; انطلاقة المرأة، بين الصحوة الإسلامية وانتفاضة الشعب الكردي | مجلة المجتمع

العنوان انطلاقة المرأة، بين الصحوة الإسلامية وانتفاضة الشعب الكردي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 46

نشر في العدد 1502

نشر في الصفحة 42

السبت 01-يونيو-2002

ظلت المرأة محبوسة، بسبب الفهم السطحي لبعض النصوص حتى حملتها الصحوة إلى معاهد العلم وميدان العمل العام

كيف تعامل الاتحاد الإسلامي للأخوات مع الأفكار والأيديولوجيات الغربية الوافدة؟

صبرية غفار ([1])

المجتمع الكردي مثل المجتمعات الأخرى له تراثه وخصوصياته وأعرافه التي تؤثر -من ضمن ما تؤثر- على كيفية التعامل مع المرأة بنتًا كانت أو زوجة أو أختًا أو أمًا، إلخ. وبعض جوانب هذا التعامل مع المرأة ليست إيجابية، وغالبًا ما يتخذ من النصوص الشرعية مصدر لمثل هذا التعامل من خلال الفهم السطحي لتلك النصوص، وبطبيعة الحال، فإن هناك بعض المناطق التي تأثرت أكثر من غيرها بهذه الأعراف الاجتماعية التي تقف من حقوق المرأة موقف الضد وتفرض على المرأة أمورًا وتمنع عنها أمورًا أخرى، ومن ذلك، مصادرة حقها في التعليم، وتهميش رأيها بل وإلغاء إرادتها عند الزواج.

هذه الأوضاع -كما أشرنا سابقًا- لم تكن قد شملت جميع المناطق ولكنها كانت قد غطت الجزء الأكبر من كردستان، وعلى سبيل المثال لو استخدمنا لغة الأرقام والإحصاء لرأينا أن نسبة الأميات قبل السبعينيات من القرن الماضي كانت تفوق نسبة الأميين، ونسبة النساء اللواتي تم تزويجهن بدون إرادتهن أو تم تزويجهن عنوة بزواج «الشغار» «كجزء من دية القتل»، كانت أكبر بكثير من النسبة الحالية.

 وغياب المرأة عن ممارسة دورها المنوط بها في تلك الحقبة الزمنية أدى إلى حرمان المجتمع من جهد كبير يمكن أن يسهم في تفعيل الحياة ولم تكن مشاركة بعض النساء المحدودة في نشاطات الحياة العامة من أمثال حبسة خان نقيت و خانزاد وغيرهما، لم يكن مردها التشجيع وإفساح المجال لهن، بل إن قوة شخصيتهن ومشاركتهن العملية جعلت من ذلك أمرًا واقعًا.

وقد أدت النظرة السطحية لبعض النصوص والأحاديث الضعيفة في كثير من الأحيان إلى وقوع ظلم كبير على المرأة وهضم حقوقها، أما النصوص التي تساوي بين الجنسين في التكليف والقيام بالأعمال العامة فقد تم إهمالها مثل الآية الكريمة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ  إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71)، وبالتالي أصبح القيام بمثل هذه المهام المشتركة حكرًا على الرجال فقط.

وقد استمر الوضع على هذا الحال حتى السبعينيات من القرن الماضي حين بدأت الصحوة الإسلامية بالظهور، فبدأ الوضع يتغير تدريجيًا، فقد ارتفعت نسبة التعليم في صفوف النساء، حيث توجهت الأخوات إلى المدارس والمساجد والحجرات لتلقي العلوم الشرعية والمفاهيم الإسلامية الصحيحة وحاولن من خلال تلك المشاركة العملية فهم المضمون الحقيقي للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الخاصة بالمرأة، وتمييز الأحكام الشرعية التي جاءت لصالح المرأة عن الأعراف الاجتماعية التي الصقت بها.

