; انتهت الحرب واستمرت المأساة | مجلة المجتمع

العنوان انتهت الحرب واستمرت المأساة

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999

مشاهدات 110

نشر في العدد 1355

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-يونيو-1999

قوافل اللاجئين بدأت في العودة لكن علامات استفهام مازالت تحيط بمصير كوسوفا

  • مهاجرو البوسنة أكثر من مليونين لم يعد منهم إلا ٤٠٠ ألف رغم توقيع اتفاقية دايتون.. التجربة لا تدعو إلى الاطمئنان على لاجئي كوسوفا

  • لماذا استسلم ميلوسوفيتش؟.. رفض «رامبوييه» ثم عاد وقبلها؟! 

  • هل هناك صيغة سرية تقضي بعدم استقلال كوسوفا؟ 

  • أحد الذين عملوا إلى جواره: ميلوسوفيتش رجل لا يستطيع العيش بدون أزمة.. إذا واجهته مشكلة صغيرة صنع مشكلة أكبر ليتعامل معها! 

  • على امتداد قرن كامل ظل الألبان ضحايا خطط صربية إجرامية ترمي إلى تذويبهم داخل صربيا الكبرى

  • القوات الروسية تحركت بسرعة لاحتلال العاصمة ومناطق الكثافة الصربية حتى تظل أحادية العرق لا يدخلها الألبان

استسلم ميلوسوفيتش، ولكنه لم يعترف بالهزيمة، بل وقف مرتديًا بدلته الزرقاء، ورابطة عنقه ذات الخطوط العريضة، ليعلن: «بني وطني الأعزاء، أتمنى لكم سلامًا سعيدًا»، هكذا ببساطة، وعلى الشعب القبول كما قبل الأطلسي، على الرغم من ضرباته الجوية على مدار أكثر من أحد عشر أسبوعًا، أن يتفاوض مع الرجل الذي لطالما وصفوه بأنه الغشاش الأكبر، والمحتال والنصاب والجزار.

وقف -مجرم الحرب- ليعلن أن كوسوفا لم تخرج من أيدي الصرب، وأن القرار بوجود قوات ليس قرارًا أطلسيًا، بل أمميًا دوليًا، ولكنه وللمرة الأولى لم يقم بسب الناتو والحلفاء ورميهم بالنازية، كما اعتاد إعلامه على ذلك طوال أسابيع الضرب.

لماذا استسلم ميلوسوفيتش؟: كثير من المحللين –ولا نستثني من ذلك بعضنا– رجحوا صمود ميلوسوفيتش باعتبار أن الضربات الجوية لن تحسم الحرب، وكما قال المحلل السياسي – إيفور دالار – من معهد بروكينجز – لقد راهن كلينتون على نجاح الضربات الجوية، وراهنت بريطانيا على التدخل البري وراهن الصرب على ابتلاع الضربات «وقصر نفس» الناتو، والخلافات الداخلية بين أعضائه، وراهن الجميع على طول عمر الأزمة، ولم ينجح سوى كلينتون! 

وليس هناك من شك في أن توجيه تهمة جرائم الحرب إلى ميلوسوفيتش ورئيس صربيا ميليتينوفيتش، ونائب رئيس الوزراء اليوغسلافي نيكولا ساينوفيتش، ووزير الداخلية الصربي فلايكو ستويليكوفيتش، ورئيس أركان القوات اليوغسلافية دراجليوب اويدانيتش، كان له أكبر الأثر في تضييق الخناق حول ميلوسوفيتش، وربما أعطاه فرصة للتفاوض حول الاستسلام ما دام رأسه سيظل بعيدًا عن المحاكمة، وها هو يرحل وجنوده من كوسوفا صاغرين، وكل ما رفضه في رامبوييه عاد وقبله، إن لم تكن هناك اتفاقات سرية، مع العلم أنه لن يستطيع الخروج من صربيا إطلاقًا، ولو إلى اليونان الصديق الحميم، وإلا تم اعتقاله كما جاء في قرار مجلس الأمن الأخير بشأن كوسوفا. 

وعلى الجانب الآخر، فالبعض يرى أن السبب فيما اعتقده الغير صمودًا أننا لم نكن على علم بحجم الخسائر والأضرار التي لحقت بميلوسوفيتش وجنوده، وكل ما كنا نراه هو ما يسمح به هو وآلته الإعلامية، والتي اعترفت أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية بقوتها حين قالت في جلسة استماع في الكونجرس: «نعترف بأن ميلوسوفيتش كسب الحرب الإعلامية وخسرناها نحن» والدليل على ذلك، تضارب البيانات عن حجم الدمار الذي لحق بكوسوفا على رغم دخول الحلفاء «المنتصرين» إليها، علاوة على أن نظام ميلوسوفيتش يحكم بالحديد والنار، ويجيد فن التعامل مع خصومه، وقد خرج من أربعة حروب – خاسرًا– لكنه مازال قويًا، وقهر المعارضة بعد شتاء طويل من المظاهرات في ١٩٩٦م – ۱۹۹۷م، ونحج في ضم بعض رموزها إلى الحكومة، مثل دراسكوفيتش والزعيم المتطرف سيسلي، وعلى رغم طرد دراسكوفيتش من الحكومة، بعد اعتراضه العلني على الاستمرار في الحرب، إلا أن دراسكوفيتش لم يخرج بنوابه من التحالف، بل ترك الباب مفتوحًا لفرصة جديدة، وعند التصويت على اتفاقية مجموعة الثماني كان حزب دراسكوفيتش أول الموافقين، ولد ميلوسوفيتش سيطرة إعلامية منعت الصحافة على كل توجهاتها من نشر تفاصيل الاتفاقية. 

