلم ذل وصغار

 

يا عراق المجد ما زالت ترينا                  

 

 

عالمًا أصبح بالظلم يدار

 

أين بغدادك عنا ليت شعري

 

 

ما الذي يخفي دخان وغبار

 

كشف الستر فللغاصب وجه

 

 

فيه للبغي، وللحقد شعار

 

تشهد الكوت، وآلاف الضحايا    

 

 

والرمادي، وقتل وحصار

 

أن ما يدعونه الإصلاح وهم

 

 

يتلهى بمعانيه الصغار

 

يا بلاد الرافدين الروح عطشى    

 

 

وفم النبع جفاف وانحسار

 

فمتى يبتسم النهر صفاء

 

 

ومتى تزهر في الروض الثمار؟

 

خاطبي أمتنا رب خطاب

 

 

صادق اللهجة يتلوه ادكار

 

يا ملايين الملايين، لماذا

 

 

يتولاك نكوص واندحار

 

أكل الثور الذي فيه بياض

 

 

والذي فيه سواد واحمرار

 

والذي فيه خطوط باهتات

 

 

لا نراها والذي فيه اصفرار

 

والذي فيه من الألوان لون

 

 

زنبقي والذي فيه اغبرار

 

والذي مشيته فيها ثبات

 

 

والذي مشيته فيها ازورار

 

والذي يحمل قرنين، ولكن

 

 

ما لقرنيه على الرأس قرار

 

ألف ثور أكلت حتى سمعنا

 

 

قصصًا ينقلها عنه الحمار

 

فلماذا الغفلة الكبرى لماذا

 

 

ومتى روح البطولات تثار؟

 

أيها الساسة أصحاب المعالي  

 

 

والسعادات إلى أين المسار؟

 

تعب استسلامكم منكم، وملت   

 

 

ساحة الذل كما مل انتظار

 

اخرجوا من حفرة الوهم وطيروا    

 

 

بجناحي عزمكم فالقوم طاروا

 

جمعوا الشمل ولو يومًا يتيمًا

 

 

لتروا كيف يكون الانتصار

 

اتخاذ التقدم صنمًا فكريًا ثقافيًا

محمد السيد

ما أعذب أن يكون الصدق رائد الكلمة، فهناك تستيقظ الينابيع الثرة على صوت البلابل تصدح ألحان الوفاء، وتطبع قبلة من الندى العذري فوق الجباه الشامخة، لكأن صدق الكلمات أسرج خيله، وانطلق بعيدًا، يبحث عن شمس الحقيقة في قلب منارة اعتلت صهوة بحر، ثم ألقى نظرة وداع في حضرة الدم البارد.

وها هم بعد الرحيل يشهرون أقلامهم في كل زاوية من زوايا أوطان الأمة، إنهم يرمونك بالتقدم، فإذا نطقت بكلمة تمت إلى الأصل، يقولون لك: وأين التقدم؟! وإذا تحركت حركة بعيدة عن مهوى أفئدتهم، ينبهونك إلى أنك تجاوزت التقدم، وفي المقابل: إذا كتبوا مقالة وقعوا عليها باسم التقدم، وإذا اقترفوا ذنب الاعتداء على الثوابت بأقلامهم، صرخوا في وجه المعترضين إنه التقدم، رباه.. ما لهذا الصنم الثقافي والفكري الذي يمهر باسمه أعتى الشناعات، وأجهل الطروحات، وأظلم الأفكار، وأجرأ المروق، وأبعد مهوى السقوط، وأرسف قيود القهر والتغييب وأقسى عمليات الإقصاء والاستئصال والتهميش، وأشد حالات الهزيمة الداخلية المعنونة برمز الواقعية الجديدة؟!!

أرأيت إلى الكلمات التي تحمل المعنى وضده..؟

لقد أصبحت كلمة التقدم اليوم من هذه الكلمات، فهي تحمل عند الكثيرين المعنى العكسي، فهم يطلقونها، ويريدون لها أن تدافع عن كل الهنات والسوءات التي يحدثونها في فكر الجيل وثقافته، وجعلهما منبتين بلا جذور.

فأنت إذا توجهت بالنقد لثقافتهم وفكرهم المستوردين في قضية المرأة، ألقوا بوجهك كلمة التقدم، واعتذروا أن نهجهم في موضوع المرأة لا يخالف العقيدة والجذور والتراث، بل إنهم يكدسون لك من الروايات والنصوص الموضوعة أو المجزوءة المقطوعة عن سياقها، يؤيدون بها شذوذ الرأي الذي يحملون حالهم في ذلك حال أستاذهم قاسم أمين، الذي قال الشاعر أحمد شوقي في رثائه أبياتًا، توحي بالمعنى الذي أوردناه آنفًا.

