العنوان انحراف خطير في كتب التعليم الإسلامي في الغرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1985
مشاهدات 90
نشر في العدد 717
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 14-مايو-1985
مع توالي الأيام، فرض الوجود الإسلامي في الغرب نفسه على المجتمعات التي كانت كلها مسيحية الطابع، عنصرية المضمون، وبدواعي الحاجة إلى العمالة الإسلامية -في أغلبها- المهاجرة إلى الغرب، لم يستطع القائمون على الأمر تجاهل حقيقة جوهرية هي أن هؤلاء العاملين مسلمون ويحتاجون -حكمًا- إلى تعلم أمور دينهم كما يعرفون شؤون دنياهم.
صراع وانحراف
هنا نشأ الصراع، ولو على المستوى الذهني لدى الحكومات الغربية المختلفة بين ضرورة الحاجة، وبين الأصول التاريخية للنوازع والدوافع الصليبية، فكانت نتيجة الصراع ابتداع هذا الأسلوب الماكر في تقديم تعليم إسلامي المظهر، بأسمائه وشكلياته، منحرف المضمون على عدة محاور:
١- تعمد الخطأ في الوقائع التاريخية الثابتة.
۲ - تشويه الحقائق الدينية وقلبها.
٣ - إيراد المفتريات على أنها حقائق ثابتة.
٤-تلاعب بالمصطلحات وابتداع أسماء مغلوطة.
٥- الغمز واللمز بالمعتقدات والعبادات الصحيحة.
٦- تشجيع الانحراف العقيدي والفكري بدعوى التطور والتجديد.
السم في الدسم
ومن المؤسف أن يتخذ هذا الانحراف الخطير في مناهج تربوية، يفترض أنها تقدم إلى طلبة مسلمين شكل البحث العلمي وتقدم في ثوب دراسي زاهي المظهر بأقلام كتاب معروفين ولنأخذ عينة من هذه الكتب التي تدرس في المدارس الرسمية لبلد أوربي عريق هو بريطانيا لنطبق عليها النتائج التي توصلنا إليها في الفقرة السابقة، فماذا نجد؟
إن أهم الكتب المدرسية التي تقدم في المدارس البريطانية لتعليم الطلبة الدين الإسلامي هي:
١- أديان العالم -تأليف زيمرمان وميد- وبه رسوم توضيحية لشيرلي ستاغرانت.
۲ - أديان العالم - بقلم ف. هـ. هيرود .
٣-محمد والإمبراطورية العربية - بقلم جون دكورت.
٤ - كتاب أديان العالم - بقلم اي. جي. برندر
فعلى مستوى تعمد الخطأ التاريخي نجد في الكتاب الأول أربعين خطأ جوهريًا، منها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ولد عام «٥١٠» م، وأن القدس هي «المكان الذي اعتزم فيه إبراهيم التضحية بولده اسحق؟؟»
وأن الكعبة هي «الحجر الذي جلبه إبراهيم إلى مكة!!»
الحرية والتشويه
ومن العجيب أن ينص القانون البريطاني على أن التعليم الديني يشكل جزءًا من منهج الدراسة الرسمية ولكنه يترك الحرية لكل مدرسة في اختيار كتب الدين التي تراها، ولما كان رجال التربية والفقهاء المسلمون لا يستشارون في أغلب الأحوال فإن بعض الكتب التي تحوي معلومات مضللة عن الإسلام ربما تأخذ طريقها بسهولة إلى المدارس. ويمكن أن يقال إن استخدام أمثال هذه الكتب في المدارس من الأسباب الرئيسة لسوء الفهم السائد في الغرب عن الدين الإسلامي. وهكذا يتلقى الدارس معلومات دينية مشوهة، وإليكم هذه النماذج من الكتاب الأول الذي صدر في ١٩٦٦م:
«ملمس الحجر المقدس كان له فيما يبدو أثر واضح على النبي محمد ويقولان أيضًا عندما حاول المكيون قتل محمد هرب إلى أصدقائه في يثرب.. حيث درب الناس هناك على أن يكونوا مبشرين محاربين».