وهو يملك أوراق اللعبة كاملة، فقبل ساعات من عرض الاتفاقية على البرلمان، قام بإقصاء إثنين من أقرب المقربين إليه، أحدهما كان متنفذًا في كل أروقة الدولة والحزب والسياسة والمال، وكان رئيسًا للتلفاز والإذاعة، ورئيسًا لشركة الاتصالات الصربية، والآخر كان مؤلفًا وكاتبًا ويعد من المخلصين له ولطالما نال من المعارضة واتهمها بالخيانة والعمالة.. قام ميلوسوفيتش بالتخلي عنهما كعربون محبة إلى الشعب والأحزاب.. أما الجيش، فقد قال عنه ميلوسوفيتش في خطابه: «لدينا جيش لا يقهر إنه أعظم جيش في العالم، ولم يشهد تاريخنا الحديث وحدة شعبنا كما هو الآن»، إنه رجل قال عنه أحد الذين عملوا معه سابقًا: «لا يمكن أن يعيش بدون أزمة.. إذا واجهته مشكلة صغيرة خلق مشكلة كبيرة ليتعامل معها»، رجل بهذه المواصفات وبهذه الإمكانات استطاع أن يخفي الحقيقة عن العالم، ويضع الكثيرين في مأزق كبير وأمام علامات استفهام أكبر. 

وربما كان الشأن الداخلي من بين الأسباب التي دفعت ميلوسوفيتش لقبول التسوية بعد تعرض مصالح البشر لكثير من الأضرار، خصوصًا الاقتصادية، ومعاناة الناس في الحصول على الغذاء والوقود، وانقطاع التيار الكهربي، بالإضافة إلى انخفاض الروح المعنوية للجنود وهروب البعض، ومسيرات أمهات الجنود، وبعض المقالات الشديدة التي نشرت عبر الإنترنت وهاجمت ميلوسوفيتش. 

فريق آخر من المحللين نحى منحى جديدًا وغير متوقع، حين رأى أن السبب في الاستسلام المفاجئ هو التوصل إلى صيغة –سرية– تحمل في أحد جوانبها، عدم السماح بإجراء استفتاء على استقلال كوسوفا، وأن تعمل القوات الدولية على ذلك، وعلى الجانب الآخر، تقسيم الإقليم وذلك بعد أن تأكد للجميع أن القوات الروسية دخلت إلى مطار برشتينا، وفرضت سيطرتها عليه، مما يراه البعض تمهيدًا لمنع وصول الألبان إلى هذه المنطقة، وكذلك قيام الجيش الروسي– والمتطوعين الروس من الإرسالية الأرثوذكسية بإجراءات معقدة للحيلولة دون وصول الألبان إلى هذه المنطقة بحيث تصبح أحادية العرق –صربية- وإذا ما أضفنا إلى ذلك تهجير قرابة ثلاثة أرباع مليون ألباني يمكن أن يكون مصير الإقليم في النهاية لغير صالح البان كوسوفا، وتصبح الضمانات ببقاء الصرب على الحدود، ولحماية الأماكن المقدسة تمهيدًا لذلك الوضع الجديد.

قرار مجلس الأمن في ١١/٦/١٩٩٩م 

وهو في الواقع مجموعة من القرارات التي صاغها الناتو واستشار فيها روسيا، ولم تمانع فيها الصين، ومررتها أمريكا إلى كوفي عنان لتمريرها لمجلس الأمن، وقد وافق الأخير مشكورًا، ولم تعترض دولة واحدة، ويتمثل القرار فيما يلي:

 ۱– الشق العسكري: يتضمن الشق العسكري من قرار مجلس الأمن، انسحاب القوات الصربية «جيش وشرطة» بالكامل من الإقليم، وانتشار قوة أمن بزعامة الناتو، وتضم قوات فرنسية وإيطالية وبريطانية وألمانية وأمريكية على النحو التالي:

 بريطانيا: ١٣ – ١٥ ألفًا في وسط وشمال الإقليم.

ألمانيا: ۸۰۰۰ جندي في الحدود الجنوبية مع ألبانيا ومقدونيا. 

