; انطلاقة الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان انطلاقة الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974

مشاهدات 12

نشر في العدد 192

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 19-مارس-1974

بقلم: إبراهيم الغمة

ما أعظم الانقلاب الجذري الذي أحدثه رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يوم مادت الأرض بتلك القطعان البشرية وتأرجحت الحياة بما حولهم من الظلام!

وما أروع الطريق الذي شقه في رمال الصحراء، يوم حمل رسالة الإنسانية إلى الإنسانية، ومبادئ الخلود إلى البشرية التائِهة المعذبة، يوم صرخ في تلك البيداء الواسعة فأجابته أرواح انخلعت عن المعاني الأرضية، وتسامت عن الطبيعة البشرية، وتفتحت قلوب لهذه الدعوة كانت كالحجارة في القسوة، وكالصخر في الصلابة، فأقام بها المجتمع الفاضل، وفتح بها مغاليق الأبواب، وكانت بآخر الليل الذي انشق منه الفجر فأضاء العالم.. كذلك رسالته التي جاء بها -عليه الصلاة والسلام- شرقت على النفوس فأشرقت الدنيا.

كانت ثورة الإسلام التي حمل رداءها الرسول الكريم عظيمة كعظم قائدها، وقوية كقوة حملتها، وواسعة كسعة أقطارها.. وكانت ثورة عامة شاملة استهدفت تقويم الميل وحسم الداء بتعديل أو استئصال المركز الباعث للأمراض.. وكان اهتمامها بعلاج جميع ما فسد على السواء فلم تتجه لإصلاح ناحية وتترك المئات كما تفعل النهضات الإصلاحية الأرضية.. لا.. لكنها وضعت حلولًا قويمة لجميع تلك المعضلات التي تمكنت في أصول المجتمع ونشرت جذورها في الأغوار البعيدة.

وكان لهذا الانقلاب النبوي أهميته الكبرى في المجتمع العربي بل في المجتمع الإنساني.. وتتجلى هذه الأهمية في سرعة تأثيره في الأقطار والأمصار وفي قمته وسهولته ووضوحه.

وقد أذهل الإسلام جميع المصلحين في كل زمان ومكان فوقفوا أمامه وقوف إعجاب وإكبار وتقدير، ذلك لأنه كان انقلابًا نفسيًا وروحيًا وشعوريًا وفكريًا غيّر نظرة البشر إلى هذه الحياة، ليس لسلطة القانون الوضعي في إقدامه وإحجامه حظ أو نصيب، إنما أن الباعث الذي يحض المسلم على الامتثال لأوامر السماء ويجعله يحجم من الارتكاس في مزالق الهوى ومعاقرة الشهوات هو الشعور الذي ملأه وملك عليه روحه وقلبه وضميره وجوارحه وأعني به المراقبة لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يخاطب القلوب والضمائر والأرواح فكانت كلماته تخرج ألفاظًا وتنقلب إلى نور يأخذ مكانه في سويداء القلوب.

«تقدم أنس بن النضر يوم أحد وانكشف المسلمون فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة أني أجد ريحها من دون أحد، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنائه».

وكانت دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثورة على العبودية التي استحكمت بين بني البشر بعضهم لبعض، وثورة على الآلهة المزيفة التي حلت من المجتمع الجاهلي حلول الروح من الجسد محررًا المجتمع من هذه العبوديات الباطلة وهداهم إلى الله الواحد ذلك هو الحق المبين:

قال تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 163).

﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: 22).

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْۖ هَلْ مِن شُرَكائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: 40).

وكانت تربية الرسول لأصحابه على التوحيد عالية كعلو أخلاقه -عليه الصلاة والسلام- وقد أينع ذلك الغرس وأثمر بنجوم إنسانية في السمو، وجبال شامخة في الثبات.

يقول أبو موسى:

«انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: «اسجدوا للملك»، فقال جعفر: «لا نسجد إلا لله».

أجل لا نسجد إلا لله..

كلمات تحمل معها الانعتاق للبشر في الدنيا كلها... وما أروع ما قرره الفيلسوف الفرنسي الدكتور غوستاف لوبون إذ يقول:

«وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم».

ويقول: «وتشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام».

وقد أثر التوحيد الإسلامي الذي جاء به الإسلام في كثير من الذين حملوا بعض الجوانب الإصلاحية من غير المسلمين... ومن هؤلاء «لوثر» الذي تأثر في حركته الإصلاحية بالتوحيد الإسلامي... وقد أقر بهذا غير واحد من المؤرخين.

وكانت ثورة الإسلام ثورة على الجهل إذ كانت أول آية نزلت على الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق: 1-5).

كما نوه القرآن بالعلم حتى جعل العلماء في المرتبة الثانية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18) وجعل شهادتهم هي الشهادة وكأن ما عداها لا تعتبر شهادة في الوقت الذي كانت الأمم الأخرى شعارها «أغلق فمك واعتقد».

ومما يفخر به كل مسلم في هذا الوجود، أنه لا يوجد دين من الأديان جعل طلب العلم فريضة غير الإسلام «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

وبهذا الفهم لشريعتنا الغراء أثمر غرس الإسلام وآتى أكله حتى أصبحت القوانين الإسلامية أعظم قوانين الدنيا كلها.. ويكفينا أن نذكر أن محمد بن الحسن الشيباني استخرج من فقه نصوص الشريعة الإسلامية ما يعادل 25,000 خمسة وعشرين ألف مادة قانونية بينما لو جمعنا قوانين أي دولة في العالم لا تصل إلى هذا المقدار.

الرابط المختصر :