وقبل انتفاضة الشعب الكردي «۱۹۹۱م» كانت نسبة كبيرة من الأخوات قد دخلن إلى الجامعات وكانت نسبة الحجاب قد ازدادت، وبرغم أن الظروف السياسية آنذاك كانت قاسية كانت تشكل عبئًا نفسيًا ثقيلًا على كل من كان به التزام إسلامي وخاصة على الأخوات اللواتي اللواتي كن يظهر أثر الالتزام عليهن واضحًا خاصة من خلال حجابهن، ثم ازداد الوضع تحسنًا بعد الانتفاضة وبعد إعلان الاتحاد الإسلامي الكردستاني كحزب إسلامي سياسي، ومن ثم إعلان الاتحاد الإسلامي لأخوات كردستان كمنظمة نسوية.

في المرحلة التي سبقت الانتفاضة كانت معظم المشاكل داخلية بسبب حالة الانغلاق التي كانت تعيشها كردستان، لكن بعد الانتفاضة وبعد الانفتاح على العالم تدفقت عشرات الأفكار والأيديولوجيات وكان لها دور سلبي على شخصية المرأة، وقد تعامل الاتحاد الإسلامي لأخوات كردستان مع ذلك الوضع باستراتيجيات وخطط عمل محكمة وآليات مناسبة، تصب بمجملها في صالح المرأة الكردية وصالح أصالتها واستقلاليتها وفي صالح شعبها ومجتمعها الكردي، وقد تم على مدى أكثر من سبع سنوات إنجاز نسبة جيدة من هذه الخطط والأعمال، ومن ذلك:

1- تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة الخاصة بالمرأة والتي أقحم فيها الإسلام بغير جريرة.

2- تشجيع الأخوات وإفساح المجال لهن في مجال الدخول إلى العمل العام وإظهار السمت الإسلامي والمحافظة على الحدود الشرعية سواء من حيث المظهر «اللباس» أو المعاملة أو السلوك من خلال تلك المشاركة.

3- المحافظة على الشخصية الإسلامية النسوية في جميع المجالات والأعمال والإقبال على العمل بجرأة وبثقة عالية في النفس ودون تردد وفتور، والتصدي للعمل بشكل مباشر ومستقل والتعبير عن آرائهن وتوجهاتهن في الندوات والمنابر الإعلامية والمناسبات المختلفة بحرية واستقلال.

4- تحصين الأخوات من مغبة السقوط تحت التأثير السلبي للأفكار الغربية المضللة التي تتستر تحت شعارات تحرير المرأة وتنادي بحريتها المطلقة، تلك الأفكار التي تعرض - في حقيقة الأمر- مصالح المرأة للخطر والتي هي نتاج مشكلات وظروف مجتمعات بعيدة كل البعد من حيث المنطلقات والملابسات عن مجتمعاتنا.

5- التأكيد على المحافظة على بناء الأسرة التي تعد أساسًا لبناء المجتمع، لأن معظم الاتجاهات المعاصرة التي تنادي بالحفاظ على حقوق المرأة وإخراجها من تحت وصاية الرجل تعارض وجود الأسرة أساسًا وتستهدف هدمها، وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذل من جهات عديدة لترسيخ مثل هذه المفاهيم والأفكار، إلا أن مدى انتشارها في كردستان قليل جدًا وهي ليست ذات تأثير كبير، وحتى الآن، فإن التصور السائد عن الأسرة هو أن كلًا من المرأة والرجل يكمل أحدهما الآخر ولكل دوره و مهامه في تلك المؤسسة المهمة، خاصة أن الإخوة والأخوات قد استطاعوا أن يقدموا في هذا المجال نماذج عملية عديدة من خلال تقديم الآلاف من الأسر السعيدة والموفقة في حياتها، والتي يبدو عليها جليًا الالتزام بالآداب الإسلامية، ويلعب فيها الجنسان الذكر والأنثى دورًا إيجابيًا في إيجاد جو أسري هادئ وسعيد دون أن يطغى دور أحدهما على الآخر ودون أن يلغي هذا ذاك، واستطاعوا أن يجسدوا بحق الآيات الكريمة الواردة في هذا الباب مثل: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: ۱۸۷) ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: ۲۱)، وأن يجعلوا من الأسرة محضنًا تربويًا لأطفالهم على المودة والحب والإيمان والخلق الحسن، وأن يجعلوا منها بالتالي منطلقًا ينطلقون منه نحو المجتمع للعب دور إيجابي.