فرنسا: ۷۰۰۰ جندي في الحدود الشمالية. 

إيطاليا: ٥٠٠٠ جندي على الحدود الغربية. 

أمريكا: ۷۰۰۰ جندي على الحدود الشرقية. 

أما القوات الروسية، فقد احتلت العاصمة والمناطق المحيطة بها في اتجاه الشرق، وهي المناطق التي توجد بها المعابد الصربية والقرى الصربية. 

ويلاحظ أن القوات الأمريكية والبريطانية قد عسكرت في مناطق حدودية مع صربيا نفسها، وقد تم الاتفاق على جدول زمني يبدأ من يوم ١٠/٦/١٩٩٩م، وينتهي في الحادي والعشرين، من الشهر نفسه لانسحاب القوات الصربية في اتجاه الشمال والشرق والشمال الشرقي، وهي الجهات التي دخلت منها القوات الروسية، وذلك لتضمن الأخيرة ممرًا آمنًا بعيدًا عن مواقع جيش تحرير كوسوفا

 ۲– الشق السياسي: وهو خاص بإدارة الإقليم وإجراء الانتخابات والنهوض بالمؤسسات على امتداد ثلاث سنوات تمهيدًا للمرحلة النهائية، والتي –حسب اتفاقية رامبوييه– لا تمنع إجراء استفتاء شعبي لتقرير المصير.

 ٣- الشق القانوني: يتعلق بجرائم الحرب وتتعاون كل الدول في تنفيذه. 

وهناك قرارات متعلقة بالألبان، تنص على وقف أعمال العنف، وعدم تسليح جيش تحرير كوسوفا، ويرى الخبراء العسكريون أن ذلك معناه عدم استخدام كوادر جيش تحرير كوسوفا للسلاح أو اللجوء إلى العمل المسلح، ولا تعني سحب الأسلحة منهم.

 ٤– قرارات اقتصادية: تطرح خطة إعمار وإعادة بناء الإقليم والمنطقة.

 ٥- قرارات حدودية: تؤكد على عدم المساس بحدود يوغسلافيا القائمة «لم تذكر صربيا»، ولا بدول الجوار، وأن يظل الحكم الذاتي لكوسوفا داخل إطار يوغسلافيا. 

وتسمح هذه القرارات بعودة بعض الأفراد من الجيش والشرطة الصربية للمساعدة في تطهير الألغام، وتسهيل مهمات الاتصال، والقيام بدور في مراقبة الحدود. 

٦– قرارات اللاجئين: تنص على عودة آمنة وكريمة للاجئي كوسوفا!! 

٧– قرارات التمويل: تستبعد تحمل الأمم المتحدة لمصروفات العملية وإنما تتحملها مجموعة الثماني بالإضافة إلى هولندا وأوكرانيا وسلوفينيا. 

هذا عن قرار مجلس الأمن، أما فيما يخص ألبان كوسوفا فإن هناك علامات استفهام كبيره حول مصيرهم في هذه البقعة من العالم.

فعلى مدار سني الصراع الممتد قرابة قرن من الزمان، ومنذ الحرب التركية– الروسية في عامي ۱۸۷۷م ۱۸۷۸، وألبان كوسوفا يعانون ظلم الصرب وعدوانيتهم، وكانوا ومازالوا ضحايا خطط صربية إجرامية ترمي إلى تذويبهم داخل صربيا الكبرى. 

وامتدت الجراحات الألبانية عبر السنين لتصل بهم إلى مشارف القرن الحادي والعشرين، لقد مارسوا السياسة فلم تنفعهم عشر سنين من السياسة السلمية لإبراهيم روجوبا –الكاثوليكي– الذين اختاروه كرمز ودليل على أنهم قوم متسامحون. 

ومارسوا المظاهرات فانتهى الأمر بهم إلى السجون حتى إنه في الأربعينيات من هذا القرن، وبعد اعتراض الألبان على قوانين صربية تم تفصيلها –لطردهم– قامت القوات الصربية باعتقال ألف ومائتي متظاهر. 

ومارسوا القتال المسلح، وكادوا يحصدون الثمرة، فجاء الناتو لينحيهم جانبًا عن المسيرة، ويمارس على كفاحهم أسوأ أنواع التعتيم الإعلامي طوال فترة الضربات الجوية، ويمنعون من التسلح، ويضغط عليهم فيقبلوا راغمين، والنتيجة... كوسوفا محمية دولية بإدارة الناتو... والألبان مواطنون ينتسبون إلى دولة يوغسلافيا وعليهم السمع والطاعة لرئيسها ميلوسوفيتش. 

ومئات الآلاف من المهاجرين في انتظار العودة.. فهل يعودون..؟!

لنفتح الملف.. ونحاول الوصول إلى رؤية واضحة فيه. 