وهذه الأبيات هي:

ولك البيان الجذل في أثنائه العلم العزير

من مطلب حسن كثير في مزالقه العثور

ما بالكتاب ولا الحديث إذا ذكرتهما نكير

حتى ليسأل: هل تغار على العقائد أو تغير

وإذا وقفت في وجه دعوتهم إلى الذوبان والتماهي في الآخر، رموك بالصنم الجاهز «التقدم... التقدم يا هو...... ألا تفهم؟.. ثم أمطروك بسواد الصحف التي تحاول أن تتفاهم وتتعالى عليك.. أنت الجاهل المتحجر الواقف عند القديم، لا تريد أن تبرحه، ومن أنت حتى تواجه عباقرة العصر وفلاسفته وجهابذته، الذين إذا أفتوا في شيء؟ يجب أن تخرس كل الأصوات والألسن واللغات، وليصغ الدهر إلى أقاويلهم وأحابيلهم التي لم تجلب لهذه الأمة حتى اليوم سوى التخلف والتراجع والخلاف، مبهرجة بصنم التقدم العاري من طلب التقدم الحقيقي الراسي على أساسات جادة، تمسك البناء الجديد، وتدعمه، وتعليه أكثر فأكثر، وهم بذلك يقعون في ساحات الهوى المعادي للرأي والنظر والبصيرة، وقديمًا قال ابن المقفع في أدبه الصغير: «على العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى معاديان، وأن من شأن الناس تسويف الرأي وإسعاف الهوى، فيخالف ذلك ويلتمس: ألا يزال هواه مسوقًا ورأيه مسعفًا، وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران، فلم يدر في أيهما الصواب، أن ينظر أهواهما عنده فيحذره».

إن مثل هؤلاء الذين يحملون مصطلح التقدم صنمًا بلا حياة يرمون به كل مخالف لما يطرحون وما يعرضون من هوى معارض للعقل والتفكر والمصلحة الوطنية والعربية والإسلامية، إن مثلهم في ذلك كمثل المصاب بالفصام «شيزوفرينيا» في الفكر والثقافة، إذ إن هواهم وأنانيتهم تدفعهم إلى الإصرار على التكسب بما يقولون مما لا يستند إلا إلى مصادمة الأمة وهويتها وخصوصيتها، وذلك بعد أن اجتالتهم شياطين الإنس والجن، فأقنعتهم وأغرتهم بالاستمرار في السير المعوج، في حين أن العقل والنظر الحق يقولان بخلاف ما يطرحون وما يعرضون، بل هما يؤكدان لهم أن ما عند الذين يعارضون قد يكون هو الذي يبتدئ الحق، فيحاول أن يجتهد في صلب الموضوع، ليجلب ما يصلح للوقت..

 

ما الغريب؟!!

في مشاهد التعذيب في سجن «أبو غريب»؟

شعر: فيصل بن محمد الحجي

اتهمونا بالإرهاب.. ثم جاؤونا بالاحتلال.. وبشرونا بالديمقراطية والعيش الرغيد... 

ولكنهم فتحوا السجون والمعتقلات التي جاؤوا لإغلاقها.. وأعادونا إليها أفرادا وجماعات..

 ومارسوا علينا من فنون التعذيب المبتكرة ما يغبطهم عليها المستبدون والطغاة..

 لقد عرف تاريخ العرب الظلم والسجون.. وعرف الجلادين القساة.. 

ولكنه ما عرف -فيما نعلم- الجلادات القاسيات!!

 لأن المرأة بفطرتها رقيقة الشعور تميل إلى الشفقة، فمن أي طينة تلك «الجلادة» الأمريكية في سجن «أبو غريب» التي ظهرت وهي تعذب رجلًا عراقيًا؟ هل هي يهودية تلمودية شارونية؟

ما الغريب؟!

في الذي يحدث في سجن الغريب؟!!

مسرح الأهوال والظلم الرهيب!!

إنه السجن الغريب....

ما الغريب؟

هل بدا المرأى جديدًا؟

إنه أمر غريب!!

ذلك السجن العريق..

هل نسيتم كيف كان

من أعاجيب الزمان؟

كم بريء سحقته المطحنة

وعزيز أوهنته المسكنة

كم نجيب غاله الزبانيه

ويتيم يشتكي مآسيه.

كم حبيب غاب عن عين الحبيب.

فإذا فاضت من السجن الدماء

وانجلت فيه آفانين البلاء

ما الغريب؟

فزنازين العذاب نفسها!

والسياط اللاسعات نفسها

شعبنا انقاد لجبار عنا!

إنما الرأس تغير

فأبو جهل مضى

وهرقل قد أتى

ما الغريب؟

قد أتوا كي ينقذونا

خدعونا!

أغرقوا بغداد حبًا!

كي يعبوا من غدير.. النفط عبا!

خدعونا!

من وعود كاذبات أشبعونا

وإلى السجن القديم أرجعونا....

ما الغريب؟

في العراق....

لم يكن «صدام» إلا واحدًا!

أمريكا بقواها أنجبت

ألف صدام.. وزادت واحدًا!

ثم زد ما شئت واحسب صاعدًا!

ذاك جلاد.. وذي جلادة....