أما عن القرآن فيقول المؤلفان: «ولا تستطيع أن نجزم بأن النبي محمد كان يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرفهما ويظهر أن أتباعه هم الذين كانوا يسجلون ما يقول، ويضيفان بأن جميع أقوال محمد لم تدون في كتاب واحد» (ملمحين إلى أن القرآن هو كلام محمد وليس كلام الله).
٢٥مغالطة في كتاب واحد
أما كتاب «أديان العالم» لهيرود فقد خصص فصلًا من ثماني صفحات عن الإسلام ويحوي حوالي «٢٥» مغالطة. منها مثلًا قول الكاتب: «قبل الوحي مباشرة كان محمد في حالة عذاب عقلي يتصبب العرق من حاجبيه. ويشكو من نبض مستمر في رأسه كأنما يسمع أصوات أجراس ثقيلة وهذا هو السبب في أن المسلمين لا يستعملون الأجراس في دعوة الناس للصلاة.
ويقول في مكان آخر: «إنه عندما طلب معارضو محمد أن يظهر لهم معجزة أجابهم أنه قد جاءهم بمعجزة وهي القرآن».
ويؤكد هيرود أنه عندما رفض المسيحيون واليهود تعاليم النبي محمد والاعتراف به شعر بالإحباط الشديد واضطهد اليهود في الجزيرة العربية «مع أن العكس هو الصحيح فاليهود العرب تعاونوا مع المشركين في إثارة الحرب على النبي محمد».
الافتراء والسخرية
وعلى مستوى الافتراء والسخرية بالعبادات وابتداع الأسماء والمصطلحات نجد أن الكتاب الأول يقول إن اسم محمد عندما ولد كان «قوطان» وتبرز مكة كمدينة مقدسة فيها بئر زمزم، حيث جدد إسماعيل وهاجر نشاطهما بعد سفرهما الطويل عبر الصحراء قادمين من فلسطين.
ويقول المؤلفان إن «قوطان» نشأ طفلًا عليلًا ولكي يستعيد صحته ويتعافي أرسل بعيدًا عن المدينة إلى أسرة بدوية «وكان العرف بأن يرسل جميع الأطفال الوجهاء في مكة إلى البادية ليتعلموا اللغة الفصيحة ويتمتعوا بحياة البدو الصحية».
ثم يتابع هذا الكتاب قصته فيقول: ذهب قوطان مع عمه وفي خلال أسفاره التقى «برهبان مسيحيين حدثوه عن المسيح»، ويتابع «فلما عاد قوطان من رحلته في القافلة تقدم نحو الأصنام يشكرها على عودته سالمًا» وبعد وضع الحجر الأسود في مكانه أصبح قوطان معروفًا باسم محمد «وليس هنالك وثيقة تاريخية عن حادثة الراهب كما أنه من المعروف أن محمدًا لم يعترف قط بالأصنام أو بأدیان قومه»
والمؤلفان يسميان الإسلام «الدين المحمدي نسبة إلى مؤسسه» ونجد السخرية والغمز بالعبادات في الكتاب الثالث حيث يصف الصيام بأنه «عندما تغيب الشمس وراء الأفق بعد يوم طويل وحار ومملوء بالغبار يقبل المسلم الجائع المنهك على الطعام والشراب قدر استطاعته ذلك قبل أن يأوي إلى فراشه.