تقول إحصائيات وأرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أعداد اللاجئين في العالم تصل إلى ٢٢,٤ مليون نسمة- حتى يناير ۱۹۹۸م فإذا أضفنا إليهم ۷۷۹,۷۰۰ الباني فروا من كوسوفا في خلال الفترة من مارس ۱۹۹۸م وحتى اليوم.. لوصل الرقم إلى ما يزيد على ۲۳ مليون لاجئ، وتبلغ نسبة اللاجئين والمبعدين داخليًا في العالم واحد لكل ٢٦٤ مواطن. 

وتستأثر أوروبا بنصيب كبير يصل إلى ستة ملايين عاد منهم إلى ديارهم ٤٥٠ ألفًا فقط ويطلق لفظ مهاجر على الأفراد الذين فروا من بلادهم خشية التصفية أو الإعدام أو الذين فروا من الحروب أو الصراع المدني، وذلك طبقًا لاتفاقية الأمم المتحدة الموقعة عام ١٩٥١م وبروتوكولها الموقع عام ١٩٦٧م. 

كما يطلق لفظ مهاجر داخلي على كل مواطن ترك بيته وانتقل إلى مكان آخر داخل الوطن بحثًا عن السلامة. 

أما لفظ RETURNEE أو العائدون «وهم قلة» فيطلق على كل فرد من المهاجرين داخليًا أو خارجيًا عاد بمحض إرادته وبكرامة إلى وطنه. 

ويشكل العائدون نسبة ضعيفة جدًا من المهاجرين، فقد وصل عدد العائدين حتى بداية عام ۱۹۹۸م حوالي ٣,٤ ملايين من أصل ۲۳ مليونًا في العالم أي قرابة السدس. 

وقرابة مليون مهاجر طلب حق اللجوء إلى البلد الذي نزح إليه. 

كانت هذه مقدمة ضرورية لما يمكن أن يحدث لألبان كوسوفا ولخريطة المنطقة السكانية من جراء تحريك العنصر البشري –بإرادته أو وفق مخططات– وقد التقت مصلحة الناتو مع مصلحة الصرب في ذلك وسيأتي بيان ذلك عند قراءة تاريخ التهجير الذي نعرض له. 

تجربة البوسنة 

وهي تجربة لا تدفع إلى الاطمئنان، فقد انقضى على توقيع اتفاقية دايتون ١٩٩٥م قرابة الخمس سنوات ومازال اللاجئون في الخارج وقد عقد مؤتمر في سراييفو في فبراير من العام الماضي لمناقشة عدة أمور من بينها إعادة ٢٠ ألف مهاجر إلى سراييفو، والتأكيد على حق المبعدين والمهاجرين في العودة، ومن قبله عقد مؤتمر لندن ١٩٩٦م ومؤتمر بون ۱۹۹۷م ونوقش فيهما إعادة المهاجرين أيضًا. 

ويتجاوز عدد المهجرين البوسنويين مليوني مهاجر داخلي وخارجي، من بينهم مليون بالداخل فقط –بسبب عدم السماح للمواطنين المسلمين بالعودة إلى المناطق التي احتلها الصرب ووقعت ضمن حدود جمهورية صرب البوسنة– كما أن عدد المهجرين بالخارج أكثر من مليون آخر منهم ٤٥٠ ألف بالدول المجاورة كرواتيا – صربيا - الجبل الأسود – وحوالي ٥٠٠ ألف في ألمانيا.

- ١٠٠ ألف في النمسا.

- ١٢ ألفًا بالنرويج.

- ١٦ ألفًا بالسويد 

  • وما تم إعادته منذ توقيع اتفاقية دايتون وحتى اليوم هو ٤٠٠ ألف «ربع مليون من الخارج والباقي من الداخل».. 

  • أما في أمريكا فقد تم توطين ٣٠ ألفًا وحصلوا بالفعل على الإقامة الدائمة هناك وعلى العكس من السياسة التي تنادي بضرورة عودة اللاجئين إلى البوسنة. 

تقرير للخارجية الأمريكية صدر في أواخر ١٩٩٦م أي بعد اتفاق دايتون أفاد بأن النزوح إلى الخارج – الهجرة– مازال قائمًا، وأن هناك قرابة ٩٠ ألفًا نزحوا من البوسنة إلى الخارج، وقال التقرير: «كان مقررًا أن يعود قرابة ۸۷۰ ألف نازح من الخارج إلى البوسنة بعد عام من اتفاقية دايتون، لكن الذي حدث فعليًا هو إعادة ربع مليون فقطه أي أن هناك عجزًا قدره ستمئة ألف لم يتم إعادتهم بعد!!. 

كوسوفا ومحنة التهجير 

وإذا انتقلنا إلى المحنة الحالية نجد أنه طبقًا لبيانات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فإن عدد المهاجرين الألبان يصل إلى ۷۰۰. ۷۷۹ مهاجر خارجي، وحوالي نصف مليون بالداخل يشكلون أزمة إنسانية كبيرة إذا لم ينتبه المجتمع الدولي، ويلاحظ أن الرقم الأكبر من المهاجرين يتواجد في ألبانيا ويصل إلى قرابة النصف مليون، تليها مقدونيا وهي المحطة الأخطر في تاريخ التهجير، وذلك لأن التهجير إليها تم بإشراف مباشر من القوات الصربية. 