ظهر الطغيان حتى في النساء

حين لم يطفئ تصابيها البغاء!!

فاكتوى الأحرار من حقد الإماء

وغدت بغدادنا تنتحب

عضها ثعبانهم والعقرب

هكذا أدركت ما معنى الحضارة؟!

إنها ظلم ونهب ودعارة!!

ما الغريب؟!

هل غدونا نرفض اليوم المهانة؟

إنه أمر غريب!!

هل لنا من سلطة الذل حصانة؟

إنه أمر غريب!!!

يوم كنا في دجى الأرحام.. وافتنا القيود

هكذا أوصى اليهود

كل أم لم تلد إلا العبيد...

أرضعتنا من حليب الذل أثداء الخدم

ما تعلمنا من القول سوى قول «نعم»

ونسينا «لا»!

إن «لا» الحمقاء من قول العجم؟

نحن نعتز بأنا عرب

أترانا نرتضي قول العجم؟!!!

وانمحت أسطورة العز التليد

فاسترحنا وأرحنا الذاكرة

وانجذبنا للدروس الماكرة!!

حيث لا نسمع عن أمجاد –عفوًا- عن أساطير العرب

وجهاد المسلمين

وخشيناها كما نخشى الجرب

ربما ملنا إلى الفعل الحرام

ربما ننحاز للإرهاب في دنيا السلام!!

قل لهم: في مطبخ «التطبيع» ما أشهى الغذاء

إن رأيت «العلج» قم.. قم ورحب بسخاء

إنما الدار لهم!

أنا أو أنت على أعتاب داري نزلاء

إنني في وطني الغالي غريب

فإذا حملقت في سجن «الغريب»

ورأيت السوط يقتات الضحايا

ورأيت النار تشوي وتذيب

وعلا صوت النحيب

ما الغريب؟

هل رأيت الضب يومًا يتعالى في السماء؟

هل رأيت الفأر في الغاب تحدى الأقوياء؟

هل رأيت الشاة ترمي الذئب بالسيف المضاء؟

كيف ترجو من شعوب أن تخوض المعمعة؟

وأبو جهل على أكتافها يجلدها بالمقرعة؟

وبدا «كسرى» معه؟!

ما الغريب؟

قال لي السجان يومًا:

إن هذا ليس سجنًا!!

إنه مشفى ومنبر!!

إنه جامعة الإصلاح... فأفخر!!

والأطباء -لكل الناس- عسكر

قلت: إن السجن عار.. إنه

وصمة العار على وجه المهيب

وصمة العار.. على وجه الطبيب!!

وصمة العار على وجه الخطيب!!

إنه حزن تبعثر!!

يحزن العالم إلا تل أبيب!!

قد رأينا عندما صاح النفير...

عسكر «النمرود» فروا...

من ملاقاة اليهود

سر «شارون» وأوصى بالمزيد!!

إذ رأى النخاس يقتاد العبيد!!

فاستباحوا الدار.. وانهار الصمود!!

ما الغريب؟

عرف الأجداد بدرًا، وبطاح، القادسية!

حرروا «القدس» وكل البشرية

وعرفنا «كامب ديفيد»

وعرفنا أوسلو!

ثم أبدعنا بإسقاط القضية

لنزيد المكرمات العربية!!

نشأ الأجداد أحرارًا.. أباة.. أهل عزة!!

إنهم لم يعرفوا سجن الغريب

لم يزوروا «قفقفا» أو «تدمرا» ([1])

لم يزوروا «زعبلا» أو «كوبرا» ([2])

لم يفوزوا بنعيم «المزة» ([3])

حيث تشتد قوى الأعزة!!

إنما الأبصار عمي!

حين ينصب دم لمسلم به غزة!

هكذا «غوار» تبدي الحادثات عجزه

وضحايا الظلم مشمئزة!!

ما الغريب؟!

الغريب:

أن ينال الشعب عزًا وكرامة

أن يعيشوا بأمان وسلامة

الغريب:

أن نرى القدس بأيدي المسلمين

أن نرى الأقصى مصلى الفاتحين

الغريب:

أن نرى أمتنا متحدة

حيث لا.. مجلس الأمن ولا متحدة

عندما نرفع رايات الجهاد..

ويسود العدل في كل البلاد..

ويزيل الحق فرعون وعاد

لن ترى في الوطن الغالي الحبيب

أي سجن الغريب أو قريب

كل هذا لو جرى..

هل سيجري يا ترى؟!

كل هذا لو جرى

إنه حقًا غريب...

إنما الله سميع ومجيب...

وشفائي في دوائي

ودوائي في جهادي ودعائي

فلعل النصر -يا قومي- قريب


 

([1]) قفقفا: سجن مشهور في الأردن، وتدمر: سجن مشهور في سوريا.

([2]) أبو زعبل: سجن مشهور في مصر، وكوبر: سجن مشهور في السودان.

([3]) المزة: سجن مشهور في سوريا.

الرابط المختصر :