6- انطلاقًا من النقطة السابقة حافظت الأخوات دائمًا على حالة التوازن بين المشاركة في العمل الدعوي والسياسي والإداري وبين العمل الأسري، أي لم تكن تلك المشاركة على حساب الحياة الأسرية، وكن باستمرار ينظرن إلى الأمومة نظرة رسالية، وكان النجاح في الحياة الأسرية على الدوام معيارًا من أهم معايير اختيارهن، ومن ثم نجاحهن في المجالات الأخرى.

7- تصحيح نظرة المرأة إلى الرجل باعتباره مكملًا لحياتها لا كجنس مضاد ومهمش لدورها، ومن الأسباب التي أدت إلى نشوء مثل هذا التصور التعامل غير الجيد لبعض الرجال إزاء النساء ومحاولة تهميش دورهن، وفي السنوات الأخيرة وبسبب انتشار أفكار حركات الفمينزم ترسخت مثل هذه المفاهيم أكثر، تلك الحركات التي بدلًا من أن تسعى لتصحيح نظرة المرأة إلى الرجل من خلال تقديم نماذج نسوية ناجحة في المجالات المختلفة، وبدلا من أن تميز بين الرجال وتصنفهم حسب مواقفهم من المرأة، وتضع خطة دقيقة وصادقة لأولئك الرجال الصادقين مع المرأة والذين يفهمون دور المرأة فهمًا صحيحًا ويقدرون طاقاتها وإمكاناتها ويتعاملون معها بعدالة وإنسانية، بدلًا من كل ذلك عمدت إلى التعميم واختارت جبهة العداوة مع الرجل، وبدأت في كثير من البلدان نضالها باسم الحركة الأنثوية ضد الرجل.

ولذا رأت الأخوات أن من واجبهن أن يفصحن عن مشروعهن البديل أكثر وأن يركزن عليه، وأن يربين الأخوات على تلك النظرة التكاملية بين الرجل والمرأة وعلى التفاهم المشترك والتغافر فيما بينهما وإسداء النصح لبعضهما البعض.

8- توعية الأخوات بالحركات النسوية الغربية وأفكارهن التي تسللت إلى كردستان مستفيدة من جو الانفتاح الذي يعشنه ومستفيدة من عدم وجود أي موانع سياسية وفكرية تعيق دخولها، تلك الحركات والأفكار التي تحاول أن تجعل من كردستان نموذجًا مجسدًا لرؤاها وتوجهاتها، توعية الأخوات بتلك الأفكار كي لا يتأثرن بها حين مواجهتها ولا يخد عن بشعاراتها الرنانة، ومع تلك التوعية تم التركيز على الجانب الإيماني والأخلاقي للأخوات.

ومن خلال المزج بين هذه المفاهيم أصبحت الأخوات رمزاً للثبات على الدين والمبادئ والأعراف الكردية الأصيلة، وقدمت صورة نموذجية للمرأة المسلمة المعاصرة في مختلف المجالات، واستطاعت وبشكل واقعي أن تفرض شخصيتها الإسلامية على الساحة وأن تزيل الغبش الذي اعترى صورة المرأة المسلمة، وأن تعيد -عبر نضال طويل وسعي حثيث وعمل متواصل- الكثير من حقوق المرأة التي صودرت من قبل.

  (*)عضو في القيادة في الاتحاد الإسلامي الكردستاني

الرابط المختصر :