تجديد أم انحراف؟
وعلى المحور السادس من مجموعة الانحرافات نقع على التشجيع الذي تبديه الدوائر الغربية لأي محاولة للخروج عن الأصل الإسلامي، وتعتبر ذلك تجديدًا وتطورًا، ففي الفقرات الأخيرة من الكتاب الثاني يعبر هيرود عن سروره للتغيرات التي حدثت في بعض البلاد الإسلامية وخاصة في تركيا بعد ١٩٢٨م حيث «بدأت النساء تتحرر من الحجاب وتتساوى في الحقوق مع الرجال وأصبح المسلمون وغير المسلمين يعاملون على قدم المساواة وأجريت إصلاحات زراعية ضخمة على الأراضي، ويختتم بحثه بالقول: «إن الطلاب الذين يدرسون القرآن يقولون إن محمدًا لم يكن ليسمح في عصرنا الحاضر بأكثر من زوجة واحدة وأنه من الممكن ابتكار أساليب أخرى لأداء الصلوات اليومية وهكذا سوف يتغير الإسلام ولكن من المستبعد أن يزول».
ويعلق هيرود بأن «التقدم الماثل في القرن العشرين يضع مشاكل عديدة وجديدة في طريق الإسلام من مثل السماح للرجل بأربع زوجات والحجاب بالنسبة للنساء، وإقامة الصلاة خمس مرات كل يوم وتحمل الصيام لمدة أربعة أسابيع متواصلة، وربما كانت هذه العادات تتناسب والحياة الخاملة القديمة ولكنها لا يمكن أن تتناسب مع حياة المدنية الحديثة.
والأهم من ذلك أن العادات الإسلامية قد تسببت في ترك الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة بورًا، وهذا الوضع لا يمكن تحمله مع زيادة عدد السكان.
دين بشري!!
وبينما رأينا الكتاب الأول يسمي الإسلام «الدين المحمدي» نجد الكتاب الرابع يدعي أن الإسلام إنتاج رجل واحد، يقول أي. جي. باريندر في مؤلفه «كتاب عن أديان العالم» والذي نشر لأول مرة عام ١٩٦٢م ومؤلفه دكتور في الإلهيات يقول: «كانت الديانة عند العرب تنتظر قدوم وظهور رجل عظيم في القرن السابع وهو محمد والإسلام بخلاف أي دين غيره يعتبر نتاج رجل واحد، ويتابع القول: «بأن موسى جلب التشريعات لليهود والمسيح أتي بالأناجيل للمسيحيين وقد أرسل الله محمدًا بالقرآن للعرب».
ويغمز المؤلف من العبادات الإسلامية أيضًا ويزعم أن الأمر كله ملك وسياسة حيث يقول: «إن محمدًا كانت لديه البراعة بحيث حول الكعبة والحجر الأسود لعبادة الله ولا يزال المسلمون إلى يومنا هذا، عندما يحجون إلى مكة يقبلون الحجر الأسود ويدعون الله».
وأن محمدًا شأنه مثل هنري الثامن، أراد أن يكون له ولد يخلفه، ولكنه كان أقل حظًا ولم يعش أحد من أولاده من بعده.
وماذا بعد؟؟
وهكذا، اتضحت الصورة -فيما نظن- أمام قارئنا العزيز.. الصورة الباهتة المشوهة للتعليم الرسمي للدين الإسلامي في الغرب ولكن الزمن يدور، ومع دورانه جدت على الساحة العالمية مؤسسات تربوية إسلامية أهلية، ومفكرون ومؤلفون إسلاميون قدموا جميعًا كتبًا صحيحة عن الإسلام. ولم يعد أمام المدارس البريطانية والجهات الرسمية أي حجة بأنها تدرس الإسلام مما يتوفر لها من كتب. فإذا كانت تلك الجهات جادة في التعليم الصحيح، فإن أمامها مراجع إسلامية يمكن استشارتها، وخاصة أن من أهداف النظام التربوي البريطاني «مساعدة الناشئة على فهم دينهم واحترام حق الآخرين في اعتناق معتقدات مخالفة لما يتبنونه من عقائد» وعندها فقط سنؤمن بصدق التوجه التربوي لدى الغرب.