كما تم انتزاع هويات جميع المهجرين من قبل الصرب، ولذلك فقد سعت مقدونيا ومنذ بداية الأزمة إلى ترحيلهم بعيدًا عن أراضيها حتى لا تتورط في الإبقاء عليهم إذا لم تسمح صربيا بعودتهم بعد الحرب وهذا ما يبدو في الأفق حتى الآن، وتتحمل مقدونيا قرابة ربع مليون الباني تبتز العالم الغربي بهم، وتهدد وتتوعد مخافة أن تتغير التركيبة السكانية؛ حيث إن نسبة السكان الألبان بالإقليم تصل إلى ٤٠% حسب ما نشرته «السي. إن. إن» يوم ١٤/٦/١٩٩٦م بصفحات الإنترنت، كما تتحمل الجبل الأسود قرابة ٧٠ ألفًا والبوسنة ٢١ ألفًا. 

ويبلغ عدد الذين رحلوا بعيدًا عن أوطانهم وعن البلقان قرابة ٨٤٥٠٠، ويلاحظ أن توزيع الألبان على دول العالم يتم بشكل يتواكب مع معطيات تاريخية لعلاقة هذه الدول بالبلقان فعلى سبيل المثال فإن ألمانيا استضافت ١٤٣٧٢ ألبانيًا، كما استضافت الألبان من قبل وبها قرابة ١٠٠ ألف كوسوفي، و ٦٠٠ ألف بوسني، أما الولايات المتحدة فقد استضافت الألبان في معسكرات بعد تردد دام طويلًا ولا ينتظر أن تستقبل المزيد، لكن كندا قبلت ٥۲۰۰، والنمسا ٥٠٨٠، وفرنسا ٢٥٦١٤، والنرويج ٦٠٠٠، والسويد ۱۳۹۳، وإيطاليا ٥۸۲۹، والدانمارك ٢٦٧٠٠، وهولندا ٤٠٠٠، وكلها دول مسيحية ولها ارتباط سياسي أو ثقافي أو عسكري بالمنطقة. 

وقد استضافت إسرائيل ٢٠٦ قيل إنهم من اليهود، والوحيدة المسلمة التي استضافت ألبان كوسوفا هي تركيا فقد استضافت ۸۰۱۳... ولتركيا تاريخ مع تهجير الألبان من المنطقة سنأتي عليه. 

على أن الأهم أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ذكرت أن هناك ٤٠ دولة على استعداد لاستقبال ۱۳۷ ألف ألباني.! 

قرن ونيف من التهجير 

وكما سبق أن ذكرنا.. فمحنة التهجير الحالية لا تشكل سوى نقطة في كتاب المعاناة الكبير الممتد منذ الحرب التركية الروسية وبداية انهيار الدولة العثمانية. 

لم يكن هناك من ذنب اقترفه الألبان في البلقان إلا أنهم كانوا أوفياء للأرض التي نشأوا عليها، والدولة التي عاشوا في كنفها يحكمون أنفسهم بأنفسهم في أربع ولايات عرفت بولايات الأرناؤوط ليك «الألبان كما يطلق عليهم الأتراك» وهي ولايات ما ناستير – يانينا – شكوبرا – كوسوفا، كما أن الذنب الآخر الذي لم يقترفه الألبان كان طبيعة الأرض التي عمروها وهي سهل ممتد بين مناطق جبلية، فأراضيهم الخصبة وشواطئهم الممتدة على الأدرياتيكي ذنب وجرم دفع باليونانيين والصرب إلى الطمع في تلك الأراضي. 

ويمكن تقسيم المعاناة الألبانية في التهجير إلى فترات:

 ۱– من ۱۸۷٥– ۱۹۱۲م وهي الفترة من قبل الحرب التركية الروسية إلى مؤتمر لندن عام ۱۹۱۲م. 

٢– من ١٩١٢– ١٩٤٤. 

٣– من ١٩٤٤– ١٩٩٠م. 

٤– من ۱۹۹۰ – ۱۹۹۹. 

الفترة الأولى: أطماع وخطط توسعية (١٨٧٥– ١٩١٢م): 

وقد كانت الحرب التركية الروسية الثانية في ١٣/۱٢/۱۸۷۷م إحدى أقسى فترات التهجير ولم تلق صرخات الألبان يومها آذانًا مُصغية من دول الجوار الطامعة أيضًا في أراضي الألبان، وفي هذه الفترة يقول – يوسف كوستيتش– وهو مدرس من ليسكوفاتش شهد واحدة من المآسي: «رأيت أناساً يفرون بملابسهم الداخلية الرثة وهم حفاة دون أحذية، تركوا كل شيء خلفهم، بيوتهم وأمتعتهم، وعلى جانب الطريق التي كنت أسير فيها رأيت جثث الأطفال والكبار تركتهم أمهاتهم نهبًا للموت وفرارًا بأنفسهن، أما الشاهد الآخر على المصير نفسه فهو جون روس الإنجليزي، والذي كان يشغل منصب مراقب الحدود الصربية.. يقول: «حين دخل الصرب إلى نيش بدأ السكان ومعظمهم من المسلمين في الفرار، لم يستطيعوا البقاء فاضطروا للهجرة، وفي هذه الحالة وصل عدد المهجرين إلى ١٠٠ ألف اتجهوا من جنوب صربيا إلى كوسوفا –حسب ما قاله القنصل الإنجليزي في رسالة لحكومته، وعليه فقد أجبر الألبان على ترك قراهم في جنوب صربيا– والتي كان عددها ٤٦٠ قرية يقطنها ١٥٩ ألف مواطن الباني، ثم كان مؤتمر برلين في ١٣/٤/۱۸۷٨م الذي قضى بتوسيع صربيا والجبل الأسود واليونان على حساب أراضي الألبان، وهو ما أدى إلى مزيد من التهجير من تلك الأراضي وجلب الصرب «۷۰۰۰ صربي» من مناطق بعيدة إلى الأراضي الألبانية. 

وعلى رغم ذلك فحتى ما قبل عام ١٩١٢م كانت الإحصاءات تشير إلى أن:

 ۱–إجمالي سكان الولايات الألبانية الأربعة ٢٣٥١٢٠٠ نسمة تتوزع نسبتهم كالتالي:

 ۳– الألبان ١٤٥٢١۰۰ = ٦١,٧٪ 

٤– المقدون ۳۱۷۰۰۰ = ۱۳,٥ ٪

٥ – اليونان ۱۷۰۷۰۰ = ۷,۳ ٪ 

٦– الصرب ١٦٣٩٠٠ = ٦,٩٪ 

٧– الأتراك ١٣٠٤٠٠ = ٥,٥ ٪

٨– الغجر ١١٧٤٠٠= ٥,٤٪ 

وبالتفصيل فإن نسبة الألبان في ولاية شكودرا في الشمال ۹۸.۲٪، وفي ولاية يانينا الجنوبية ٥٩,١٪، وفي ولاية ماناستير –التي تضم مقدونيا– ٥٤,١٪، وفي ولاية كوسوفا ۷۹,۱.

 

الفترة الثانية ١۹۱۲– ١٩٤٤م: التآمر الدولي والنادي الثقافي:

 بدأت هذه الفترة بمؤتمر السفراء –وهو ما يعرف بمؤتمر لندن– بعد هزيمة الأتراك في حرب البلقان، وضم كوسوفا لصربيا، وبدأ معها الطرد المنظم من كوسوفا والسنجق ومقدونيا، وتم تسكين ٢٠ ألف أسرة صربية في المناطق التي طرد منها الألبان. 

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى منحت الدول المجاورة بعضًا من الأراضي الألبانية بما تحمله من سكان، وكان نتيجة ذلك قيام الصرب بمحاولات التخلص من الألبان الموجودين على أراضيهم، وطبقًا لإحصائيات تركية كان بإقليم كوسوفا ٧٤٣ ألف ألباني، بينما الصرب ١٠٦ آلاف فقط. 

 

الفترة الثالثة من ١٩٤٤– ١٩٩٠م الخيانة الكبرى: 

خسر الألمان الحرب وخسر الألبان الوعد الذي قدمه الشيوعيون لهم بالاستقلال، بل طلبت يوغسلافيا من الألمان تحريك ١٠٠ ألف ألباني من ميتروفيتسا حتى يتم توطين الصرب بها. وتم تحريك ٤٠ ألف مقاتل صربي في اتجاه كوسوفا، وعقد اتفاقية الجنتلمان بين يوغسلافيا وتركيا، بخصوص ترحيل الألبان إلى تركيا، على أن تقوم يوغسلافيا بدفع فواتير الترحيل السابق في الثلاثينيات «۹۰ مليون دولار»، وقام الصرب بترحيل كل من يثبت أنه ألباني ولكي يفلت الألبان من ذلك أعلن البعض أنه تركي حتى لا يتم ترحيله، لذا زادت نسبة الأتراك في إحصاء ١٩٥٣م من ٣٤ ألفًا إلى ٢٦٠ ألفًا.!.

وبلغ إجمالي المهجرين في عام ١٩٦٥م ١١٥ ألف ألباني. 

وتشير مذكرة الأكاديمية الصربية للعلوم والآداب والخاصة بالتطهير العرقي إلى زيادة عدد الصرب في الإقليم من ۱۷۰ ألفاً في عام ١٩٤٨م إلى ۲۱۰ آلاف في عام ۱۹۸۱م، ولكن نسبتهم كانت أقل بسبب زيادة عدد السكان الألبان لتصل النسبة إلى ١٣.٢٪. 

 

الفترة الرابعة.. نهاية الشوط ۱۹۹۰– ۱۹۹۹م: 

مع وصول ميلوسوفيتش إلى السلطة وتطبيق الأحكام العرفية وتطبيق سياسة التطفيش في كافة المجالات، الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والتعليمية تم تهجير قرابة مئة ألف ألباني معظمهم توجه إلى ألمانيا وسويسرا. 

وفي مارس ۱۹۹۸م وبداية النهاية: بدأت المجازر وبدأ معها فيضان الهجرة الذي وصل إلى أكثر من ثلاثة أرباع مليون مهاجر. فهل يعود الألبان المهجرون؟

 بعيدًا عن الأمل والرجاء في عودة الألبان فإن التاريخ الأسود الذي ذكرنا بعضه سابقًا يعلمنا أن القضية بأسرها هي صراع للقضاء على العرق الألباني، وقد صادفت خطط الصرب قبولًا من بعض الدول مثل تركيا وهي العدو اللدود لصربيا سابقًا، كما صادفت عونًا من بعض بلدان الغرب وذلك بقبولها توطين وتسكين المهاجرين واحتوائهم ضمن منظومة حضارة تلك الدول، وإذا أضفنا إلى ذلك حجم الدمار الشامل في الإقليم والذي قدرته المفوضية الأممية للاجئين بحوالي ٧٠٪ في الإقليم وتدمير ٥٠٪ من منازل المهجرين، في وقت تضع المفوضية في خططها إعادة نصف مليون مهاجر خلال أربعة أشهر، فإن العودة ترتبط بالسياسة وما تحمله من مفاجآت، فالمهاجرون ينتظرون حتى:

1– يتم انتشار القوات الدولية بالإقليم.

٢– تأمين طرق العودة.

٣– الانتهاء من مشكلات التسجيل. 

٤– تأهيل أماكن العودة والملاجئ وتوفير حاجات المعيشة. 

٥– إزالة الألغام. 

وبنظرة أخرى على تقرير المفوضية نجد مثلًا أن في ألبانيا ١٥٠ ألف لاجئ ليس لديهم إمكانات –مواصلات– للعودة، وبمقدونيا ١٠٠ ألف ليس لديهم وثائق.

وإذا ما نظرنا إلى العامل النفسي وحده في هذا الصراع الطويل الممتد عبر قرن كما ذكرنا، يمكننا القول إن هناك مخاوف حقيقية من عدم العودة أو عدم السماح بها خصوصًا في ظل استمرار ميلوسوفيتش في الحكم وبقاء الألبان تحت حكم اليوغسلاف. 

على أن هناك بعض الأمور التي قد تكون في صالح عودة اللاجئين من بينها.

 ۱– تواجد عدد كبير منهم بالمناطق الحدودية. ٢- عدم رغبة مقدونيا في الإبقاء على اللاجئين بأراضيها. 

٣– قصر فترة الحرب على عكس ما حدث بالبوسنة والتي امتدت ثلاث سنوات. 

٤– طبيعة التركيبة السكانية في كوسوفا والتفوق النسبي الكبير لصالح المسلمين الألبان ربما يدفع الصرب إلى التقوقع داخل كانتونات بالإقليم أو الهجرة خارجه– وهذا ما يحدث الآن. 

 ٥- الحماس الشديد لدى المهاجرين الألبان والرغبة في العودة. 

٦– دور الإعلام في دفع اللاجئين للعودة وحثهم على أن ذلك ضروري ومهم؛ إذ إن بلادهم لا يمكن تعميرها بدونهم. 

وأخيرًا فالطريق إلى المهجر على رغم صعوبته إلا أنه يعقبه بعض الراحة، أما طريق العودة وربما على رغم سهولته إلا أنه يعقبه عناء كبير.

يا مشرَّدِي العالم اتحدوا! 

أحمد الأديب 

هل سيعيد السلام المشردين فعلًا بعد أن شردتهم الحرب التي قامت لمنع تشريدهم؟.. هل يفيد الضمان بوجود قوات دولية، دعامتها أطلسية، وزعامتها أمريكية؟!.. 

تأكيدًا لطيبة القلوب المعلقة بتلك الأسرة الدولية وبالأطلسي وزعامته الأمريكية، يمكن إلقاء نظرة على البوسنة والهرسك.. فقد مضت خمس سنوات على اتفاق دايتون، وعلى وجود قوات دولية، في ظل السيادة البوسنية لا الصربية، وباتفاق سائر أفراد الأسرة الدولية معًا.. وقد حملت القوات الدولية وجلها من القوات الأطلسية –كما سيكون في كوسوفا- وعدًا قاطعًا بإعادة نصف مليون مشرد خارج الحدود، وإعادة مليون ونصف المليون مشرد داخل الحدود إلى مواطنهم الأصلية التي اغتصبها الصرب والحصيلة بعد خمس سنوات.. عودة ١٥٠ ألفًا من المشردين المسلمين، بفضل السلام الدايتوني على الطريقة الأمريكية، وعلى الرغم من وجود القوات الدولية والأطلسية، وقرارت الأسرة الدولية!. 

لا نحب الشيوعية وشعاراتها.. وعلى الرغم من ذلك لا يبقى إلا أن نستنأنس بنداءاتها الأولى تحت وطأة الرأسمالية الخانقة، لترفع عقيرتنا بالنداء تحت وطأة العولمة الأطلسية الحديثة ونقول: يا مشردي العالم اتحدوا!... 

لقد شهد القرن الميلادي العشرون الموشك على الرحيل من عمليات التشريد ما شمل مئات الملايين من البشر، ولم يستقر بكثير منهم المقام إلا تحت التراب وأصبح فريق آخر منهم من المنسيين. 

وتقول المفوضية العامة لشؤون اللاجئين إنها تقوم حاليًا على رعاية أكثر من ٢٢ مليون مشرد «والرقم ما بين ارتفاع وانخفاض من عام إلى عام» ومن هؤلاء أكثر من ١٣ مليون مشرد من المسلمين في أنحاء الأرض كما يتوزع على البلدان الإسلامية نفسها ما بين المغرب وإندونيسيا أكثر من نصف المشردين الذين ترعاهم المفوضية الدولية.. ولكن المفوضية ملتزمة بتعريف خاص بها عن المشردين، لا يشمل مثلًا اللاجئين السياسيين، وهم بعشرات الملايين، ولا من يوصفون بالمهاجرين غير الشرعيين.. بمعنى أنهم لم يراعوا القوانين في البلد الذي يقصدونه قرارًا بأبدانهم من اضطهاد سياسي أو استغلال اقتصادي.. كما لا يشمل التعريف من ترعاهم جهات أخرى أو من جرى دمجهم –ولو كمواطنين من الدرجة الثالثة– في البلاد المضيفة كمعظم المشردين الفلسطينيين.. ولو جمعنا سائر من فقدوا مواطنهم الأصلية لتراوح عددهم بين ٦٠ مليونًا و١٠٠مليون على أقل تقدير، وهنا تبرز الأسبقية للمسلمين أيضًا.. فنسبتهم تتراوح بين ٥٠ و ٦٥٪ من المشردين بمجموعهم، على الرغم من أن نسبة المسلمين من سكان العالم لا تزيد على ۲۰ أو ٢٥٪ على حسب التقديرات المتفاوتة؟!. 

أربعة ملايين فلسطيني.. ثلاثة ملايين أفغاني.. مليونًا بوسني.. مليون ونصف المليون ألباني.. مليون وخمسمئة ألف صومالي.. سبعمئة ألف كردي.. نصف مليون جزائري.. مئة ألف صحراوي.. ثم التشاديون.. والنيجيريون.. والأوجادينيون.. والأريتريون.. والكشميريون.. ناهيك عن ملايين لا يحصيها أحد من مسلمي تركستان الشرقية التي تستعمرها الصين الشعبية، ومنطقة القوقاز التي لم تشملها موجة التحرر من الاحتلال الروسي.. ثم من المسلمين التتار من شبه جزيرة القرم التي أهداها الروس لأوكرانيا قبل استقلالها.. وناهيك أيضًا عن الملايين من المسلمين، الذين استقر بهم المقام في البلدان الغربية، وظاهر أمرهم أنهم يعملون، وقد يصح قول بعض من يحب توجيه الاتهامات إن المال هو الغاية الرئيسة عند نسبة منهم، ولكن الغالبية العظمي، لو ملكوا أمرهم وضمنوا سلامتهم سياسيًا أو ضمنوا إمكان العثور على عمل دون تمييز، ووفق موازين الكفاءة والاختصاص، لفضلوا الخيام في مواطنهم الأصلية على القصور في ديار الغربة.. ولا يعيش منهم في القصور ولا في «سرور وحبور» إلا قلة نادرة، منفصلة نفسانيًا وجسمانيًا، عن مجتمعاتها الأصلية والمضيفة على السواء!. 

أرقام.. تستوعبها أو لا تستوعبها الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، ومن وراء كل رقم مأساة وأحزان وعذاب ودموع، وقصص لا يصدق المبهورون بتقدم القرن الميلادي العشرين أن مثلها يمكن أن يقع، لأن التقدم المادي لم يقترن في حقبته الحالية قط بتحقيق حد أدنى من رقي الإنسان، ويكتفي بمجرد الحديث عن الإنسان في المناسبات.. وبتوظيف الحديث لشن الحروب، وهو يعلم أن كل ذلك كلام في كلام.

الرابط المختصر :